اليوم : الأربعاء 22 فبراير 2017

الأفلام الغنائية الاستعراضية لها جمهورها الخاص، وقد لا تستهوي جميع أنواع المشاهدين. لكن هؤلاء الذين يستمتعون بمشاهدتها أمثالي، تصيبهم حالة مبالغ فيها من النشوة تنقلهم من على مقعد السينما إلى داخل الصورة الكبيرة المواجهة.
فالفيلم الاستعراضي تجسيد حي لعملية مزج خاصة لعدة أنواع من الفنون معا، فالموسيقى تتناغم مع الأداء التمثيلي مع الصورة الراقصة ويجب توظيفهم بشكل خاص لخدمة القصة، لأنه في الأساس فيلم وليس مجرد أغنية.
وهنا يأتي الدور الحيوي جدا للمخرج، حيث إنه العامل الأهم في نجاح أو فشل فيلم من هذه النوعية.
عملية المزج تلك تستلزم فنانا حقيقيا، واعيا لأهمية التفاصيل الدقيقة التي تخدم الحالة الشعورية التي سينتقل إليها مشاهد خاص تترقب حواسه المرهفة ما سُيقدم له.
وفي رأيي إن كان إخراج فيلم سينمائي جيد بشكل عام هو أمر يتطلب مهارة خاصة، فإن إخراج فيلم غنائي ناجح يستلزم قدرة استثنائية.
لقد نجحت عدة مرات في جر من أحب لمشاركتي مشاهدة فيلم غنائي، بغض النظر عن عدم ولعهم بتلك النوعية من الأفلام. بعضهم من رافقني في رحلتي داخل الشاشة الفضية، والبعض راقب حالة النشوة وابتسامتي الواسعة من على المقعد المجاور بالصالة بتعجب!
على حسب مدى استمتاع المتلقي بالمشاهد الغنائية الاستعراضية.
فيلم “لا لا لاند” يبدأ بالمشهد الاستعراضي، فمنذ اللحظة الأولى بالفيلم وقبل حتى ظهور الأبطال، ترقص المجموعة وتغني فوق أسطح السيارات العالقة بالزحام أعلى الكوبري. أغنية مبهجة تعيدك لموسيقى حقبة قديمة، وكأنك انتقلت لخمسينيات القرن الماضي.
استعراض الافتتاح ينقل لك أيضا رؤية المخرج للصورة وأثر أهمية اللون بها. فالفيلم يركز على الألوان قدر تركيزه على الموسيقى، وهو أحد عوامل تميزه في نظري، ففيلم كهذا لا تفيه الكلمات حقه ولا تنقلك أغانيه لحالته. يجب عليك مشاهدته كاملا.
تتخطى المشهد الأول لتكتشف أن الفيلم ليس بفيلم استعراضي تقليدي وأنك لن تشاهد صورا متتالية لمجاميع ترقص وتغني فقط. الفيلم به قصة وخط درامي بإمكانهما جذب أي مشاهد، وتركيزه الأساسي على بطل وبطلة. قصتهما تماثل قصص آخرين، انتقلوا إلى لوس أنجليوس يرافقهم حلم الشهرة، ويعانوا الأمرين في سبيلها.
هي تريد أن تصبح ممثلة مشهورة، وهو موسيقي مهووس بموسيقى الجاز التي انحسرت عنها أضواء الشعبية وصارت موضة بالية لا ترضي الإيقاع الموسيقي السريع الجديد. وكلاهما عنيد مثابر من أجل تحقيق حلمه.
رغم الرفض والتعالي والإحباطات المتتالية، يتمسكا بالحلم، تجمعهما الصدفة وتلك الحالة التي يسببها شغف الحالمين، فيقعا في الحب.
والحب للفنان حياة، وبه يخلق ألف حياة.
وإن كان صحيحا أن لكل فنان أرض منفصلة عن الواقع يطلق عليها الساخرون “لا لا لاند”، فلك أن تتصور فنانين يتشاركان عالمها الخاص، ويلونان الأيام المُرة بلون الحلم، ويتمايلان على ألحانهما السحرية الخفية فتصير المدينة مدينتهما.
ينجح المخرج صغير السن Damien Chazelle (٣١ عاما) في تقديم إبداع مرئي وسمعي ملفت للنظر، وفي توجيه بطلي عمله ببراعة استحق عليها إشادة النقاد بالفيلم الذي قام أيضا بتأليفه وهو الفيلم السادس في تاريخه الفني.
الفيلم لقي استحسانا نقديا وجماهيريا بأمريكا، واحتفت به صحف كبيرة مثل النيويورك تايمز وواشنطن بوست، وتم تشبيهه بأفلام غنائية عظيمة تعد من كلاسيكيات السينما الأمريكية أمثال:
Singin’ in the Rain 1952
Top Ha (1935)
It’s Always Fair Weather (1955)
وسواء كنت أحد محبي الأفلام الغنائية أم لا، فإنك لن تستطيع إنكار الحالة المختلفة التي خلقها فيلم La La Lan إن شاهدته.
وقد ترى مثلي أن أحد أسباب نجاحه هو الاختيار الموفق لبطليه.
فعلى الرغم من أن الأحداث تدور في عهدنا الحالي إلا أنه كما أشرت سابقا، حالة الفيلم تنقلك لعهد سابق، ومن أجل هذا تم اختيار ممثلين مناسبين لتلك الحالة والصورة الرومانسية الخاصة المشبعة بالنوستالجيا.
قام بالبطولة Ryan Gosling المعروف جدا بدوره في فيلم The Note Book، والبطلة هي Emma Stone، التي تضمن مشوارها الفني أعمالا متنوعة تضمنت عرضا مسرحيا في برودواي، أشهر مسارح نيويورك والعالم.
جسدا معا قصة حب رومانسية حقيقية، ستجذبك للمشاهدة حتى النهاية وقد تستحسن موسيقى الجاز أو تتعرف عليها بشكل جديد إن كنت لم تكتشف سحر جمالها من قبل.
تنتهي قصة الفيلم بمشهد، ينبه كل من يظن أنه يجب عليه التخلي عن حبه في سبيل تحقيق حلمه، فلربما بإمكاننا الاحتفال بالنجاح بين ذراعي حب العمر.
يتهم البعض المحبين بالحمق والحالمين أيضا لم يسلموا من ذلك الاتهام. حتى ينجحوا في تحقيق الحلم فيصيروا مثلا!
وكما تقول كلمات أغنية “الحمقى الذي يحلمون” والتي ألقتها بطلة الفيلم بأحد تجارب الأداء:
“قليل من الجنون هو المفتاح
ليعطينا ألوانا جديدة فنرى!”
اذهب لرؤية ألوان la la land وتمايل على نغم جنون أبطاله.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك