اليوم : السبت 25 مارس 2017


(1)


خطف مسلسل “حكايات بنات” قلبى منذ الحلقة الأولى لعرضه على شاشات التلفاز فى جزئه الأول، تعلقت جدًا بشخصية أحلام، ورأيت فيها من روحى الكثير، تلك الفتاة القوية سند صديقاتها وملاذهم الأساسى، طورت من موهبتها إلى حد أن أصبحت عملًا تمارسه بكل شغف وحب، حين تحب أحدهم تعشقه بكل ذرة فيها، ويصل بها عشقها له إلى حد أن تفني كيانها فى كيانه، تأخذ على عاتقها دائمًا إصلاح المُتعَبين، سواء كانوا من أصدقائها أو من المقربين إليها أو ممن يميل قلبها لهم بشكل عام، وهو ما جعلها فى النهاية تصطدم بشخصية مثل “عاصم”، ذلك الجان الدونجوان المدلل ذو الحلة الأنيقة والابتسامة الجذابة الساحرة، النوع النمطى الذى يبهر النساء من النظرة الأولى، لامع جدًا لدرجة أن وهج لمعانه يعمى العيون عن حقيقته، مثقف للحد الذى تريدين، رائع للحد الذى تتمنين، حنون ومثابر ومحفز على النجاح للحد الذى تصدقين معه إنك قد وجدتِ ضالتك، فتغمضى عينيكِ لتسيرين معه بينما تملؤك الثقة والأمان، إلى أن ترتطمى أنتِ وآمالك بأكبر حائط ممكن، لتكتشفى أن كل هذا محض بريق زائف سيزول بمجرد أن يوضع صاحبه أمام ضغط أو مسئولية حقيقية، فتجدينه قد استحال زئبقًا مُتهربًا يتعذر بخوفه من الحب والعلاقات والفشل، وحين تخوضين معه تلك المناقشة الحادة التى لا مفر منها والتى قامت بها أحلام من قبلك سائلةً: “بتحبنى ليه يا عاصم؟” لن تجدى منه أى إجابة شافية، ستلملمين أشلاء قلبك وتلعقين جراحك وتمضى للأمام بروح مرتع للآلام، وحين يكتشف أنك على وشك أن تتجاوزيه وأن تعيشى حياة سعيدة سيعود للظهور من جديد معلنًا الندم راغبًا فى الصفح عن آثامه فى حق قلبك!
نعم. يعود عاصم للظهور فى الجزء الثانى من مسلسل حكايات بنات الذى لم يُعرض سوى على القنوات المُشفرة والمواقع الإلكترونية حتى الآن، مع بعض التسريبات لأهم لحظات هذه العودة والدخول لحياة أحلام من جديد على مواقع التواصل الاجتماعى –فيسبوك على سبيل المثال- ولم يكن الأمر ليشغلنى كثيرًا، إلا أن عينى وقعت على انتشار فيديو قصير لهذه اللحظات على الفيسبوك كالنار فى الهشيم، وسط تعليقات من الكثير من الفتيات بالـ”اوووه” والـ”ياربى مفيش حد زى عاصم في حياتى بقى” والـ”بيحبها وعرف قيمتها” وأشياء من هذا القبيل، ويروى الفيديو لقطة يختطف فيها عاصم أحلام من فرحها بفستان زفافها رغمًا عنها ويأخذها بسيارته إلى مكان على النيل ليفصح لها عن حبها المتقد فى روحه والذى لم تخمد جذوته مذ أن سافر بعيدًا وتركها خلفه لاهثة الأنفاس، والذى لم يتذكر مدى قوته سوى ليلة زفافها، فهو لم يحتمل أن يقف مثل وائل جسار بعيدًا ليفرح زيهم، وإنما اختار أن يخطفها من هذا الزفاف غير المقدر له أن يتم –من وجهة نظره طبعًا- لأن أحلام له وحده، ولن تتزوج رجلًا غيره، بينما تمطر السماء إعلانًا عن رضاها عن هذا الحب الذى لن ينهيه الفراق مهما دام أو استمر.
وفى حقيقة الأمر، أثار الفيديو غثيانى بشدة، خصوصًا بعد قراءتى لهذه التعليقات عليه، فقد كنت أنتظر من أحلام رد فعل مختلف تمامًا عما فعلته فيه –وهو الارتماء بين ذراعى الجان الدونجوان- فقد كنت أتوقع مثلًا أن تخلع حذائها والذى يبلغ –كما هو الحال فى أغلب الأعراس- طول كعبه ليس أقل من 9 سنتى لتهوى بيه على رأسه قائلةً “ما كنت قدامك يابن الجزمة”، ولما لم يحدث هذا، توقعت على أقل ردود فعل مُستنكِرة ممن أحيا معهم من البشر في هذا المجتمع، إلا أن الجميع كان يشيد بقصة الحب الأفلاطونية هذه، ويرجو حدوثها فى حياته، خصوصًا الفتيات!
ولا أعلم حقًا ما سر هذا الانتشار الواسع للفيديو؟ هل هذه هى متلازمة ستوكهولم فى أبهى صورها حيث تقع الضحية فى حب جلادها باستمرار وتنتظر أن يجرحها مرارًا وتكرارًا لتكون له دائمًا محراب العفو والصفح؟ أم هى تيمة عامة تتفق عليها فتيات مجتمعى ليجعلن حياتهن وقفًا على من يدمر حياتهن ببطء وبأنانية شديدة من أجل ذاته؟ أم إنه مجرد غياب للنموذج الصحى من العلاقات الإنسانية التى لا تتضمن تدميرًا للقلب وتبديدًا للروح وإهدارًا للطاقة بممارسات أنانية مُتقصِدة لا يبحث صاحبها سوى عن سعادته بأن يقتات على سعادة من أحبوه فعلًا؟
تعود أحلام لعاصم من جديد، لنرى فيديو آخر يحتفلان فيه بمرور أكثر من خمسة أعوام على علاقتهم المُستهلِكة المدمرة الحلوة كالسم فى العسل، دون أن نعرف هل تغير فعلًا وقرر أن يبقى لأنه يحبها، أم ستعود ريما لعادتها القديمة ما أن يمل رحيق حبها وتبدو له مغامرة جديدة أكثر تشويقًا فى الأفق؟


(2)


لم يكن عاصم هو أول نموذج للجان الدونجوان مُحطِم قلوب العذارى الذى يتأتى أفعالا مُسيئة لشريكته لكنها مُمَرَرة ومُبَرَرة و”مبلوعة” بفضل وسامته وسحره الذى لا يمكن اتقائهما فى الأفلام والمسلسلات! فنجد مثلًا سليم فى مسلسل “أريد رجلًا”، حيث يمارس كل أنواع القهر والابتزاز العاطفى على أمينة ويعيش فى دور سى السيد فى حين أنه ليس سوى رجل تسيطر عليه أمه سيطرة تامة! ومع هذا كانت تُكتَب المنشورات على الفيسبوك فى مدحه وفى مدح غيرته التى تمثل عائقًا عن الحياة أمام أمينة وفى مدح ممارساته المؤذية باعتبارها ممارسات عاطفية أفلاطونية لولبية حلزوينة، ونجد أدهم فى “هبة رجل الغراب”، فقد سمعت بأذنى فتاة أعرفها تبرر له استغلاله لهبة وخياناته المتكررة لزوجته ورغبته فى العودة لهبة مجددًا بعد أن اكتشف فجأة أنه لا يستطيع العيش بدونها، هذا بعدما أحدثت تحولًا جذريًا فى شكلها طبعًا!
لا ليس هذا فقط، بل إن الزعيم بذاته، عادل إمام، قد قام بالعديد من الممارسات المسيئة لشريكاته من النساء فى أعماله السينمائية والدرامية، يكاد يكون أشدها خطرًا فى نظرى هو ضربه المبرح لفردوس عبدالحميد فى “الحريف”، والذى كاد يودى بحياتها ودفعها للطلاق منه، ثم رغبته فى ردها لاحقًا ببعض القبل والأحضان والاعتذارات، لتستسلم بين ذراعيه وكأن شيئًا لم يكن، ومن قبله رشدى أباظة، الذى يحفل تاريخه السينمائى بمثل هذه الأفعال، وأحمد رمزى، الذى بالبارحة فقط رأيت له فيلم “شباب مجنون جدًا”، والذى يصفع فيه الجميلة سعاد حسنى صفعةً تكاد تفتك بفكها بعد أن صفعته هى جرّاء تطاوله عليها وتقبيلها عنوة!
(3)


تُرسِخ الكثير من الأعمال الفنية مفهوم العلاقات المُستهلِكة والممارسات العنيفة المُبَررَة بإسم الحب فى حق النساء وكأنها أشياء عادية ومباحة مادام من يفعلها ممثل جان ذو ابتسامة ساحرة، فيشربها الجمهور شربًا، ويؤمن باعتياديتها ووجوب حدوثها فى أى علاقة عاطفية، بل وتبررها النساء –المُعنَفَات فى الأصل- ليس فقط باعتبارها شىء مقبول، وإنما باعتبارها شىء معبر عن الحب والرومانسية فى حد ذاته! وهو ما يثير جنونى فعلًا، فكيف لشخص أن يقبل الإهانة والاستباحة والاستنزاف تحت وطأة الحب؟
يجب أن تفهم الفتيات بأن هذا النموذج هو نموذج غير صحى للعلاقات على الإطلاق، وأن الطرف المُعنِف لا يلقى بالًا لسعادة شريكته على الإطلاق، وإنما كل ما يهمه ويشغله هو سعادته هو وإن تحققت على حسابها، يجب أن يفهمن أنهن يستحققن التقدير أكثر من هذا، وأن عاصم وأدهم وسليم رجال أشرار جدًا!

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك