اليوم : الثلاثاء 24 إبريل 2018

في ثقافتنا العربية الإسلامية يُفطم الرضيع على الأجوبة لا الأسئلة، نجتثُ أي ملمح من ملامح الإبداع لدى نشئنا عندما نلقنهم اليقين تلقينا ولا ندع للشك مجالا، فنصدر لهم تصورًا يقينيًا معلَّبًا عن ذواتهم وعن العالم من حولهم ولا ننتظر أن يبادرونا هم بالأسئلة، ولا نترك لهم الفرصة للبحث عن إجابات لأسئلتهم، فنقتل فيهم -دون أن ندري- كل سبيلٍ إلى البحث عن المعرفة والاشتباك الحقيقي معها، فيصيرون مخلوقات ببغاوية تردد ما تُلقَن وحسب، تمامًا كما فُعل بنا من قبل، ونستمر في الدوران في الحلقة المفرغة.
كل القضايا العملاقة منتهية قبل أن تبدأ، كل الأسئلة الوجودية مجابٌ عنها سلفًا، لقَّنونا إجابات مبسترة لأسئلةٍ لم ينتظروا حتى إلى أن نطرحها نحن عليهم، أجابوا لنا بالوصاية عن: ما حقيقة هذا العالم؟ ولماذا أتينا إليه؟ وكيف سنخرج منه؟ وماذا ينتظرنا بعده؟
إجابات تفصيلية يقينية، إجابات لا تسمح بالتفاعل والتشابك معها، ناهيك عن الشك فيها. فالسؤال بعدها محرم، بل إنه كان كذلك قبلها.
قسموا لنا العالم إلى صديق وعدو، من يشبهنا كان صديقنا، ومن لا فهو حتمًا عدونا، أخبرونا بأننا محور الكون وبؤرة اهتمامه، وكل من/ما عادنا قد خلق فقط لخدمتنا أو كاختبار لنا. فالله لا يحب سوانا، وقد حصر الجنة علينا.
حتى صار معيار التفوق بيننا هو تقديم الأجوبة وليس طرح الأسئلة، فالطالب المتفوق هو من يجيب، والطالب الضعيف هو من يسأل، هذا إذا كان السؤال مسموحًا بيه أصلًا! وتتجلى سلطة الأجوبة في أوج صورها حين يصير مستقبلنا رهينًا لأنموذج من الأجوبة بيد مصحح يطابقه بأجوبتنا في الامتحانات، فكلما تقاربت أجوبتنا مع أجوبتهم “النموذجية” كلما نلنا رضاهم ودلَّلنا على ولائنا لهم ولأجوبتهم اليقينية، فَرَضُوا هم أيضًا عنَّا وألحقونا بكليات “المتفوقيين”.
كنت أنا كذلك واحدًا ممن استهل حياته أسيرًا لأجوبتهم المعلَّبة، فانشغلت بها عن حتى مجرد التفكير في الأسئلة، أتكلم في كل القضايا بلسان المجيب المتيقن، أدمنت تقديم الأجوبة تمامًا كما أرادوا لي أن أكون. حتى شاءت الأقدار أن أصطدم بنموذج معرفي مغاير، وذلك عندما أتيت إلى ألمانيا فوجدتهم يقدسون الأسئلة نفس تقديسنا نحن للأجوبة، تعرفت لأول مرة على أن يكون للسؤال قيمة، حتى وإن عجزنا عن تقديم الجواب. تعرفت لأول مرة على قيمة الشك، حتى ولو لم يوصلنا إلى يقين. تعرفت على أن الشك والسؤال يتناسبان مع ديناميكية الحياة ويتناغمان معها، بينما يقتلها اليقين والجواب المانفيستي.
لقد بدأت المعرفة بالشك والسؤال، وليس باليقين والجواب، وبما أن المعرفة لا نهائية، فكذلك الشك والسؤال لا نهائيين. فلولا شك كوبرنيكوس في الشكل المترائي لنا من الأرض والأجسام الفلكية من حولها، لظللنا قابعين في يقيننا الساذج عن مركزيتنا للكون، ولولا شك داروين في سيناريوهات نشأة الحياة وسؤاله عن التناغم بين الكائنات الحية وبيئتها، لما فُتح هذا الباب البحثي العملاق والذي غير منظورنا لآلية الحياة وتعقيداتها، ولولا شك فرويد في الصور السطحية الأسطورية عن أسباب الأمراض النفسية واضطراباتها، لظللنا نعتقد بكونها أعمال شيطانية، ولظللنا نجهل هذا المكون الكبير والمحوري في ذواتنا، ولولا شك نيوتن في عفوية قوانين الحركة على الأرض، لما توصلنا لتصور منضبط عنها، ولولا شك ماكس بلانك في حقيقة الضوء، لما قرعنا باب ميكانيكا الكم بكل ثوراته التكنولوجية، ولولا شك أينشتاين في تصورنا اليقيني عن إطلاقية الزمان والمكان، لما فُتح علينا باب النسبية وهندسة الكون من حولنا.
ستموت المعرفة عندما نتوهم بأننا وصلنا إلى اليقين، تمامًا كما ماتت الأمم اللتي توهمت أنها وصلت إلى الأجوبة اليقينية لكل شيء، ففي البدء كان السؤال. وسيبقى السؤال ما بقيت الحياة.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك