اليوم : الأحد 23 إبريل 2017

كنت في الصف الثالث الإعدادي.. في أوائل مراحل البلوغ.. لم انتبه كثيرا لمعالم جسدي التي تبرز يوما تلو الآخر.. كنت لا أزال احتفظ بروح الطفلة في داخلي.. اجري والهو.. انط الحبل، والعب مع أصدقائي الولاد.

ويوم أن قرروا أن يغيروا اليونيفورم لـ “جوب” طويلة وقميص واسع، تأففت كثيرا، فكيف استبدل الجوب شورت بجوب طويلة تعيقني عن الركض واللعب وحتى في المشي؟!

احضروا لنا في التيرم الثاني مدرس لغة إنجليزية جديد.. مستر أسامة.. على الرغم من أنني كنت شقية للغاية، إلا أنني كنت تلميذة نجيبة بحق.. يشكر الأساتذة ذكائي ونبهاتي لوالدي كل أربعاء في موعد زيارة الآباء، حت هذا الأربعاء الأسود.

عدت للمنزل، فوجدت أبي ساخطا وأمي تحاول تهدئته بشتى الطرق..

أخذاني إلى غرفتي وأغلقا الباب، وألقيا محاضرة طويلة عريضة عليّ مفاداها أن مستر أسامة يشتكي مني كثيرا، لأني اركض في الفسحة، ولأني اجلس وساقاي متباعدتين، وليستا مضمومتين مثل الآنسات الكبار، والهو مع من أسموهم زمايلك الشباب.. آه واصبحت في هذا السن ولازالت لا أرتدي صدرية بعد!

ظللت احدق بهما، وأنا لا افهم.. كيف عرف مستر أسامة أنني لا ارتدي صدرية؟ وما المشكلة لو جلست وساقاي مفتوحة قليلا؟ “هو ماله أصلا.. اقعد مفتوحة ولا مقفولة!” وما علاقة ملابسي الداخلية بمستواي في الإنجليش؟

ظلت الأسئلة تداهم عقلي الصغير، فألقيها على مسامعهم، ولا أجد إجابة سوى: أنتي كبرتي وبقيتي عروسة.. عيب.

يوم أن أنهينا امتحان آخر العام، علمت أن مستر أسامة تم رفده، بعد أن اتهمته إحدى تلميذات الصف الثانوي بمحاولته لمسها “من تحت” أثناء الدرس.. ذلك المكان الخطير المحظور إياه.. فرحت كثيرا، حتى إنني اشتريت بكل مصروفي شيكولاتة، وعدت إلى المنزل مغتبطة.. لقد كنت اكره الرجل بحق!

لكن لم ينته الكابوس برفد مستر أسامة.

ظهر في الصف الأول الثانوي مستر عمرو.. مدرس اللغة العربية والدين، ولنركز هنا جيدا.. نعم لقد كان يدرس لنا الدين.

كان مستر عمرو رجلا بصباصا من الدرجة الأولى.. يتأمل معالم الطالبة أمامه من منابت شعرها لأخمص قدميها، ويحشر أنفه في أشياء خاصة للغاية لامؤاخذة.. لدرجة أنه إذا استأذنت إحدى الفتيات للذهاب للحمام وتأخرت قليلا، كان يبعث بطالبة وراءها قائلا بصوت عال – يسمعه الجميع- بنات وأولاد: “خديها للدكتورة عشان لو في حاجة جات فجأة يعني هاهاهاهاها”.

كنت اركض على السلم يوما.. أراد زميلي أبانوب أن يأخذ كشكولي عنوة، فحاولت الفرار منه ضاحكة، فإذا بأبانوب يجذبني من كتف المعطف المدرسي، وإذا بي ارتعد من صوت مستر عمرو خلفنا صائحا: “بتعملوا إيه يا حيوان منك ليها؟!”.. جاذبا إيانا إلى مكتب مديرة المدرسة.. دلف إلى مكتبها دافعا إيانا أمامه قائلا: “إلحقي يا ميس مريم.. البيه والهانم كانوا بيحسسوا على بعض على السلم.. المرة دي كان حاطط إيده على كتفها.. المرة الجاية هايحط إيده فين؟! لازم يتعملهم استدعاء ولي أمر حالا”

ظللت ابكي وأنا لا افهم ما الخطأ الذي ارتكبناه، ومتي حدث التحسيس الذي يحكي عنه مستر عمرو.. كنت ارتعد خوفا من أن يعلم والداي بشئ من هذا ويصدقانه.. ظللت اقسم لميس مريم أن كل ما في الأمر أن أبانوب كان يريد الكشكول اللعين.. والله العظيم كان يريد الكشكول اللعين فقط! قالت ميس مريم: “ارجعي على فصلك يا آلاء.. أنتي ماغلطيش.. أبانوب هو اللي مد إيده عليكي ولازم يتعاقب”، وضربته بالعصا الشمعية عشر ضربات، وذنبته في الحوش يوما بأكمله ليكون عبرة لغيره.. كرهت مستر عمرو من كل قلبي.. كرهته لأنه جعل أبانوب يكرهني.. كرهته لأنه جعلني اكره نفسى.

هي باين كانت مدرسة شمال، فلم نكد ننتهي من قصة مستر عمرو، حتى وفد إلينا مدرس فلسفة جديد، وهذا كما يُقال “شال برقع الحيا” تماما.. كان مستر إيهاب يحدثنا عن الجنس بأدق تفاصيله، وباللغة العربية العامية أثناء الحصص، وكان يحكي لنا عن نوادر العلاقة بينه وبين زوجته وكيف أنه يرفض رفضا باتا أن تطفئ زوجته النور أثناء العلاقة الحميمية بينهما.

حاول مستر إيهاب أن يراود إيمان – أجمل فتاة بالفصل- عن نفسها كثيرا، وعندمت علم أنها على علاقة بشاب في الصف الثالث الثانوي، أشاع أنهما يفعلان “المنكر” في معمل الكمبيوتر أثناء الفسحة! وصّعد الموضوع للمديرة، التي بدورها أخبرت والد الفتاة دون أن تتحقق من الأمر، فما كان جزاؤها إلا الضرب المبرح والحبس بالمنزل، وتحولت إيمان إلى نادرة من نوادر المدرسة.. عبرة وعظة.

انتهت المدرسة بحلوها ومرها، وصرت آنسة كبيرة بالجامعة.. التحقت بحلم عمري.. كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة.. حياة جديدة، ووعد بالتتلمذ على يد مفكرين وأساتذة رائعين، لكن الحلو مايكملش، فلم أكد انهي عامي الأول حتى ظهر في حياتي دكتور (ح)، أو كما كانوا يعرفونه بالكلية باسم الدكتور المتحرش.

كان دكتور (ح) يعطي درجات أعمال السنة بناءا على شكل الطالبة.. إذا كانت مقلوظة ومربربة تأخذ الدرجة النهائية فورا، وإذا كانت نحيفة بعض الشئ، لا ينوبها من الحب جانب.. كان يحاول جاهدا إبراز سحره الصعيدي على فتيات الدفعة، وإذا أراد طالب أن يسأله في شئ، يذهب إليه في مكتبه بصحبة بنت “مزة” حتى يرد دكتور (ح) على أسئلته.. حتى إننا أدخلنا له يوما إحدى صديقاتنا الحسناوات، لنعرف أسئلة امتحان آخر العام، وعرفناها بالفعل!

لماذا احكي لكم كل هذا؟ لأنني منذ يومين قرأت خبرا عن دكتور بجامعة الأسكندرية يتحرش بالطالبات، وحين رفعت ضده شكاوى كثيرة.. ردت عميدة الكلية، بأن من قدمن الشكاوى ضده هن قليلات يسعين للشهرة والبلبة والتشويش على سمعة الكلية والدكتور الفاضل!

لا اعلم كم من فتاة عاشت مراهقتها وشبابها مع نماذج مثل مستر أسامة وعمرو وايهاب والدكتور المتحرش، لكني اعلم أنهن كثيرات، ولا اعلم كيف تقلد كل منهم منصبا تربويا تعليميا في مراحل خطرة وحساسة وتساهم بنسبة 90 بالمائة في تكوين شخصيات الطلاب، ولا اعلم كيف تنتهي هذه الفوضى ومتى!

لكنني اعلم أننا سنظل ننجب لمصر فتيات معقدات، طالما أن المجتمع مازال مستمرا في إحاطتنا منذ صغرنا وحتى مرحلة النضج بـ “الرجالة الناقصة”.

 

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك