اليوم : الأربعاء 26 يوليو 2017

قالها لي صديقي بعد موقف ما، لكني توقفت عندها يومًا كاملًا أتدبر في فهمها. ظللت أتحسس كلماتها، وما يكمن بين حروفها وما تحمله في طياتها من تفرقة وخداع وارستقراطية مجتمع وسوء تقدير. جلست أتذكر عدد المناسبات التي قيلت لي هذه الكلمة، وقلت في بالي: ماذا لو كنت فعلت عكسها (ابن ناس) في كل المواقف؟ ماذا يُطلق عليّ إذًا؟ فقد تخطى قطار أفكاري السرعة القصوى وبدأت صفارات الإنذار تدوي لتعلن عن اقتراب القطار لمحطة الوصول طرأ على ذهني رد عفوي لهذه الجملة. نعم؛ إذا كنت فعلت عكس ذلك فإنني مُصنف أن أكون ابنًا لجان، أو لشيطان، أو لدواب؟ أمزح. هذا لا يُعقل. لكن فى الواقع سأٌتهم بالعجرفة، وقلة الرباية. قد أتعرض لمشاجرة، ويكون من نصيبي لكمة قوية من شخص آتاه الله القوة!
ثق سيدي القارئ تمام الثقة بأنني لم أشرع في الكتابة إلا بعد أن زالت كل الشكوك وأصبح اليقين يقينًا بالفعل وأن هُناك مغلوطات كزبد البحر في فهم بعض الموروثات المجتمعية.
لطالما عودتنا تلك العادات على استقبال الكلمة. أي كلمة. والترحيب بها، وتسريبها للداخل دون استئذان العقل! وبالتالي لا نعى نتائجها على السلوك، ويبدو للكثير بأن الأمر واقع مع تكراره. حقيقة من اللا شئ. ونظن بنهاية الأمر “بأننا فاهمين الزتونة”. كما هو الحال في الأغاني الشعبية التي لا أستوعب منها سوى اسم مغنيها بعد ترجمته من أحد أطفال الجيران المولعين بها!
لقد طرحت تساؤلات وفرضيات متواضعة تتناغم مع حبل أفكاري المشدود بقوة، ويبدو أنه متعاون ومتحفز لإيجاد مخرج. فهل كان صديقي الطيب يقصدني بابن الناس “المُتعلم” لطالما كانت بلادنا حاشدة بالحاصلين على الشهادات المُعتمدة! والمؤسف أن هؤلاء لا يتخطى مستوى ثقافته برجل يجلس ساعة واحدة يوميًا ليسمع الراديو! ومعنى تصوره بأن من لم يحصل على شهادة ليس له صفة إنسانية. هذا غير معقول. فهناك حشد كبير من الأسماء في كُتب التاريخ التي لم تحصل على أي مؤهلات، ولكنها أضافت للبشرية الإنجاز. لن أذهب بعيدًا فنبينا ُمحمد (ص) كان أميًا ومع ذلك نتعلم منه حتى كتابة هذه الحروف!
أم يلوح لي عن ابن الناس”اللى من عائلة”، إذًا علينا أن نأخذ حذرنا من المقطوع من شجرة. فهو ليس ببشر! أم يعتقد العزيز أن ابن الناس “الغنى”. مُشبع بالمال. سأخيب ظنك يا عزيزي. فإن ثروتي لا تتخطى المائة جنيهًا حاليًا، ولكن إن كانت نظرته هكذا. أين إذًا عُلماء الاجتماع من تعريف الفصيلة البشرية للفقير؟
جميعنا بشر. كُلنا سواسية. كُلنا واحد عند الخالق. الغالبية تُدرك ذلك، وتؤمن بأن ليس هناك أفضلية بين إنسان وآخر سوى ما ذكره الله تعالى “بالتقوى”. تأكد سيدي القارئ بأن الموضوع ليس خاصا بهذه الكلمة (ابن ناس) لكني أتحدث هنا عن التفاوت الفج والتناقض الواضح فى فهمها. قرر بأن تسأل بعض الأشخاص “من هو ابن الناس فى نظرك”؟ ستجد إجابات إن اختلفت في ظاهر الأمر، لكنها تصب في النهاية لمصلحة ابن الناس “اللي معاه فلوس”. لطالما وجدنا ممن يدعون ذلك لا يساوون سوى الملابس التي يرتدونها، والسيارة التي يركبونها، والأصول التي يتفاخرون بالانتماء إليها. لكن من الداخل لا شئ يستحق مما هم عليه.
علينا بأن نعى وندرك بأن الأصل هو ما تحمله الذات من معاني جميلة وأخلاق طيبة. المثقف الذي إن لم تعرفه جيدًا قد تصفه بالجهل، والغني من تواضعه قد تراه فقيرًا. وابن العائلة الودود من تأدبه تشعر وكأنه بغير سند.لا داعي للشكليات والمظاهر الخادعة. تؤثرك، فتنبهر. فترفع من شأن هذا، وتحط به ثانية لمجرد اهتزاز رؤيتك الهاشة معه. الحسابات لابد أن تقاس بمعيار آخر. معيار صادق. مبادئ مُعقمة بالتعقل.. أقول ليس من مصلحتنا أن يمر كل شئ -أي شئ يؤذينا في أفكارنا- مرور الكرام. تذكر بأن العقل لن يتمرد عن العمل، ويقوم بالوقفات الاحتجاجية إذا لم يجد عائدًا ماديًا نهاية كل شهر. إعمال العقل هو السبيل الوحيد لانتقاء الكلمات والأفكار، ومنه يتحول إلى سلوك يُظهر للآخرين قيمة ما يحمله عقلك. الله أنعم علينا وفضلنا بهذا. والمجتمع لن ينجو إلا بذلك!

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك