اليوم : الخميس 21 سبتمبر 2017

بعد انتهاء جولتنا في متحف الهولوكوست بواشنطن، استدارت ناحيتي المشرفة متسائلة بلهجة امتزج فيها الفضول بالتحدي، عن رأيي!
كنت المسلمة العربية الوحيدة بالمجموعة، أنا المصرية التي تلامس حدود دولتها دولة فلسطين، والتي شهد تاريخ وطنها عداء غير خفي مع إسرائيل.
لم تُبصر أثر الدمع بعيني، فقد تأثرت -بصدق- بتلك الفيديوهات التي شاهدناها قبيل نهاية الجولة والتي يحكي فيها يهود قد نجوا من هولوكوست النازية ذكرياتهم، لكن الجولة انتهت بلافتة جانب صور قديمة تشير إلى نهاية رحلة المعاناة وبدء إقامة دولة إسرائيل عام ١٩٤٨، فصاحب عندها دمعي ابتسامة ساخرة.
وأجبت بهدوء متجاهلة تحفز حكمها المسبق:
“إنه لأمر مؤلم للغاية ولقد لمست الحكايات قلبي، لكن لم يكن هناك داع لربط هذا بذاك وتذييل حكايات معاناة تاريخية إنسانية حقيقية بذكر الحرب الدائرة حاليا. لقد بكيت عندما شاهدت تلك المرأة تحكي عن ذكرياتها كطفلة شهدت الموت بالمعسكر النازي قبل هروبها. لكنك تعلمين أيضا أن هناك أطفالا بفلسطين قد قُتلوا بتلك الحرب، كما هي الحال في أي حرب. مدارس ومستشفيات قد دُكت إثر ضرب صواريخ إسرائيلية، وأطفال عزل شهدوا الموت دون ذنب”
على عكس ما توقعت المشرفة، أنا لا أحمل أي حدة في منظوري لأغلب الأمور بالحياة، واستقبالي لأي حكاية غالبا هو استقبال إنساني بحت، متسامح لأقصى مدى أستطيعه كبشر غير منزه عن الانحياز أو الخطأ.
لكن من هم أمثالي -وإن كنا قليلي التورط في إحداث صخب يعادل صخب أصحاب التوجهات أحادية المنظور- فإن هذا لا يعني بالضرورة عدم محاولات توريطنا مع أصحاب أي توجه إن تشابهنا معهم بالصفات أو الخلفية. فإن محاولات تصنيف البشر والافتراض قبل التحقق، هي عادات بشرية عالمية أبدية. للأسف.
لقد علمني العمر أن المنظور الحيادي للأشخاص وتجنب الأحكام المسبقة عند التعامل معهم هو أمر عسير على أغلبية البشر. وأن التاريخ حكاية يختلط فيها الصدق بغرض التوجه. وذلك التزييف المُغرض للتاريخ هو عادة بشرية أبدية أخرى لم يسلم منها شعب ولا حدث جلل.
وقد عشنا هذا التزييف في مصر مؤخرا وشهدناه شهادة من عرف ورأى، لا من سمع وحكوا له.
أحداث كثيرة ومتلاحقة بمصر وتغيرات جذرية رواها كل جانب بتفسير منظوره، وكل راوٍ لحكاية يقسم أن تلك هي الحقيقة المُطلقة. والمتلقي إما معهم أو عليهم. خياران لا ثالث لهما. فذاك هو حال الدنيا في عقل كل متعصب. أبيض وأسود. مخطئ ومصيب.
ومصر منذ زلزال يناير ٢٠١١ وحتى اليوم، كم كشف بطن أرضها عن سواد التعصب، وشاع بين أرجائها ذلك الخراء الذي خلفه تناحر المختلفين.
و”الخراء” هو الكلمة التي يبدأ بها “عز الدين شكري فشير” روايته الأخيرة “كل هذا الهراء” مشيرا إلى حكمة معروفة بالجيش المصري أن “الأيام الخرا، فايدتها النوم”

وبذلك اللفظ الافتتاحي الذي لا يوحي إلى الوجدان بأي ذكرى جمالية، يمهد لك “فشير” سوداوية حكايات روايته، وقبح نهاياتها.
ثم يتبرأ من مهمة الحكي ذاتها، موكلا بها لبطلي الرواية “عمر وأمل”. لاحظ تشابه الاسمين مع اسمي بطلي كتب حكايات الأطفال لمادة القراءة بالمرحلة الابتدائية القديمة، وسواء كان هذا التشابه حقيقة أم استهزاء خيال، فإن السخرية المبطنة التي يحملها، ناسبت السخرية التي عمد إليها الكاتب منذ البداية عندما أشار في التمهيد والتهديد إلى حادثة حبس الروائي “أحمد ناجي” بتهمة “خدش الحياء العام”، ثم ذكره المتكرر فيما بعد للقاضي العام الذي يحبس من يذكر هذا العضو أو يصف ذلك الفعل.
ولقد انتهك الكاتب بسخرية لاذعة أصحاب الحياء العام في مقدمة أنهاها بتوعد وافق هواي وجعلني أعجب بالرواية من قبل بدئها، فتورطت بمشاعر شخصية جدا تجاه ذلك العمل، وتلك الذكرى التي قدمت بها مقالي عن الرواية، ما هي إلا إشارة لانفعالي الخاص بها. فهذا المقال ليس بعرض قارئ لرواية أعجبته، بل هو حكي شخصي عن تلك الحالة التي ورطني فيها “فشير” منذ التقديم وحتى النهاية.
ربما لكوني مصرية أنتمي للجيل الذي يحكي عنه، شهدت مصر قبل الثورة وخلالها. ربما لأني قد سئمت حكايات المنظور الواحد وغرور العالمين بكل شيء، المُقسمين على كل شيء، والكارهين لكل شيء.
وهم ليسوا بفرقة بعينها، بل هم معظم الفرق للأسف. وهذا ما تمخضت عنه الثورة بمصر. والتاريخ القريب صار أكاذيب يوهمنا ساردها أنها تفاسير حقيقية لما حدث.
لذا، فقد كنت بحاجة ماسة إلى تلك الرواية، التي ما هي إلا حكايات بشر، وعرض لتفاصيل مآسيهم. دون محاولات لتجريم فريق بعينه أو تبرئة فئة معينة.
ضمت الحكايات قدر ما استطاعت من نماذج مختلفة، قاسمهم المشترك الأعظم كان لعنة الجنسية المصرية. في سرد مطرد لأحداث تنقل الواقع كما عشناه فعلا، بعبثه، وسوداويته وغرابة ما أسفر عنه وكل الحزن والمرارة التي خلفها بحلوقنا إلى اليوم.
د.”عز الدين شكري فشير” كأديب غني عن تعريفي، ولقد أتاحت له موهبته الأدبية ترسيخ اسمه عند قاعدة عريضة من القراء.
“كل هذا الهراء” هي عمله الروائي السابع، ولقد رشحت روايته “عناق عند جسر بروكلين” للبوكر بالقائمة القصيرة، وقبلها “غرفة العناية المركزة” بالقائمة الطويلة.
لن أزايد مُسهبة في وصف سلاسة أسلوبه وبراعته بالتشويق.

عوضا عن هذا سأنصحكم بالتعرف على عالم “فشير” الروائي بشكل فعلي إن لم يكن قد سبق لكم قراءة أحد أعماله.
زج “عز الدين” بشخصه داخل النسق الروائي في التمهيد كمجرد رسول، نقل حكايات “عمر وأمل” كما هي دون تدخل شخصي منه. وسخر حتى من نفسه، كأديب مرة وكمحلل سياسي مرة أخرى. فتنبهت أن وراء ذلك العمل الروائي عقلا سياسيا متابعا وواعيا وله رأي محدد. لكن لا يعنيني كثيرا الحكم على مواقفه وآرائه كما فعل بطل الرواية.
بالنسبة لي كان هذا العمل الثاني الذي قرأته للكاتب بعد “عناق عند جسر بروكلين” ومن حسن حظي أني لم أتابع أيا من أنشطته أو أشاهد أحاديثه التحليلية السياسية. وأعتذر عن جهلي هذا وإن كان نافعا، فلقد تلقيت العمل بدون أي حكم مسبق على كاتبه، فمسني بالصميم.
وانحازت له قناعتي بأن التاريخ بحاجة للمزيد من السرد القصصي الإنساني عن المُهمشين بقلب الحدث، كيلا تُطمس حقائقه بالكامل.
فذلك العمل الروائي الذي ادعى بساطة الحكي المرسل لرجل وامرأة تشاركا الفراش والساعات والحكايات قبل سفر. وانتقلا بنا من خلال الفصول الثمانية بين شرائح مختلفة من المجتمع المصري. هو عمل غير بسيط عن فترة ليست بهينة في تاريخ مصر.
أهداه الكاتب لكل من قُتلوا وسُجنوا، وأراه أنا إهداء لأجيال قادمة كشهادة روائية عن جيل قد تنفس ظلما وفسادا، وعندما طمح في خلاص مما أتى العالم ليجده أمرا واقعا مفروضا عليه، عايش “كل هذا الهراء” الذي حدث ولم يزل يحدث.

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك