اليوم : الاثنين 21 اغسطس 2017

 

* قد يحتوي المقال على كتابة بعض الأحداث التي تحرق مشاهدة العمل.
“وجود من أجل الموت”، هذا الاختصار الشائع لفلسفة هايدجر الوجودية، والطرح الذي يجعل الإنسان كائنًا من أجل الموت قد يسمح له بإعتلاء رغباته غير المفهومة حتى لو قادت به لنهاية الحياة، فالمعنى لهذه الحياة قد يكون في النهاية، كما قال بطل فيلم “Mr. nobody ” عن يوم موته “بأنه اليوم الأكثر جمالًا في حياته”، كيف للموت أن يكون جميلًا؟ وكيف نجعله اختيارًا؟ بل وكيف نطلب من أحبائنا أن يقدمونا للموت؟
“- لقد قتلتها
– لا تقل هذا، الناس يموتون يوميًا، يمسحون الأرض، يغسلون الأطباق، أتعلم ما هي آخر فكرة خطرت لهم؟ لم أحصل أبدًا على فرصتي! وبفضلك ماجي حصلت على فرصتها، إذا ماتت اليوم، أتعلم ما هي آخر فكرة ستخطر ببالها؟
أعتقد أني فعلت ما هو صحيح، أستطيع أن أرقد بسلام مع ما حققت”
هنا يظهر جليًا خوف المدرب فرانكي دان من فقدان ماجي فيتزجيرالد وحبه لها الذي يخافه أيضًا، ليرد عليه صديقه سكراب المراقب الدائم لعلاقتهما بنفس الجملة التي قالتها ماجي لفرانكي “حصلت على فرصتي، ولا أريد نسيان هتاف الناس”، بهذا الحوار ندرك ما أراد لنا صناع فيلم ” million dollar baby ” أن نشعر به تجاه الموت كمنقذ من الألم، وتجاه الحلم كطعم لذيذ وسط حياة باهتة، وتجاه الوجود كطريق للموت، الموت الذي قد يكون جميلًا إذا ما سمعنا معنى نختتم به الحياة، كمعنى كلمة “ماكوشلا” الذي همسه فرانكي لماجي في النهاية.
عن الموت والألم والخوف والحياة والثورية والمأساوية والحلم والإنسانية تأتي لوحات الفيلم لتروي لنا.
العبقرية في هذا الفيلم تكمن بأنه يدور في حلبات الملاكمة وأبطاله هم مُلاكِمة ومدرب ملاكمة وملاكم سابق، إلا أنه ليس فيلما عن الملاكمة، ويدور أيضًا حول إصرار فتاة على تحقيق حلمها، إلا أنه فيلم مأساوي وواقعي، وبعيد كل البعد عن “أفلام قصص النجاح والتنمية البشرية”، لا يربط النجاح بالخلود والعظمة إنما بالحب، أن تفعل شيئًا تحبه حتى لو مت على ذلك.


“الناس تحب العنف”، هكذا يبرر “سكراب” مورجان فريمان، حب مشاهدة الناس للملاكمة، بصوته التعليقي الذي يضفي الكمال لأي عمل يعلق عليه بصوته، وبمباراة ملاكمة بين رجلين، مدرب أحدهما “فرانكي دان” كلينت ايستوود، يبدأ الفيلم، ليعرّفنا على قسوة المدرب حين يقول لملاكمه عن خصمه “دعه يضربك” وعلى مهاراته في علاج الجروح أثناء المباراة، وهذا الذي يقودنا لسؤال: كيف يكون أفضل من يعالج الجروح الخارجية لا يقوى على علاج جرحه الداخلي؟ الجرح الذي يبقيه رجلًا وحيدًا منتظرًا ابنته لترد على رسائله التي تعود إليه دائمًا، دون أن يطلعنا الفيلم على سبب افتراقهما، فتظهر له الثلاثينة “ماجي فيتزجيرالد” هيلاري سوانك، نادلة المطعم التي تأتي من مكان يؤمن بأنها بلا قيمة، والتي ترى في الملاكمة حلمًا تجري خلفه، حلمًا لا يراه أحد غيرها! إذ أنها وبهذا العمر وبهذه الخبرة البسيطة في الملاكمة تريد أن تبدأ الآن وتصبح بطلة، ولا ترى سوى فرانكي المدرب الذي سيوصلها إلى ما تريد، فرانكي لا يدرب الفتيات ومع ذلك ترد عليه: “ربما عليك أن تفعل، لأنني أعلم إذا دربتني سأكون بطلة”.


فرانكي دان، الذي أداه كلينت ايستوود بكل مدارس الفن التي عاشها، هذا المخضرم الهادئ عبقري الأداء والذي يقدر بتعبيراته ونظراته وصمته على أن يفسر لنا ما يشعر، بأدائه لرجل مسنّ يستحضر ماضيه في شخصية شديدة التعقيد المبسط، كأن تصلي لله تارة ولديها شكوك إيمانية حوله تارة أخرى، شخصية لا تسعى للتقدم إلا أنها تحاول تعلم لغة جديدة، شخصية لا تقدر على منح الإيمان أو الثقة للآخرين، إذ عَبَرت به قصة صديقه سكراب الذي فقد عينه بأحد مباريات البطولة، فجعلت منه رجلًا يخاف إيصال ملاكميه لمباراة البطولة، يحاول حمايتهم دائمًا ويقدم لهم قاعدته الأولى “احمي نفسك طوال الوقت”، لم يدرك بأنه كان يحميهم من أخذ الفرصة، من التقدم، من البطولة، ومع أن فرانكي يردد دائمًا “أرني رجلًا لا يحمل سوى قلبه، وسأريك رجلًا ينتظر الهزيمة” إلا أن قلبه هو المتحكم في كثير من تصرفاته، قلبه الذي استمع لماجي وقرر تدريبها بعد أن تأكد أنها بطلة بصفات الأبطال كالإصرار والتغليب لرأيهم بعناد، إذ قَبِل تدريبها بمشهد كان من أحد أجمل ما قدمته عين السينما لعيناي.


ماجي فيتزجيرالد، هيلاري سوانك التي أخذت جائزتها الأوسكارية الثانية على أدائها لماجي، مَن مِن الممثلات ستؤدي دور المُلاكِمة بكل شراسة في الحلبات، ثم دور المقعدة خائرة القوى على سرير المشفى بكل هذه البراعة والاتقان؟ هيلاري التي تأخذ ستة أشهر فقط للتدريب ثم تطل علينا بماجي، والتي تعيش فيها سوانك الدور حتى إنك كمشاهد لن تفصلها عن شخصيتها الحقيقية المكافحة والناجحة، شخصيتها التي تشبه لعبة الملاكمة وكلاهما يشبهان الحياة فـ “عندما تريد التحرك باليمنى، تستخدم اليسرى”، شخصية جاءت متأخرة بـ”حلم” وحلم غريب نوعًا ما، لكن فتاة كهذه كيف ستشعر بقيمة لنفسها وللحياة التي تعيشها إن لم تخض تجربتها؟ وكما وصفت حياتها “أحارب بالقدوم، أحارب بالمغادرة” وأثناء ذلك قد تظهر لها “أم” في مشهد قاسٍ ومؤذ لتقول “الناس يضحكون عليكِ”، وبفقدان الأب لدى ماجي وفقدان الابنة لدى فرانكي تنشأ هذه العلاقة الإنسانية التي تتعدى كونهما مدربا وملاكِمة، فيجد كل منهما حاجته للآخر وتسأل ماجي فرانكي: “هل ستتركني؟” ليرد الأخير: “أبدًا”.
وكما قلنا، يظهر صاحب الصوت الآسر “سكراب” مورجان فريمان ليكون المراقب والمعلق على هذه العلاقة، والذي حاز على جائزته الأوسكارية الأولى والوحيدة على دوره هنا، والذي لا يرى كما فرانكي قصة فقدانه لعينه أثناء مباراة البطولة حدثًا مأساويا، بل يرى أنه قد نال فرصته، “حتى لو خسر، على الأقل بقي حيًّا”، كما ضمير فرانكي، إذ يخبره سكراب دائمًا بأن ضميره حيّ لكن الحقيقة أن سكراب هو ضمير فرانكي.
سكراب القادر على منح الإيمان ولو كان لدانجروس، المتدرب الأبله الذي يحلم بالبطولة، لأنه وباستناده على قاعدة فرانكي “القوة وحدها لا تكفي”، فالقلب الذي بحجم حبة الخردل ويحمله أحد المتدربين ودائمًا ما يؤذي دانجروس ولو كان قويًا فإنه سيهزم، وسكراب حمل قرار هزيمته وأقرها كمباراته الأخيرة برقم “111” التي لم يكملها، لم يكن الفيلم بحاجة لتقديم هاتين الشخصيتين، إلا أنه قدمهما ليغوص ببعض النفوس البشرية التي تحلم، حالم يحمل قلبًا بلا مؤهلات، حالم لا يحمل قلبًا ولكنه مؤهل، وحالم يحمل قلبًا ومؤهلات، وهذه هي ماجي، ماجي التي أرسلت أزهارًا لخصمها عندما علمت بمصابها، إلا أن الحياة لم تكن عادلة معها إذ لم تمنحها خصمًا بقلب، منحتها ضربة منها أوصلتها للشلل وهي التي كانت قد بدأت برؤية الحياة جميلة وقد تعطي للحلم مساحة.


هذه التركيبة الدرامية العميقة المعروفة بالاقتباس الذي عاشه جميع شخصيات الفيلم “الرجوع إلى الخلف هو أفضل وسيلة لتسديد اللكمات، لكن إذا رجعت كثيرًا للخلف فإنك لن تستطيع القتال من بيتك”، إذ تأرجح الأبطال الثلاث بين الرجوع والتقدم لمواجهة لكمات الحياة، ولم يُعِد خوفهم منها أحدًا إلى بيته، تركيبة درامية أتت بطابع فني ذي لقطات طويلة متحركة ومتناسقة مع إيقاع الفيلم، ولا يستهان به من قِبل حامل الفيلم على كتفه، مخرجه ومنتجه وممثله ومؤلفه الموسيقي كلينت ايستوود، الذي قاد سوانك وفريمان لجائزتي الأوسكار وأخذ بدوره جائزتي أوسكار كأفضل مخرج وأفضل فيلم في السنة، وغيرها من الجوائز في مهرجانات أخرى.
صوّر ايستوود فيلمه في 36 يومًا فقط، ليتمكن من الالتحاق بسباق الأوسكار بسبع ترشيحات، وقد كسب فيه الرهان في عام 2004/2005 وعُدّ من روائع الألفية، استخدم فيه ايستوود بحرفية “الظلال” وعمل على توزيع الإنارة المتباينة بين الأبيض والأسود والرمادي لإعطاء طابع التناقض في العمل، وجود الحلم مقابل الألم، ووجود الحياة مقابل الموت، والحب مقابل العلاقات المبتورة، لذلك انطوى الفيلم على مشاهد ليلية أو داخلية حاملة للظلال تدليلًا على عمق ما تعيشه الشخصيات، حتى نصل للنهاية المبكية والتي بذات الوقت تحمل التضحية والإنسانية ومع تدرج طبقات الموسيقى التي تخلق حالة بين المشاهد والفيلم وتجعله يركز بحوار الشخصيات غير المتكلف والمؤثر وتفاصيل الشخصيات وتصرفاتها وصولًا إلى ترسيب الموسيقى حزنًا عظيمًا في النهاية، ليترك لنا هذا الفيلم مَشاهدًا لا تنسى، من دمج فني متكامل بين تعابير الأداء والاقتباسات والموسيقى وتكوين الكادرات وتوزيع اللقطات وإضاءتها ومونتاجها الذي يتماشى مع حركة الفيلم وما وراء المشاهد من فلسفات.
تعود تتذكر قاعدة فرانكي التي علمها لماجي “احمي نفسك طول الوقت”، وكيف أنه حماها من الألم ووافق على إيصالها للموت ولو أن ذلك يؤلمه، فكما دار حواره مع القس
“- هي تريد الموت، وأنا أريد إبقائها حية معي، وأقسم بالله أنني أرتكب جرمًا بفعلي هذا، فأنا أقتلها بإبقائها حيّة.
– لا تفعل، تنحى جانبًا واترك أمرها لله.
– هي لا تطلب مساعدة الله، هي تطلب. مساعدتي”
ومن عدم مقدرة فرانكي على خذلان ماجي يأتي تعريف الحب الذي يجبر من يحب على احترام ما يرغبه المحبوب ويناضل من أجل أن يظل بسلام بعيدا عن الألم.


وهذه العلاقة الإنسانية التي يرويها لنا سكراب على مدار الفيلم لا تعدو كونها رسالة يرسلها إلى ابنة فرانكي لتعلم كيف كان أبوها، ولترى الحقيقة الضائعة التي لم تبصرها عن قلبه، لكنه “لم يتبق شيء في قلبه” بعد فقد ماجي، هكذا يقول سكراب.
كلنا نستحق أن يطلع أحدهم على حياتنا بهذا التفصيل ليعلم حقيقتنا، إذ أن ما نحمله في قلوبنا أكبر من كل ما نفعل ظاهريًا، وهذه دلالة بقاء القلب حيًّا حتى لو غاب صاحبه، التي أراد أصحاب العمل لنا أن نراها عند إعادتهم لدانجر الفتى الطيب في النهاية.
فماذا تكون الحياة أكثر من أن نعيش قصة محبوكة كهذه، ويعلم عن تفاصيلها ويسردها أحد كسكراب، ونصل لنجاح عظيم ولو ليوم واحد كالذي عاشته ماجي، يظهر لنا فيها إنسان نتبادل وإياه احتياجتنا بعد تخلي من نعرف عنا لتصير كعلاقة فرانكي وماجي، ثم بكل البساطة التي بدأت بها الحياة تنتهي، فيكون وجودًا لا يخاف الموت أو جاء من أجل الموت؟ هكذا تكون السينما، هكذا تحدثنا اللغة السينمائية.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك