اليوم : الأربعاء 26 يوليو 2017

لا أذكر تحديدا أين ومتى سمعت تلك القصة التى تحكى أن يوسف شاهين قال لنجيب محفوظ ذات مرة إنه كان يتمنى أن يقوم بإخراج الثلاثية، فأجابه محفوظ ممازحا بهدوئه المعتاد “الحمد لله، ربنا ستر، أنت محدش بيفهم أفلامك”. ربما تثير تلك الحكاية غير الأكيدة أسئلة حول رؤية نجيب محفوظ للأفلام المأخوذة عن رواياته وقصصه، ففى الوقت الذى يعتبر فيه الكثيرون أن حسن الإمام قد أهان وأفسد الثلاثية بعوالمه و(عوالمه)، إلا أنه ربما كان لمحفوظ رأي آخر، ربما لم يكن غاضبا إلى هذا الحد، ربما لم يكن مهتما، أو حتى ربما كان ممتنا لأفلام الإمام.
منذ شهور قليلة، عُرض مسلسل “أفراح القبة” عن رواية منسية لنجيب محفوظ، وأعاد المسلسل الأسئلة القديمة إلى الواجهة. لم يحمل التتر اسم السيناريست أو كاتب الحوار واكتفى بذكر أن المسلسل عن قصة لمحفوظ، ومن إخراج محمد ياسين. اختفى اسم السيناريست بعدما دب الخلاف بين السيناريست الأول والمخرج محمد ياسين وتعارضت رؤاهما، فلجأ المخرج إلى السيناريست نشوى زايد لتصلح ما أفسده الأول – من وجهة نظر ياسين-.
تم الزج بالعديد من القصص الإضافية إلى متن القصة، وأضيفت شخصيات، عائلات، حوارات وأحداث. ورغم كل هذا الاضطراب، استطاع محمد ياسين أن يصنع عملا مميزا متفردا، إلا أنه فى الطريق إلى تفرده فقد كثيرا مما رمى إليه محفوظ فى روايته، أو لم يبرزه كما يستحق، فخرج المسلسل متلاقيا مع الرواية حينا وبعيدا عنها أحيانا.
بالنظر إلى التاريخ، نعلم أن محفوظ لم يكن ليعلق على كل تلك التدخلات والرؤى المتغيرة والتعديلات، ولم يكن ليغضب مثل آخرين، إلا أن سؤال العلاقة بين نص الرواية والفيلم أو المسلسل دائما ما يعاد طرحه مع كل نقل لعمل من أعمال محفوظ إلى الشاشات. لا نجد تلك التساؤلات حاضرة بالقوة نفسها مع الأفلام المأخوذة عن روايات أخرى، مثل الأفلام المستمدة من روايات إحسان عبد القدوس أو يوسف السباعى أو مؤخرا علاء الأسوانى، وهذا يعود إلى طبيعة تلك الروايات فى المقام الأول، فهى روايات واضحة صريحة ذات وجه أحادى الملامح، وجه جامد مصمت، لا يحتاج منك إلا نظرة واحدة لتكتشف كل حكاياته، دون خبايا، دون أسرار، دون أعماق، مما يجعل عملية نقلها إلى السينما مهمة يسيرة، حتى إنك إذا شاهدت – مثلا – عمارة يعقوبيان فيلما، فإنك لن تحتاج لقراءة الرواية بل وغالبا لن تستمتع إن فعلت، فلا يوجد بالرواية ملمح زائد أو لغة مغايرة أو عمق غائب، على عكس روايات نجيب محفوظ التى تحمل بين طياتها أكثر من زاوية نظر وأكثر من وجه، فيصبح تحويلها إلى عمل درامى أمرا شاقا، يحتاج مبدعا حقيقيا، قادرا على الفهم والتحليل ثم الإبداع، وليس مجرد صنايعى أو حرفى شاطر.


كانت رواية “الحرافيش” هى الأوطد علاقة بعالم السينما، تلك الرواية التى تضم عشر حكايات مرتبطة وهى بالترتيب: عاشور الناجى، شمس الدين، الحب والقضبان، المطارد، قرة عينى، شهد الملكة، جلال صاحب الجلالة، الأشباح، سارق النغمة، التوت والنبوت. نشرت الرواية لأول مرة فى عام 1977، ثم تنافس المخرجون والمنتجون لاقتطاف القصة تلو الأخرى من بين دفتيها حتى صنعوا منها ستة أفلام، ظهروا جميعا فى عامى 1985 و1986 باستثناء فيلم أصدقاء الشيطان الذى تأخر لعام 1988. لم يكن للأفلام الستة طاقم مشترك، ولم تنتج على هيئة سلسلة متعاقبة، وحتى لم يكن بينها عناصر مكررة، فذبلت القصص ببعدها عن أرضها الأصلية وخرجت الأفلام فى هيئة هزيلة. لم يشارك أى من الممثلين فى أكثر من فيلمين، وكان من بين أصحاب الظهور مرتين نور الشريف وفريد شوقى وصلاح قابيل ومحمود الجندى، كما تواجد حسين الإمام فى دورين ثانويين أيضا. أما بالنسبة للتأليف فكان للسيناريست أحمد صالح النصيب الأكبر بفيلمين هما الحرافيش والمُطارد، وكذلك شارك مصطفى محرم فى كتابة شهد الملكة والجوع، وللأسف كان لحسام الدين مصطفى النصيب فى إخراج فيلمين، هما شهد الملكة والحرافيش.


****
لم تهتم السينما بتجسيد الحكايتين الأوليين من الحرافيش، حكاية عاشور الناجى، ومن بعده ولده شمس الدين، وإن كانا قد جُسدا لاحقا فى مسلسل تليفزيونى من جزئين ضمن مشروع بدأه الراحل محسن زايد لتحويل الحكايات العشر إلى مسلسل مترابط، ولكن القدر والانتاج لم يمهلاه حتى يتمه.
كانت الحكاية الثالثة، حكاية سليمان الناجى وولديه خضر وبكر هى أولى القصص المجسدة سينمائيا، من خلال فيلم أسموه (الحرافيش) بدلا من استخدام اسم الحكاية الأصلى الذى يبدو لى أكثر عذوبة وجمالا وهو (الحب والقضبان)، ولكن صناع الفيلم قدموا عملا بلا أية عذوبة أو جمال، بداية من الاستغناء عن عنوان الحكاية. اكتفى المخرج حسام الدين مصطفى بنقل قشرة الأحداث فقط، وجهها الخارجى، حيث قدم سردا مجردا باردا لأحداث القصة دون أى عمق إنسانى، فكرى أو حتى درامى، فبلغ الفيلم حدا هائلا من التسطيح والمباشرة، مطعما ببعض من المشاهد الميلودرامية الزاعقة، كأن يسقط بكر (ممدوح عبد العليم) راكعا تحت قدمى زوجته رضوانه (ليلى علوى) ويقول لها فى ذل وهوان “أنا عبد ليكى”، فتجيبه “أنا مش عايزة عبد، أنا عايزة أكون جارية تحت رجلين الراجل اللى باحبه”، ويستمر الحوار فى تلك الركاكة الفجة، لا يقطعه إلا بعض المشاهد التى نقلها السيناريست أحمد صالح من النص الأصلى. لم يكن هذا الفيلم هو الوحيد الذى يكتبه صالح عن قصة لنجيب محفوظ، فقد كتب أفلام المطارد، الشيطان يعظ، وليل وخونة عن اللص والكلاب، وكذلك فهو كاتب أفلام ميعاد مع سوسو، عصابة حمادة وتوتو، القتل اللذيذ ومنزل العائلة المسمومة.


لم تكن تلك المبالغة الوحيدة فى الفيلم، فلابد أن المشهد الأول لصفية العمرى سيلفت نظرك، فقد أدت صفية دور سمية التى أراد المخرج أن يوضح مدى قوتها وجبروتها من الطلة الأولى فصنع مشهدا غير منطقى لامرأة واحدة تتواجد فى مجلس يعج بالرجال والأعيان – هذا منذ قرن أو قرنين من الزمان-، تروح وتجئ بينما هم جلوس، يعلو صوتها فوق أصواتهم، تخطط لهم فيستجيبوا لرأيها، فارضة عليهم سطوتها وجبروتها. ينتهى الفيلم بمشهد يليق بهذا الكم من المبالغات حيث يستبدل الكاتب السبعة فصول الأخيرة من الحكاية بمشهد أكليشيه، حينما يحاول بكر قتل أخاه خضر على خلفية معرفته بحب زوجته رضوانه لأخيه، وينقض عليه مندفعا بالسكين، ولكن – كما لابد أنك توقعت – تقتحم رضوانه المشهد وتلقى بجسدها أمام السكين متلقية الطعنة بدلا من خضر الناجى. كم مرة شاهدت هذا المشهد بحذافيره فى السينما المصرية؟ وكم مرة كان من إخراج حسام الدين مصطفى؟


****
أما الحكاية الرابعة، التى تدور عن سماحة بكر الناجى، فقد ظهرت فى فيلم يحمل اسم الحكاية الأصلى، وهو المُطارد، كتب الفيلم أحمد صالح أيضا وأخرجه سمير سيف الذى عُرف حينها بإخراجه لأفلام الإثارة والأكشن (الأكشن المصرى). يبدو الفيلم فى بدايته مبشرا بمحاولة أكثر جدية من الفيلم السابق، ويظل الكاتب ملتزما بتتبع خطى النص الأصلى حتى منتصف الفيلم تقريبا، إلا أن الأمر برمته يفسد عندما يقرر صالح إدخال تغييرات على الحكاية الأصلية كما فعل فى الفيلم السابق ذكره، ولكنه فى هذه المرة يستعين بشذرات من حكايات الحرافيش الأخرى، فيقتبس مشهدا من الحكاية الثامنة المسماة بالأشباح، وهو ذلك المشهد الذى يطلب فيه الفتوة من حفيد الناجى أن ينقل له تجارته بغرض حمايتها فيرتبك الحفيد ثم يرفض ويتحدى الفتوة، ثم يقفز الكاتب ليقتطف حوارا من الحكاية الأخيرة، التوت والنبوت، ويضعه على لسان سماحة الناجى (نور الشريف).
ربما أضافت تلك التدخلات المزيد من الإثارة واللهاث على إيقاع الفيلم، إلا أنها أفسدت رهافة الحكاية الأصلية وعكرت صورة سماحة الناجى. يبدو أن الكاتب السينمائى قد ظن أن الفيلم، أى فيلم مقتبس من الحرافيش، لابد أن ينتهى بثورة الحرافيش وعودتهم إلى عهد عاشور الناجى، كما حدث فى الحكاية الأخيرة من الرواية، وهو محق، فالرواية عمل متكامل، لا تنفصل حكاياته عن بعضها البعض، ولا يجوز حكى قصة بمعزل عن البقية، ولذلك فَكَر صالح أن من غير المقبول أن ينتهى الفيلم بهروب سماحة وفراره مجددا كما تنتهى الحكاية فى النص الأصلى، وهو ما لا يتفق مع منطق الرواية الكلى. إلا أن تدخله بهذا الشكل أفسد الحكاية ولم ينقذ المنطق الروائى.


****
تقفز الأفلام من الحكاية الرابعة، حكاية المطارد، إلى السادسة، شهد الملكة، التى تحولت لفيلم بائس بالاسم نفسه، قامت فيه نادية الجندى بدور زهيرة التى يتنافس عليها الأعيان والأقوياء والأكابر فى الحارة، بينما تتلاعب بهم واحدا تلو الآخر حتى يلقوا جميعا، وهى أيضا، مصائر مأساوية. كان الفيلم هو الثانى ضمن أفلام الحرافيش الذى يتصدى لإخراجه حسام الدين مصطفى.
فى إحدى المحاضرات التى ألقاها نور الشريف لبعض الطلبة العرب ضمن دورة تعليمية بالكويت، يشرح نور لطلابه الفرق بين الأداء (الأندر-under) والأداء (الأوفر – over)، فضرب مثلا على الأول بأداء النجم العالمى مارلون براندو، ودلل على الثانى بأفلام حسام الدين مصطفى، ثم ذكر فيلمين مما شارك فيهما نور نفسه، وهما الأخوة الأعداء وسونيا والمجنون قائلا ” كنت بأمثل أوفر جداااا، ومحمود ياسين كان أوفر جدا جدا. حسام الدين مصطفى يعشق الأداء الأوفر”، وأطال فى نطقه لكلمة (يعشق) وضخم حروفها.
فيلم شهد الملكة هو قمة (الأوفر) والمبالغة فى كل تفاصيله، وقام حسام الدين مصطفى بالاستعانة بطاقم يساعده على إبراز مبالغاته الفجة، السيناريست مصطفى محرم، ونجمة تجيد الصراخ والغمز، والماكيير محمد عشوب الذى صنع من كل الشخصيات مسوخا مشوهة.


من الصعب التعامل مع شهد الملكة كفيلم حقيقى، ففى ذلك الوقت كانت نادية الجندى منشغلة بصراعها مع نبيلة عبيد على لقب (نجمة الجماهير) وتهتم بصناعة أفلام تبرزها كامرأة جميلة قوية وجبارة، ليس إلا.
الملاحظة اللافتة بخصوص هذا الفيلم هى أن السيناريست مصطفى محرم لم يول الحرافيش أنفسهم أية أهمية، فلم يُظهر أيا منهم فى أى دور ولو ثانوى، لم يسق مشهدا واحدا أو لقطة عابرة ليبرز تأثر الحرافيش بصراع الأعيان والأقوياء على زهيرة، لم نر ملمحا واحدا لحياتهم، وكأن الرجل لم يقرأ الرواية أو لم ينتبه لاسمها.
****
أما الحكاية السابعة، حكاية جلال صاحب الجلالة، فقد تمثلت فى فيلم باسم أصدقاء الشيطان، قام فيه نور الشريف بدور جلال ابن زهيرة. يبدأ الفيلم بمشهد جميل للحرافيش وهم يجتمعون فى البوظة يسكرون ويغنون منشدين “على بياعين العنب، التعلب فات وكَل العنب، ديه الوقفية. يا عينى تكية، والأغنيا. قطفوا العنب”. كتب السيناريو والحوار لهذا الفيلم إبراهيم الموجى وهو صاحب مجموعة من الأفلام الشهيرة مثل المشبوه، الحب فى الزنزانة، المتوحشة، والنمر والأنثى، وقام بإخراجه أحمد ياسين الذى أخرج عددا قليلا من الأفلام مثل الملاعين، وعالم وعالمة، والعبقرى خمسة، وعلى بيه مظهر، مختتما حياته الفنية بفيلم أصدقاء الشيطان.
اختار السيناريست أن يجعل جلال الناجى مهتما بحال الحرافيش وحريصا على مصالحهم قبل أن يغوص فى عزلته، على عكس الرواية، فيما عدا ذلك فالفيلم لم يشهد تغييرا كبيرا على الإطار العام للأحداث التى كتبها محفوظ، رغم أن التيترات تجاهلت ذكر اسم نجيب محفوظ. إلا أن الفيلم لم يستطع ترجمة الحكاية الأكثر فلسفة ضمن حكايات الحرافيش سينمائيا، لم ينجح فى نقل الأسئلة الوجودية التى تطارد جلال وتكاد تصيبه بالجنون بشكل مناسب، لم يوفق فى تصوير صراع جلال ضد الزمن، خوفه من الموت ورفضه له، وعوض ذلك بالمبالغة فى تصوير عالم الجن والشعوذة والدجالين.
يُغفل الفيلم أيضا قصة المئذنة التى يطلب شاور من جلال أن يبنيها ضمن رحلته فى البحث عن الخلود، حيث يأمره شاور ببناء مئذنة عالية من تسعة أو عشرة طوابق دون مسجد أو زاوية من تحتها، مجرد مئذنة منفردة، حتى أن جلال سيوصم بالجنون بسببها وسيطلق عليه من بعد موته اسم جلال صاحب المئذنة، وستظل المئذنة الملعونة حاضرة بالحارة رمزا وعلامة على ما أصاب العائلة من جنون وظلم وجشع حتى يأتى عاشور الحفيد ويهدمها. ولكن الكاتب إبراهيم الموجى تجنب ذكرها وتغاضى عن وجودها.
يظل أصدقاء الشيطان رغم عيوبه العديدة، ورغم فشله فى نقل روح جلال صاحب الجلالة وأسئلته الصعبة، أفضل من أفلام شهد الملكة والحرافيش وكذلك أفضل من الفيلم الذى جسد الحكاية العاشرة والأخيرة من ملحمة الحرافيش، التوت والنبوت.


****
يبدأ فيلم التوت والنبوت بجملة تتصدر الشاشة بشكل مقتضب وهى (فى زمن كانت القوة هى القانون). ليست تلك الجملة مجرد عبارة دخيلة على القصة، إلا أنها قد تكون أيضا مُفسدة لمعنى العود الأبدى الذى ألمح إليه محفوظ فى روايته، كما فعل من قبل فى أولاد حارتنا، ومن بعد فى حديث الصباح والمساء. قام بصناعة هذا الفيلم المخرج نيازى مصطفى الذى أخرج أكثر من مائة فيلم عبر مشواره الطويل الذى بدأه مع نجيب الريحانى فى أفلام سلامة فى خير وسى عمر فى الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات وصولا إلى التوت والنبوت والقرداتى فى منتصف الثمانينيات. أما السيناريو فقد كتبه عصام الجمبلاطى الذى اهتم بسرد مغامرات فايز الناجى مع الراقصات والعاهرات ورحلته فى صالات القمار والبارات، وأفرد لها مساحة واسعة، كما لو أن السيناريست قد فكر فى استلهام أجواء حسن الإمام فى هذا الفيلم حتى تضخمت مساحة شخصية فايز التى أداها سمير صبرى مزيحة شخصية عاشور إلى هامش الدراما، كما ساهم أداء عزت العلايلى بالغ السوء لدور عاشور فى المزيد من تهميش الشخصية.
بعد انتحار فايز متأثرا بخسارته كل ممتلكاته فى المقامرة، نجدنا أمام فيلم يريد أن يلخص ما تبقى من أحداث ويختصر اجتذاب عاشور الناجى للحرافيش وقيادته لثورتهم وينجزها فى بضع دقائق، مهملا هذا الجزء الهام من القصة ومتخلصا منه كبصقة فى وجه الجمهور.


****
لا يتبقى لنا من أفلام الحرافيش إلا الفيلم الأكثر إثارة للجدل والأشهر فنيا وهو فيلم الجوع، والذى يكاد يكون الأقرب إلى روح الحرافيش الروائية رغم أنه لم يذكر اسم نجيب محفوظ على تيتراته، كما أنه لا يلتزم بمتن قصصه ولا بأسماء أبطاله. الفيلم فى الأساس من كتابة الفنان على بدرخان الذى أدرك بحسه الفنى أنه لا يجوز تقديم حكاية من حكايات الحرافيش فى معزل عن باقى الرواية. يجيب بدرخان ردا على سؤال وجهه له أحد الصحفيين إن كان الفيلم مقتبسا من الحكاية الخامسة من الملحمة، حكاية (قرة عينى)، قائلا: ”أساسًا الاتهام موجّه لي أني أخذت حكاية ”سارق النغمة”وعملت”الجوع”، وأنت الآن تقول أن الفيلم مأخوذ عن حكاية ”قرة عيني”، وناس قالوا أني أخذتها من حكاية ”عاشور الناجي” وآخرون زعموا أني عملت ”الجوع” من مجموعة الأفلام المأخوذة عن حكايات الحرافيش! وكل ذلك خطأ تمامًا. الحقيقة كان عندي رغبة في إخراج جزء من الحرافيش إنتاج يوسف شاهين، وبعدها بدأت ووجدت أن الموضوع لا يتجزأ ولا يمكن تصوير جزء منفصل. ”الحرافيش” مجموعة حكايات، نعم، إنما عمل واحد متكامل. أنا متأثّر بالحرافيش ولا أنكر، أعجبتني، ولكن إذا أخذت جزءًا منها فأنا أشوّهها! وذلك معناه أني لا أفهم نجيب محفوظ، ولا أفهم ”الحرافيش” كعمل أدبي متكامل. لي الشرف أن يوضع اسمي بجانب نجيب محفوظ، ولكن في هذا الحال سأكون غير أمين، سأكون متاجرًا باسمه وأغشّ المشاهد الراغب في رؤية عمل لمحفوظ”
أعتقد أن بدرخان قد وصل بإبداعه إلى الصيغة الأفضل لعرض عالم الحرافيش، هذه ليست رواية نجيب محفوظ بالضبط، ولكنها الأقرب إلى قلبها، حيث لجأ بدرخان إلى مزج القصص ليصنع قصته المختلفة، فرسم بمعاونة مصطفى محرم وطارق الميرغنى علاقة بين أخوين، صابر وفرج الجبالى، حيث يبدو صابر ذلك الأخ الضعيف المثالى مزيجا من شخصيتى قرة عينى فى القصة الخامسة وفتح الباب فى القصة التاسعة المسماة سارق النغمة – يخطئ الكثير من الصحفيين ويكتبونها سارق النعمة -، أما فرج الجبالى فهو الأخ القوى، الفتوة، الذى تلهيه مفاتن الحياة وملذاتها فيظهر وكأنه مزيج من سليمان الناجى، وجلال ابن الحرام من الحكاية الثامنة (الأشباح). كما استعان بدرخان أيضا ببعض الحوارات المذكورة فى الرواية وتحديدا فى حكايتى الحب والقضبان، والتوت والنبوت. أدى عبد العزيز مخيون الدور الأول باقتدار ونافسه محمود عبد العزيز بأدائه المميز لدور الأخ الثانى، كما بدت سعاد حسنى فى دور زبيدة فى كامل لياقتها ونضارتها وحضورها. لم يفت بدرخان أن يطرح بعضا من الأسئلة الوجودية عن الله وعن استشراء الظلم والرضا بوجوده على لسان زبيدة الأمية.
يقول المخرج الكبير: “لقد أفادنى نجيب من الحرافيش وأولاد حارتنا، كما استفدت من زوربا وكزانتزاكس وعشرات آخرين، هضمتهم وكتبت الجوع”
مأخذى الوحيد على هذا الفيلم المتميز هو تحديد تاريخ عام 1887 مسرحا للأحداث، فأعتقد أن عدم الإشارة إلى زمن بعينه فى رواية محفوظ كان مقصودا وذا معنى، وكذلك كانت الإشارة لهذا التاريخ المحدد غير مفيدة ودون داع.


****
فى النهاية نجد أن أغلب السينمائيين الذين عملوا على رواية الحرافيش لم يهتموا بقلب الرواية، لم يشغلهم إلا القشرة، الشخصيات المتنوعة والأحداث الصاخبة والصراعات الممتدة، ولم يلتفتوا إلى أبعد من ذلك إلا قليلا، ورغم كثرة الأعمال المقتبسة عن الرواية، لم يكشفوا إلا القليل من أسرارها.
يروى إبراهيم العريس فى كتابه (من الرواية إلى الشاشة) حكاية رواها له محفوظ نفسه قائلا: “ذات يوم جاءنى مخرج صديق يعرض على رؤيته الإخراجية لرواية كان اشترى حقوقها، ورفضت كعادتى الاشتغال على سيناريو لها. فى الرواية كان المفروض أن تنتهى الأحداث بالقبض على الشخصية الشريرة – بطل الرواية -، لكن رؤية المخرج اتجهت صوب نهاية سعيدة، وقال لى: فى النهاية سنجعله يتوب ويتزوج حبيبته ونجعل ختامها مسك. هنا بعد أن استمعت إليه صرخت بهدوء: مسك ايه؟ ده مسكوه يا أستاذ، مش مسك”

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك