اليوم : الاثنين 21 اغسطس 2017

من فترة كنت باتفرج على فيلم يوناني، وفي أول مشهد من الفيلم الكاميرا بتمشي ورا طفلة جميلة بنعرف إنه يوم عيد ميلادها الـ 11، كل شئ في المشهد بيبيّن سعادة أسرتها وترابطهم وهما بيرقصوا وبيحتفلوا مع بعض، وإحنا بنتابع البنت في عيد ميلادها وهي بتتمشى بهدوء حذر ناحية البلكونة، وأهلها بيرقصوا في الخلفية على أغاني عيد الميلاد، وفجأة بتطلع البنت على سور البلكونة وبتنتحر في مشهد مأساوي بنكتشف معاه خدعة السعادة المزيفة اللي كنّا شايفين تفاصيلها في المشهد، وبنكتشف بعد كده أسرار وكوابيس داخل الأسرة، والدوافع النفسية اللي وصلّت البنت للانتحار، ومع تطور الأحداث بتيجي الشرطة تحقق في الحادث ومعاهم ناس من جهة اسمها: social-welfare agencies
أو مؤسسات الرعاية الإجتماعية، ودي لما دخلت بحثت فيها شوية لقيتها موجودة في كل دول العالم من عشرات السنين، وهي عبارة عن مؤسسات أحيانًا حكومية وأحيانًا خاصة، ودورها فعّال جدًا وبتبقى مسئولة -بالنص- عن رفاهية المجتمع ككل وضمان توفير ماء وهواء وتربة ملائمة للمعيشة أو ما يسمى بمستوى المعيشة أو “Quality of Life” ودورها بينصب كمان بشكل كبير في التحقيق مع العائلات اللي بتسبب أي أذى بدني أو نفسي للأطفال، وضمان توفير بيئة ملائمة للطفل وتوفير كل الضروريات الاجتماعية والروحية لحياته، وبتبحث في مستوى ومعدّل الجريمة في المجتمع وربطها بالعنف الأسري وتأثير تعاطي الآباء للمخدرات للدرجة اللي بتخليهم يتجاهلوا الطفل Child neglect أو يتعاملوا معاه بعنف Child Abuse، والمؤسسات دي اسمها بيختلف من دولة لدولة:

– Child Protective Services.

-Department of Children & Family Services.

-Department of Social Services.

المؤسسات دي بعد التحقيق مع الأب والأم بيبقى ليها الحق في أخذ وإبعاد الطفل عن الآباء اللي بيثبت إنهم بيسيئوا معاملة أطفالهم وإرسالهم إلى المحكمة، وبيتم الحكم عليهم حسب حجم الإيذاء النفسي أو البدني اللي سببوه للطفل.
الحقيقة إن أنا زي كل الناس، قبل ما يبقى عندي أطفال، كنت متعايش مع فكرة إنه طالما أنت كويس، يبقى هاتربّي ولادك كويس وماكنتش مهتم بأي شكل بالطرق العلمية لتربية الطفل أو مثلًا بأهمية الحضانة أو الـ preschool اللي معظم الناس بتعتبرها بديل للناني أو مربية الأطفال وبيروحوا يرموا عيالهم فيها علشان يروحوا شغلهم أو يريحوا دماغهم ويقعدوا مرتاحين ويخلصوا من زن أطفالهم، وهما ماعندهمش أي وعي بإن أول خمس سنين من عمر الطفل هما الأساس أو العصب اللي بيحول الطفل بعد كده لإنسان سوي مستقل وحر وسعيد ومنتج ومفيد، أو بتحوله لإنسان عنيف وعدواني أو ضايع وتافه بلا شخصية، فاقد ثقته في نفسه وبيعتمد في كل حياته على الغير، واكتشفت إن طريقة تربية الأطفال في العالم اتحولت لشئ خاص بالمجتمع مش بالأسرة أو الأب والأم، وانتهت بلا رجعة من العالم المتحضّر فكرة إن الأطفال ملكية خاصة للأهل يعملوا معاهم اللي هما عايزينه، وبسبب ده عملوا محققين وظيفتهم التحقيق مع العائلات لإن سوء معاملة الطفل وإيذاءه النفسي أو البدني بيضر المجتمع ككل وبيحوله لمجتمع فاسد فاشل مريض نفسيًا وبلا مستقبل وبيرفع معدّل الجريمة وبيسرّع في عملية الإنحدار للقاع وبيحول الأطفال لعبيد لما يكبروا زي مجتمعاتنا العربية الجميلة.
وانتهت كمان فكرة تربية الأطفال عن طريق تخويفهم والصراخ فيهم طول الوقت، اللي أثبت علم النفس باليقين إنها أفشل طريقة لتربية الطفل، وبتحوّل الطفل لطفل جاهل وعصبي بيتصرّف بلا اقتناع وبدافع الخوف فقط من الأهل ومحاولة إرضائهم، واثبتت كل الدراسات إن الطفل اللي بيتعرض للعنف أو الإيذاء أول ما بيكبر ويتخلص من السلطة الأبوية هايبقى قدّامه طريقين فقط، إما هايتخلص من كل الأفعال اللي كان بيعملها بدافع خوفه ومحاولات إرضاء أهله، أو هايتحول لشخص عنيف وجاهل أو مجرم.
وفيه دراسة علمية اثبتت إن حوالي 95% من الأطفال بيتعلموا كل تصرفاتهم بمراقبة تصرفات الكبار اللي بيعتبروهم قدوة ليهم مش بالاستماع لتوجيهاتهم من نوعية “كده عيب ومايصحش وروح بوس عمو يا حبيبي وماتاكلش شوكولاتة علشان وحشة”، وفي نفس الوقت تلاقي الكبار بيمارسوا كل التصرفات اللي مش عايزين أطفالهم يعملوها، والدراسة قالت إن 5% فقط من الأطفال اللي عملوا عليهم التجربة إتأثروا بالأوامر المباشرة والنصائح مقابل 95% لم تؤثر فيهم النصائح واتأثروا فقط بمراقبة التصرفات العملية للكبار ومحاولة التعلم منها.
الإنسان اللي بيضرب أو بيهين ولاده أو بيأذيهم نفسيًا أو بدنيًا لأي سبب وبأي شكل حتى لو كانت من وجهة نظره دفعة خفيفة أو ضغط على الذراع ده بمقاييس العلم الحديث، إنسان جاهل يستحق العقاب، وأب أو أم فاشلين فشلوا بكل المقاييس في معاملة أولادهم بشكل آدمي فاتحولوا للطريقة الحيوانية في المعاملة، ودي مشكلتهم هما مش مشكلة الطفل، يعني هما اللي فشلوا مش الطفل، يعني بالمنطق ده هما اللي يستحقوا الضرب والإهانة “طالما ارتضوا بيها كأساس للعلاقة” لأنهم في العلاقة دي هما الطرف الوحيد البالغ اللي اكتسب خبرات وأخد كل الفرص إنه يتعلم ويقرا ويستفيد ويبقى إنسان طبيعي وفشل فاتحول لكائن وحشي زي الكائنات اللي بتعيش في الغابات قانونها هو العنف.
حتى فكرة العقاب بحبس الطفل في غرفته، علماء النفس أكدوا من حوالي قرن من الزمان إن قوة تأثيرها النفسي على الطفل هو نفس قوة تأثير الحبس الانفرادي على البالغين، طريقة بتشوّه الطفل مع الوقت والتكرار وبتفقده ثقته في نفسه وفي أهله وفي كل اللي حواليه، واكتشفوا إن الطفل اللي بيتعود على النوع ده من العقاب بيعاني من كل الحاجات دي لما بيكبر: “القلق والخوف والتوتر والاكتئاب واليأس واللامبالاة والانكسار والكسل والغضب والتحفز والعدوانية ونوبات الهياج وضعف التركيز وتشتت الانتباه وضعف الذاكرة وتشوش الأفكار”، ولو طالت فترة حبسه ممكن يصاب بالفصام والاكتئاب المزمن وأمراض نفسية خطيرة.

وقالوا إن الفكرة من وراء العقاب هو عدم تكرار الخطأ، لكن العقاب عمره ما بيوصّل للنتيجة دي، وإن الطفل بعد كده بيفضل يكرر الخطأ إنتقامًا من أهله، وإن الطفل أو الإنسان عمومًا بيتعلم بالفطرة تفادي تكرار الخطأ لما يدرك عواقب أخطائه وتأثيرها السيء على الناس اللي هو بيحبهم وبيحبوه، مش بحبسه وعقابه وتعريضه للإساءة النفسية أو البدنية.
الفكرة إن ولادك مش ملكية خاصة ليك، ولا دورك إنك تعلمهم الحاجات اللي أنت اتعلمتها بالفهلوة، أو من خبرتك في الشارع ومع الناس، لإن دي تجارب خاصة بيك أنت، دورك إنك تتيح لهم كل الفرص الموجودة وتساعدهم.. إنك تفتح لهم كل الشبابيك والأبواب المتاحة علشان يشوفوا الدنيا ويتعلموا ويخوضوا التجارب والمغامرات بنفسهم ويفشلوا وينجحوا ويتعلموا معنى الاستقلالية وإزاي يبقوا أحرار ويعرفوا ياخدوا قراراتهم بنفسهم، وإنك تشجعهم وتشاركهم إنجازاتهم، وإخفاقاتهم، وتعرف تدير وتقلل المخاطر اللي بيتعرضوا لها، مش تمحيها من حياتهم، وتحوّل فشلهم في إختبارات الحياة لفرص يتعلموا منها ويخرجوا من التجربة أسوياء نفسيًا، وتتعود إنك تحترم وجهة نظرهم مهما كانت بسيطة بالنسبة لك، وإنك تسمعهم وتتناقش معاهم.

من فترة فيه عالم في سيكولوچية الطفل قال إن الأطفال بيحتاجوا الفن والقراءة والموسيقى والأدب زي إحتياجهم للحب والأكل واللعب والهوا، بس المشكلة إن مفيش طفل بيتعلم يحب حاجة بالعافية، الطفل مثلًا هايحب القراءة مع الوقت لو أهله مهتمين بالقراءة والثقافة والإطلاع وبيته فيه كتب ومكتبة بتُستخدَم مش عبارة عن شوية كراسي وكنب ونجف وأطقم نيش بس، طبيعي كل المدارس المحترمة دلوقتي بتعود الأطفال على القراءة وأهمية الفنون والرياضة، لكن بمجرد رجوع الطفل للبيت واكتشافه بالفطرة ومع التكرار إن اللي هو بيعمله في المدرسة أو الحضانة أهله مش بيعملوه أو على الأقل مابيهتموش بيه في البيت، فطبيعي إن الطفل هايتجاهله مع الوقت، أو الحل التاني إنه هايفهم مع الزمن إن أهله فاقدين للأهلية ومالهمش أي إهتمامات أو دوافع للحياة.
فيه مدرس أسباني وباحث في التعليم مشهور في أسبانيا كان بيعمل كتاب عن أهمية دور المدارس والمدرسين في حياة الطفل، فقابل خلال بحثه مدرس مخضرم عنده 90 سنة وسأله:
بعد كل خبراتك في التعليم وفي الحياة وتجاربك مع الأطفال والحروب والظروف اللي إنت عديت عليها، إيه هي خلاصة جوهر التعليم؟ قاله بكل بساطة هما ثلاث حاجات أساسية اللي مفروض تتعلمهم من المدرسة ومن البيت ومن يوم ما تتولد لحد ما تموت:
– إزاي تبقى إنسان.
– إزاي تبقى حر.
– إزاي تبقى مستقل.
فيه ناس كبار بتعاند وبتفتكر إنها وصلت لسن الحكمة، وإن تصرفاتهم مع أطفالهم كلها صح، علشان بتجيب نتيجة وقتية وسريعة وإنهم مش محتاجين يتعلموا أي جديد، علشان كده دي مقولة وحكمة مفيدة ليهم في الحالة دي:

“There is no end to education. It is not that you read a book، pass an examination، and finish with education. The whole of life، from the moment you are born to the moment you die، is a process of learning.”

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك