اليوم : الثلاثاء 24 اكتوبر 2017

أعلنت الحكومة خلال المؤتمر الاقتصادي، عن مشروع لبناء عاصمة جديدة لمصر، وصفت بأنها إدارية لنقل الوزارات والمصالح الحكومية، غير أن تفاصيل المشروع المعلنه لم تقتصر على وصف “إدارية” بل تجاوزته لتشمل التالي:

المساحة 700 كم مربع.

تستوعب 7 ملايين شخص.

أكبر مطار في العالم (أكبر من مطار هيثرو، على مساحة 16كم مربع 1.3 مرة مساحة هيثرو).

أكبر حديقة في العالم (من أربعة لخمسة أضعاف هايد بارك، ومرتين ونصف مساحة الحديقة المركزية في نيويورك).

مدينة ألعاب أربع أضعاف ديزني لاند.

أعلى برج في أفريقيا.

أما تكلفة المشروع، فقد أعلنت بأنها 45 مليار دولار مرحلة أولى، وتكلفة إجمالية تزيد على 100 مليار دولار، عند اكتمال المدينة.

وبعيدا عن كون النظام الحاكم – جريا على عادة حكام بلدنا – يتمتع بقدر هائل من الكذب وادعاء الكثير من المشاريع الوهمية، وهو أمر شبه مؤكد في كذبه مشروع إنشاء عاصمة جديدة لمصر، لكن لو تعاملنا معه بمنطق خليك مع الكداب لحد باب الدار، فإن هناك الكثير مما يمكن مناقشته حول هذا المشروع:

مدينة على مساحة 700 كم مربع ليسكنها سبع ملايين فقط

أي أن متوسط المساحة المخصصة للفرد تفوق غالبية مدن العالم، بما فيها باريس ولندن وواشنطن من عواصم العالم الرأسمالي الكبرى، فالطبقة الحاكمة المصرية ترغب في بذخ ومستوي معيشة يتجاوز كل برجوازيات العالم!

 

أكبر مطار في العالم يزيد على مطار هيثرو بنسبة 1.3.. لماذا؟

حركة الطيران في مصر ومستوى الشركة “الوطنية” الهزيل لا يحتاج لمطار بهذا الحجم.. مشاريع المطارات يجب أن ترتبط بامكانية استثمارها في حركة الطيران المحلية والدولية والترانزيت على الأخص، وهو الأمر الذي تقوم به مطارات دبي ومطار حمد في قطر على خير وجه.. تلك المطارات التي تستقبل أو تغادرها طائرة كل 30 ثانية على الأكثر.. حتى أصبحت محطات الانتقال الرئيسية للحركة بين أوروبا والشرق الأقصي.

إذن نحن ننشئ مطارا هو الأكبر في العالم حتى يستخدمه الرئيس وحكومته فقط في الأغلب! حيث إن مطار القاهرة وباقي المطارات المصرية لم تصل لحالة التشبع والازدحام بعد، ويمكن تطويرها لتستوعب أضعاف المسافرين المستخدمين لها في الوقت الحالي، وما ينقصها بالفعل هو التطوير والتدريب وثقافة تقديم الخدمة العامة لدي موظفيها بما فيهم أطقم مصر للطيران، وبالطبع ضباط الشرطة المكلفين بالعمل في المطارات، والذين لا يتخيرون عن رفاقهم في أقسام وسلخانات التعذيب وإهدار الكرامة المنتشرة في بر مصر.

 

أكبر حديقة في العالم؟!

وهو أمر رائع بالتاكيد وتحتاجه القاهرة الفقيرة والمحرومة من الحدائق والمساحات الخضراء، لكن مشروع الطبقة الحاكمة في مصر قرر انشاءها في مدينتهم هم.. لهم هم فقط وليس لباقي المصريين، فالطبيعي أن تنشأ الحدائق في المدن المزدحمة، لتكون متنفساً لسكانها المكدسين في العلب، ورئه لامتصاص تلوث المدينة وعوادمها، لتخفيف العبء عن رئات مواطنيها التي تتحمل النصيب الأكبر في تنقية الهواء من الملوثات، لكن ان تنشأ أكبر حديقة في العالم في مدينة من المؤكد أن منازلها ستكون من النوع الفاخر – بالتأكيد – المحاط بالحدائق والمساحات الخضراء في كل مكان، فهو ليس فقط بذخ، بل جريمة في حق من يعيشون في حزام الفقر الذي يحيط بالمدينة الجديدة.

 

مدينة ألعاب أربع أضعاف ديزني لاند؟!

هو بذخ غير متصور من دولة فقيرة يشحت عليها الرئيس أمام العالم ويطالب أهلها بالجوع “حتى لو مانكلش”، بينما سينفق المليارات لإنشاء أكبر مدينة ألعاب في العالم في مدينته المزعومة الجديدة.؟! ومرة أخرى ينشئ تلك الخدمة التي تحتاجها القاهرة في مدينته، لخدمة الطبقة الحاكمة التي ستسكنها فقط!

 

أعلى برج في أفريقيا؟!

ربما كان هذا هو المشروع الوحيد الذي يمكن أن يشكل استثمارا فعليا، فهذا البرج يمكن أن تنشأه أي شركة عالميه كمبنى إداري للشركات، وإن كنت اشك في إمكانية النجاح في تسويق ذلك.. ففي مدينة بهذا الاتساع والمساحات الخضراء.. لماذا تقرر شركة أن تجعل مكتبها علبه أسمنت عالية في السماء، بينما يمكن أن تكون مبنى مستقل من دورين أو ثلاثة تحيط به المساحات الخضراء وقنوات المياه؟!

 

نقل الوزارات والمصالح الحكومية للمدينة الجديدة، يمثل عدة مشكلات:

أولها أن انتقال الموظفين وطالبي الخدمات من تلك المؤسسات الحكومية سيشكل خط زحام يومي من القاهرة للمدينة الجديدة وبالعكس، وسيصبح نقل الوزارات والمصالح مجرد نقل لمنطقة الزحام لتصبح الطريق الواصل بين المدينة الجديدة والقاهرة ومنطقة شرق القاهرة بمجملها بدلا من وسط القاهرة في السابق. وكأن مشكلتنا هي أين نخلق الزحام؟ وليست الأنسان الذي يجب أن نجنبه مثل هذا الزحام وإهدار الوقت.

ويمكن طبعا التخلص من كل ذلك من خلال توزيع الوزارات والخدمات على أحياء القاهرة وتعدد مراكز تقديم نفس الخدمة ليجد كل مواطن ما يحتاجه بالقرب منه بدلا من الانتقال لموقع واحد للجميع سواء في وسط القاهرة أو في المدينة الجديدة.

سيكون معظم الموظفين وعمال الخدمات للمدينة الجديدة – بالتأكيد – من سكان القاهرة، وهو ما يجعل مشروع المدينة الجديد في الحقيقة مجرد امتداد وتوسع للقاهرة، وليس تخفيفا لها كما يدعي المشروع.

 

ستشكل المدينة الجديدة عبئا مضافا على شبكة الخدمات والبنية الأساسية للقاهرة، وكلما زاد استهلاكها للخدمات من كهرباء ومياه وصرف، كلما انهارت الخدمة في القاهرة بالتبعية.

الأدعاء بأن المدينة الجديدة ستخفف الزحام في القاهرة وتقضي على العشوائيات – كما صرح حسين عبد الصبور رئيس جمعية رجال الأعمال، وشاركه التوقع أيضا خالد نجم الدين وزير الاتصالات – هو ادعاء ليس له ما يبرره، وكأن السكن في المدينة الجديدة سيكون متاحا لسكان العشوائيات أو للفقراء!

إذن 45 مليار دولار مرحلة أولى وأكثر من 100 مليار دولار تكلفة للمشروع، سيتم تمويل معظمها من دم المصريين، وليس استثمارات – كما يكذبون – معظم الإنفاق سيكون حكوميا، من تقديم الأرض، وكل البنية الأساسية، والمباني العامة (التي هي الغرض الأساسي كما يدعون) لنقل الوزارات والمصالح الحكومية خارج القاهرة للعاصمة الجديدة.

أكبر حديقة في العالم.. أكبر مطار في العالم.. كل هذه المشاريع ليست من مجالات الاستثمار بالتاكيد، والتي تشكل الجانب الأكبر من تكلفة المشروع، وهي إنفاق حكومي صرف من دم المصريين.

بينما يمكن لنصف هذا المبلغ أن يجعل القاهرة أجمل مدن العالم، لو أنفقت على شورعها وإنشاء حدائق بها، وإناره الطرق، وتوفير كهرباء، ومشاريع لمترو الأنفاق لتشمل كل أحياء القاهرة، ويصبح الانتقال فيها أسهل، وإنشاء أحياء جديدة على أطرافها يتم نقل الأحياء المكدسة إليها ثم إعادة تخطيطها وبنائها.. يمكن فعلا الكثير والكثير بنصف هذا المبلغ فقط.

لكن الطبقة قررت، أن تخصص المبلغ لنفسها فقط، لأنها لا تأمن على نفسها من الثورة في المدينة القديمة، فقررت ان تتركها وتهرب بنفسها لمدينة الأحلام، التي ستكون محمية جيدا بالتأكيد (لاحظ أن الموقع المختار هو في قلب منطقة تتميز بانتشار الوحدات العسكرية ومراكز القيادة للجيشين الثاني والثالث) حتى تكون ملاذا لهم من الثورة المقبلة التي يعرفون أنها قادمة بسرعة، بل إن سياساتهم من قبيل هذا المشروع هي خطوة كبيرة في طريق الإسراع بنضوج الثورة، وقرب المرحلة الحاسمة منها للقضاء على كل أشكال الاستغلال والفساد والتمييز.

سبق لي أن زرت مدينتين من العواصم الجديدة لبعض البلدان التي غيرت عواصمها، هما نيجيريا وباكستان.

نيجيريا: أنشأت مدينة أبوجا، وتركت لاجوس لتصبح مدينة للأكواخ الصفيح، والجريمة والعنف.. لا كهرباء.. لا ماء.. التحرك في المدينة خطير جدا حتى خلال اليوم، أما ليلا فهو نهاية الحياة.

أما ابوجا فهي مدينة الأحلام في أفريقيا.. لا تقارن بها أي عاصمة أوروبية حتى.. مساحات هائلة من الأشجار واللون الأخضر.. قصور في كل مكان.. لا يزيد أي مبنى عن ثلاثة أدوار، فالجميع يسكن في فيلات أو قصور.. خدمات لا تنقطع من كهرباء وماء.. شوارع واسعة.. شوارع مزينة بأعمال فنية وتشكيلية.. مدينة لا يتصور أحد وجودها في أفريقيا! وبالطبع تسكنها الحكومة الفاسدة والأغنياء من الطبقة الحاكمة المستحوذة على كل الثروة والسلطة، والتي حولت أحد أكبر منتجي النفط في العالم (نيجيريا) إلى أحد أفقر بلدان العالم.

 

باكستان: غيرت العاصمة من كراتشي إلى إسلام آباد.. أيضا مدينة كراتشي منهارة الخدمات.. الجريمة فيها من أعلى مستويات العالم.. الحركة في شوارعها تحمل الكثير من الخطورة.. معظم الوقت لا توجد كهرباء.. الجماعات المسلحة تحكم المدينة.. الانفجارات شأن يومي متوقع في أي مكان.. أما إسلام آباد العاصمة الجديدة، فهي مدينة منظمة رائعة مكتملة الخدمات.. قصور وشوارع وحدائق خضراء في كل مكان.

مشاريع العواصم الجديدة – عادة – ما تكون هروبا من الطبقات الحاكمة من مشاكل العاصمة القديمة.. بدلا من مواجهتها وتنمية المدينة وإعادة تنظيمها والانفاق على الخدمات فيها.. تهرب الطبقة الحاكمة بإنشاء مدينة جديدة، وتأخذ معها كل السلطة والإنفاق الحكومي المنتزع من دم وعرق الغلابة المنتجين، لتنشيء لنفسها جنة جديدة.. تاركة المدينة القديمة لتغرق ويأكل اهلها بعضهم البعض.

 

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك