اليوم : الاثنين 29 مايو 2017

أظن أنه قد تم خداعي، وسيتزامن اعترافي هذا -للأسف الشديد- مع “ذكرى” عيد الحب السنوية. لم أندم مؤخرًا على شيء قدر ما ندمت على ثمن تذكرة السينما لمشاهدة فيلم “لا لا لاند”. حسنًا، بكل صراحة، لماذا شاهدت هذا الفيلم البشع والذي صرت أمقته كثيرًا، لماذا كان علي أن أتذكر واقعية العالم بهذا الشكل البائس والصعب؟

اعتمدت في قراري لمشاهدته على فكرة “الفيلم الموسيقي الرومانسي الخيالي اللطيف”، ولكن الحقيقة كانت كل ما هو غير ذلك. لذلك، أتمنى منك يا صديقي أن تعذرني لأنني “سأحرق” بعض أحداثه لك إذا لم تشاهده بعد، كمحاولة مني أن أصير عادلًا معك وحتى لا تظن بي ظن المخادعين، فلن أخدعك، ليس كما خدعني داميان تشازل المخرج على الأقل.
في البداية إذا تطرقنا للجانب التقني للفيلم، فقد وُفق “داميان” بشكل كبير، ولكن هذا ليس مقالًا نقديًا في الأساس، ولا أنا بالشخص المتخصص. أما عن دراما الفيلم؛ كانت دراما الأشخاص هنا المتحكمة في العرض، فلا يوجد حدث بعينه يتطور أمام عينيك غير علاقة “ميا” الممثلة المبتدئة و”سباستيان” عازف الجاز الشغوف. لكن في رأيي أن علاقتهما كانت الخيط الذي أراد عالم الفيلم خداعك به، تلك القصة الرومانسية التي تُحكى لك في إطار موسيقي أنيق، لم تكن الخط الأساسي للفيلم، فحياة “ميا” و”سباستيان” كلٌ على حدى كانت تحمل في طياتها العديد من الصراعات والآلام والفشل ولحظات النجاح والتضحيات وغيرها.
“لا لا لاند” ذلك الفيلم الموسيقي الرومانسي، الذي بعد نصفه الأول تم تدمير إيقاعه المنتظم، وكُسرت سيمفونيته الأساسية بعدما وصل الخيال ذروته، وصعد بك إلى النجوم حتى تكاد تستطيع أن تلمس بريقها كما فعل أبطال الفيلم في رقصتهم في إحدى المشاهد، ثم قرر وبكل وقاحة أن يترك المجال للجاذبية الأرضية الواقعية حتى تكسر ما تبقى من عظامك، ربما تجسد إنتحار الإيقاع الموسيقي في مشهد عراك “ميا” و”سباستيان” بشكل صريح؛ عندما توقفت أسطوانة الموسيقى بمحض إرادتها عن العزف في ليلة عشائهما.
عندما فقد الفيلم إيقاعه الموسيقي البراق، كان عن قصد، وهو مباغتة الواقع لك، أو بتعبير آخر “مين اللي فتح باب القاعة للواقع يا جدعان، مش ده فيلم موسيقي خيالي؟”، تلك اللحظة شعرت بضميري الذي كاد يقتلني لأنني قررت وبكامل إختياري مشاهدة فيلم يدفعك وبدون تردد لزيادة جرعتك من مضادات الاكتئاب حتى تستطيع أن تكمل ما تبقى من حياتك بشكل شبه طبيعي!
لا أدري، ربما كان “داميان” متأثرًا بسيمفونية الفصول الأربعة لفيفالدي في تقسيم أحداث فيلمه، لكنه كان متأثرًا بكل تأكيد برواية الأحداث من وجهة نظر بطليه فقط، وأحيانًا من وجهة نظر طرف واحد منهم، وهذا يفسر اختفاء تفاصيل جميع الشخصيات الثانوية بالنسبة لي؛ أخت سباستيان، وصديقات ميا وغيرهم، لأن كل هذا لم يكن مهمًا بالنسبة لهم في ربيع قصة حبهما وخريف نجاحاتهما.
ورجوعًا لتقسيم الأحداث حسب فصول السنة، هنالك -نوعًا ما- تفسير منطقي لنهاية الفيلم الصادمة بالنسبة لي؛ توقيتات فصول السنة كانت غير متفقة بالنسبة للحب والنجاح، فصيف الحب هو شتاء النجاح، والعكس، أي أنه لم يكن مقدرًا لهما أن يلتقيا في نقطة واحدة أبدًا، لذلك كان على الطرفين الاختيار، إما أن يتمسك كل طرف بحلمه، أو يتنازلا سويًا، أو يضحي أحد البطلين بكل ما هو قادم من حياته وكل ما مضى من أحلام طفولته لكي يبقى فقط مع شريكه، وهو للأسف الشيء الذي أراه غير عادل أن يتحقق.
بالانتقال من الفيلم، إلى شعوري تجاهه، لا أدري لماذا تذكرت ميلان كونديرا في روايته “كائن لا تحتمل خفته” وقوله بأن الحياة غير عادلة لأننا سنحياها مرة واحدة، لماذا لا يمكننا العيش أكثر من حياة ومقارنة اختياراتنا في كل واحدة منهم، حتى نستطيع أن نختار بشكل مرضي، ولا يدفعنا إلى الندم مستقبلًا؟ لماذا لم يحيا كل طرف منهم سواء “ميا” أو “سباستيان” أكثر من حياة، حتى يستطيعا أن يتوصلا لقرار لا يدفعني للاكتئاب والتفكير في اختياراتي الشخصية؟ أظن أن هذا هو السبب الرئيسي لكرهي لهذا الفيلم، هو كشفه لحقيقة كنت أحاول أن أنكرها أمام نفسي، وهي التضحيات التي يجب أن يبذلها الإنسان تجاه شيء، ليحصل على شئ آخر في المقابل، يجب عليك التنازل عن قصة حبك في سبيل نجاحك، والعكس صحيح.
حسنًا، لنتحدث وبكل صراحة، لماذا نحن –أبناء الألفية المادية القاسية- حينما أنعم علينا أحد المخرجين بفيلم موسيقي عبقري، كان بمثل هذه الواقعية؟ لماذا أفلامنا الموسيقية لا تشبه أفلام الخمسينيات؟ وحياتنا تتطلب الاختيار ما بين أن تحقق أحلامك، أو أن تحقق قصة حبك المنشودة، رجوعًا إلى كونديرا مرة أخرى؛ مهما كان إختيارك بينهما، هل ستشعر بالرضا التام وأنت تعلم مقدار تضحيتك؟ حتى وإن حظيت بقصة نجاحك التي سيدونها التاريخ، أو “حدوتة” الحب التي ستحكيها أنت وشريكك لأبنائكما، ويتحاكى بها جميع الأصدقاء، ألن تصيبك رصاصات الندم ثقيلة العيار ولو للحظات؟ هل المعارك التي انتصرنا بها تستحق حقًا الإحتفال، أم تستحق البكاء على ما خسرناه في سبيل هذا النصر؟ كأن شرط الحلم هو التألم، وشرط النجاح هو النضج، وشرط الحب هو أن يقلل أحد الطرفين من سقف طموحاته، أظن وبشكل ما، كان هذا السبب الرئيسي لنظراتهما لبعضهما البعض في النهاية.
أما حينما استعاد الفيلم رِتمه الموسيقي مرة أخرى، كان بالنسبة لي بمثابة قول صريح “هذه هي السعادة الحقيقية، ولكن ليس الواقع”، النجوم في هذا الجزء كانت تسطع مرة أخرى بعدما خفتت، ولكنك الآن صرت بالنضج الكافي الذي سيدفعك بالاعتراف أن هذه النجوم على بعد ملايين السنين الضوئية، أي أنك لن تستطيع ما حييت الاقتراب منها حتى! هذا الفيلم كان بمثابة تنويه مخادع –كما كتب على البوستر- أود أن أكرره بطريقتي الخاصة؛ للأغبياء الذين يحلمون، للأغبياء الذين يحاولون التشبث بالأمل الزائف المرتبط بشبح الحب، إلى الأغبياء الذين مع الأسف الشديد لا أستطيع إنكار إنتمائي لهم مهما حاولت.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك