اليوم : الاثنين 18 ديسمبر 2017

بنظرة متعمقة تحدق تلك السيدة التى تجلس فى إحدى شوارع الحياة المليئة بالبشر والدكاكين إلى اللا شئ، بثوبها البالى وعقلها الشارد، وهيئتها التى تبدو كتلك الصورة النمطية للمرأة في الفلاحين، عيونها تفيض بالرضا والألم، تحمل صغيرتها التى بدت مثلها في الزي، تبدو كـ طفلة أنيقة لكنها مُهملة.
حينها كنت أتجول ذاهبًا إلى ما لا أدركه، على الأغلب إلى سراب، فأنا لم أعد أبالي بشئ في الحياة منذ بضع سنوات مضت، منذ أن أصبحت سوداوية كل ما فيها ألم واكتئاب وحزن، فقط أعيش الحياة حتى تأتيني رحمة الله ويكرم روحي بالصعود إليه والخلود في جنانه، وقتها التقطتها كاميرتي قبل أن أراها بعينى، جذبتنى إليها كالمغناطيس، وكادت العدسة تنطق ولعًا وشغفًا ورغبة بـ إلتقاط صورة لها كي تخلدها في ذاكرتها، والسبب لا أعلمه. مجهول!
فذهبت إليها باسمًا وطالبًا منها أن أدونها في صورة، أردت أن أدون بهجتها وبؤسها الواضح كضحكتها وروحها السحرية التى نشرتها في مكان لا يدعو إلا للتأفف، أردت تدوين أملها اليائس في الحياة.
زادتنى بهجة حين أومأت برأسها بالموافقة، فأخذت هى وطفلتها وضع الصورة، وأخذت موضعي كمصور، لتفأجئنى بما لم اراه أبدًا خلال رؤيتى لها وحواري معها، في يدها اليمنى صغيرتها المهملة، وفي يسراها “وزة فِ قفة”! من أين جاءت بها، وهل هى غنية لتلك الدرجة التى تمكنها من امتلاك “وزة”؟! حالتها تؤكد أنها مُعدمة ولكن. كثير من الأسئلة دارت بعقلى ولم تنحرف عنه وتُوجه إليها
فقط ما قلته “لو ممكن بس تنزلى الوزة”، وقتها تخيلت بأنها ستفيض بكل شىء يتعلق بذلك الكائن المائل للاخضرار، لكن جوابها تمثل فقط في ابتسامة غاية في السحر والاستفزاز.
لتفأجئنى للمرة الثانية على التوالى، فحين رفعت رأسى موجهًا لها طلب إنزال “الوزة” وإبعادها عن كادر الصورة، بعد ابتسامتها التى لا أنكر انجذابي لها، في محاولة لتأكيد الطلب مرة أخرى.
فتقدمت لها وكل نظرى على يسارها “على الوزة”، فلم أجدها، ظننتها قد تفهمتنى وأبعدتها، فتراجعت بضع خطوات للخلف مصوبًا عدستى نحوها، وهممت بالتصوير بالفعل، لأراها في الكادر. لأبعد الكاميرا وانظر لتلك المرأة بـ عينى المجردة فـ أراها هى الأخرى مجردة من ذلك الكائن ولا تملك سوى طفلتها فقط.
ما هذا العبث؟ ما الذى يحدث؟ شعرت وقتها بغرابة ودوخة في رأسى، حاولت الانسحاب وترك تلك الصورة التى على وشك أن تصيبنى بالجنون، ولكن يا لحماقة قدمى تسمرت في مكانها لا تتحرك، والكاميرا تنظر إليّ في استعطاف تترجانى ألا أحرمها من تدوين تلك السيدة في ذاكرتها.
ليكسر دوران عقلي وشتات أمري أصوات متداخلة من كل صوب واتجاه، أطفال تتشاجر وأصوات “كلاكسات”، وأحمق ترك هاتفه يرن، والمرأة لا تفعل شىء سوى تلك الابتسامة التى أصبحت مُدمنًا لها، يا للعبث، أنا هذا الأحمق؛ هذه نغمة منبهي. الساعة التاسعة والنصف تأخرت كثيرًا عن العمل.
كان حلما غريب الأطوار، أعرج لم يكتمل فلم أعرف حكاية السيدة ولا قصة “الوزة”، كما أننى أعمل كمحرر صحفي لا كمصور ولا امتلك حتى كاميرا، لكن ربما أملى في احترافه يومًا ما يطاردنى ويراودنى وينادينى. ربما! كل هذا لا يهم، المحزن حقًا بالنسبة لى الآن هو افتقادي لابتسامة كانت غاية في السحر والاستفزاز.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك