اليوم : السبت 18 نوفمبر 2017

1992
جلس مروان إلى جوارى بحصة الكمبيوتر، كان مروان أشقر، أكثر شقرة من براد بيت وديفيد بيكهام، غريب الأطوار، أكثر غرابة من جونى ديب، لكننا كنا أطفالا ولا نكره إلا الأشرار، ومروان لم يكن شريرا، على الأقل حينها. كان بجدولنا لذلك العام، أى الصف الثانى الابتدائى، حصتان للكمبيوتر كل أسبوع، هى بمثابة حصص ترفيهية، نجلس أمام الأجهزة الـ(صخر) المستوردة من الكويت لنكتب مجموعة من الأوامر المتتالية الطويلة بلغة الـ(دوس) دون أن نعرف هدفا أو نتيجة معينة لتلك الأوامر، يبدو لى الأمر الآن وكأنه كان تدريبا على عبثية الحياة، أو مستلهما من تجربة سيزيف، ولكننا كنا نفعل ما نؤمر به، أغلبنا كان يفعل، لأن المكافأة لمن ينتهى من تمارينه سريعا هى اللعب على الكمبيوتر لعبة (توم وجيرى)، حيث لم تكن (الفيفا) قد اخترعت بعد.
كنت طالبا ملتزما، من المتفوقين، لا أحب أن يمسسنى أى من المدرسين بكلمة أو تلميح، فأجلس أمام الجهاز لأكتب التمرين كما نقلناه من على السبورة، ويلتف حولى اثنان أو ثلاثة من الأصدقاء يتابعون ما أفعل دون أدنى اهتمام، آملين فى إتمام التمرين والوصول للحظة (توم وجيرى). كان الفشل حليفى فى أغلب الأوقات، كنت أتعثر فى هذا الكم من الأوامر الطويلة العبثية بتلك اللغة الغريبة غير المفهومة، ولكننى أذكر أننا وصلنا ذات مرة للمكافأة، وما إن بدأنا اللعب بتوم وجيرى حتى اتضح لنا أن الجهاز قد أصيب بفيروس يدفع رسالة للظهور على الشاشة بمنتصف اللعبة، كانت الرسالة تقول ” Mubarak is a cow “، ضحكنا كثيرا، لم نحزن طويلا على توقف اللعبة حيث إننا انبهرنا بلعبة البقرة الجديدة، وتعجبنا من أن مبارك تكتب بالـ U، كنا نتصورها بالـ O، شاركنا المدرسون فى الضحك، لم يكن صاخبا مثل ضحكنا ولكنهم لم يستطيعوا كتمانه وهم ينظرون إلى الشاشات جميعها وهى تتحول إلى Mubarak is a cow.
وكما قلت لكم، فمروان كان جالسا بجوارى فى ذلك اليوم، قال لى هامسا أثناء كتابتى لتمرين الـ(دوس) وكأنه يطلعنى على سر كبير، قال لى أن أكتب (ديدي) بدلا من تلك الأوامر. لم أفهم الكلمة، قلت له (إيه؟)، فكررها ثلاثا (ديدى. ديدى. ديدى). مال علىّ وقال “أكتبها وستعلم ماذا سيحدث”، سألته عما سيحدث، فأجابنى بأن (ديدى) هى كلمة السر التى ما إن نكتبها حتى ينفتح لنا هذا العالم الموصد بوجوهنا ويكشف ذلك الـ(صخر) عن أسراره. ترددت ثم امتنعت ثم سخرت منه ثم وافقت، كتبتها ولم يحدث شئ، قال لى “ضع شرطة”، فوضعت ولم يحدث شئ، قال لى ” اضغط enter”، لم يحدث شئ. أستمررنا فى كتابة Didi عشرات المرات دون أية نتيجة إلا مجئ المدرس الذى سألنا عما نفعله، ولكننا لم نجب حيث لم نستطع أن نطلعه على كلمة السر.
1993-1994
لا أذكر التاريخ تحديدا، ولا أجد للحادثة أثرا على مواقع الإنترنت اللانهائية، رغم أن تلك الواقعة كانت ملء السمع والأبصار حينها، كان الكل يتداول قصة إيقاف المطربة سيمون عن الغناء لفترة عام أو عامين – لا أذكر تحديدا- وهى من كانت ذائعة الصيت أيامها، كانوا يقولون إنها النسخة المصرية من مادونا. كنت مُغرما بسيمون، لم تكن مطربتى المفضلة فحسب، بل كانت فتاة أحلامى التى لا أتورع عن التعبير عن حبى الجم لها رغم فروق السن والشهرة. ظللت أتتبع حواراتها، لقاءاتها، أغانيها، كليباتها، أشاهد سهرات القناة الخامسة الإسكندرانية كثيرا حيث كانت دائمة الاحتفاء بمطربتى الشقية، وأنتظر الجمعة من كل أسبوع لمتابعة ترتيب أغنياتها فى سباق الأغانى بالقناة الثالثة.
أصبت بإحباط شديد بعد علمى بإيقافها المؤقت عن الغناء، فالأمر تزامن مع إيقاف مارادونا عن لعب الكرة، وكأن مؤامرة تُحاك ضد كل من أحبهم. تعددت الروايات حول سبب إيقافها الحقيقى، وكان من ضمنها أن ثمة مشكلة أو سوء تفاهم قد دب بينها وبين فاروق حسنى، الوزير آنذاك، ورغم أننى لم أتيقن أبدا من السبب الحقيقى لإيقافها إلا أننى اخترت أن أصدق تلك الرواية.
كانت نوادى الفيديو تؤجر شريطا عليه حفلتها التى مُنعت بسببها، لم يكن لدينا جهاز فيديو حينها، فطلبت من خالى أن يأتينى بالشريط إياه لنشاهده ونحكم على الأمر بأنفسنا. بالأسبوع اللاحق أحضر خالى (البضاعة)، أشار لى بالشريط مبتسما ابتسامة ذات معنى، فتهللت وأقبلت عليه لنشاهده سويا. تدخلت أمى التى تشككت فى أمر الحفل، قالت له ألا يعرضه إن كان ما به خارجا، اشتبكنا قليلا حتى وصلنا إلى حل وسط، سنشاهد جزءا منه فقط.
فى الحقيقة لم أعلم أبدا سبب إيقافها، حتى بعدما شاهدت نصف الشريط، لا أذكر منه إلا فستانها الأسود القصير، وضحكتها الصادحة وجمال عيونها الذى طالما أسرنى.
1996 تقريبا:
كان سليمان زميلى بالمدرسة يعرف مثله مثل كل زملائى مدى عشقى لسيمون، ولذلك فقد قال لى ذات يوم أنه يعرف رقم هاتفها. لم تكن التليفونات المحمولة قد ظهرت بعد، فقال لى إنها مقيمة بأحد الفنادق لعدة أيام وهو يعلم رقم غرفتها ويستطيع الاتصال بها. لا أدرى إن كان ما قاله حقيقيا أم لا ولكنه داعب أحلام اليقظة بخيالى. كان سليمان ابنا لأحد المنتجين السينمائيين كما يدعى، ويضيف مفتخرا أن والده يمتلك مكتبة ضخمة من أفلام السكس وغرفة مخصوصة للفيديو والسكس والشيشة. وعندما جاء عاطف الطيب لتصوير مشهد بآخر أفلامه (جبر الخواطر) بمدرستنا فى العام السابق على ذلك العام، قال لنا سليمان إن والده يقول إن عاطف مخرج فاشل وإن فيلمه هابط!
لم أستطع الحصول على رقمها أو مهاتفتها، واكتفيت فقط بسماع شريطها الجديد آنذاك، الأول بعد فترة الإيقاف، بدت أكثر نضجا من ذى قبل، بشعر طويل وملامح تعدت فترة المراهقة والشقاوة والتشابه مع مادونا. سأعلم لاحقا، لاحقا جدا أن أغنيتها الأشهر (مش نظرة وابتسامة) كانت من ألحان وجيه عزيز الذى سأواظب على حضور حفلاته الشحيحة عندما أصير شابا يافعا، ومن كلمات محمد الناصر الذى سيتحول لمذيع بإحدى قنوات الإخوان داعيا للعنف والقتل وسفك الدماء!
1999
اختفى مروان من مدرستنا، وبعده اختفى سليمان أيضا، شاهدت الأول ذات يوم يطل من الكرسى الخلفى لسيارة والديه، يسدد نظرة قاسية عنيفة للشارع والمارة ويحتضن كلبا أضخم منه، مخرجا رأسه من شباك السيارة الفارهة وينبح فى وجه العالم.
ورغم اختفاء الاثنين، إلا أن خالد ديدى لا يزال موجودا حيث أنه أصدر فى ذلك العام ثالث شرائطه المدوية بعد (ديدى) و(عايشه)، الشريط الذى تصدرته أغنية (عبد القادر). فكرت وتعثرت وأجبت على كل مسائل الرياضة والتفاضل والتكامل، حساب المثلثات والإحصاء والفيزياء على أنغام الراى، قضيت ثلاث سنوات، الثلاث الأخيرة بالمدرسة، سنوات الثانوى، وأنا أستمع لأغانى خالد مع رفيقيه حتى تلف الشريط وتقطعت أوصاله.
فى العام اللاحق اشترى لى والداى بعيد ميلادى نسخة أخرى من الشريط التالف رغم أننا لم نعد نستخدم الكاسيت أصلا.
2004
كنت قد سمعت زياد الرحبانى لأول مرة منذ حوالى عشر سنوات، سأعلم لاحقا أن الصوت الناعم كان صوت جوزيف صقر والصوت الأجش هو صوت زياد، كان أحد أصدقاء والدى قد أتى إلى بيتنا ومعه شريط لزياد باسم (بما أنو)، بدا الأمر شبيها بعمليات التهريب، فالإنترنت لم يكن موجودا بمصر، والشريط لم يكن متوفرا هنا أيضا. دسسنا الشريط فى جهاز الكاسيت، كانت الأغانى غريبة على مسامعى، مختلفة عما اعتدت سماعه، ضحكت كثيرا وأنا أسمعه وعلقت بذهنى جملة وحيدة وهى (بما أنه العيشة سودا ومش بيضا، اجتمعنا وقررنا نسلق بيضة، شئ مغذى، شئ خفيف، شئ مطمئن، شئ مخيف).
لم أحفظ اسمه بذلك الحين، ولكن مع ظهور الإنترنت سمعت بعض أغانيه مجددا.
فى ذلك العام، 2004، سافر أبى إلى لبنان فى زيارة سريعة، كنت قد طلبت منه أن يأتينى ببعض من شرائط زياد الرحبانى، ووعدنى بذلك. وكغريب يقضى بضعة أيام ببيروت، طلب والدى من إحدى صديقاته اللبنانيات أن تأتيه بالشرائط. ثمة خطأ لغوى حدث فى ذلك الحين، خطأ أشبه بمشكلة الألف واللام بقرار 242 لمجلس الأمن، فبدلا من أن تشترى الصديقة شرائط لزياد الرحبانى، اشترت شرائط زياد الرحبانى، أى كلها، أغانيه ومسرحياته، حفلاته وبرامجه، كل شئ، وهو ما كلفها – وبالتالى كلف والدى المغلوب على أمره– ما يزيد عن المئة دولار.
2015
منذ أشهر قليلة اشترينا كاسيت حديث بعد سنين من تلف الكاسيت القديم، الكاسيت الجديد أكثر تطورا بما لا يقارن، مزود بسى دى، راديو، كارت ميمورى وفلاشه. لم أستخدمه منذ أن اشتريناه، يستخدمه أبى فى سماع عبد الوهاب وفيروز، وأنا أشاركه وأخطف السمع، ولكنى أُمنى نفسى بأن أستخدمه قريبا، أن أكمل سماع شرائط زياد الرحبانى التى لم أتمها بعد، أن أعيد سماع حلقات برنامجه (العقلة زينة) التى تفتقد لأى تعقل، وأن أستخدمه فى سماع ألبوم سيمون المنتظر، الذى تعده مع وجيه عزيز، وأن أسمع عليه أغانى جديدة للشاب خالد الذى يزداد شبابا رغم التجاعيد والسن والشعر الأبيض.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك