اليوم : الثلاثاء 23 يناير 2018

تفاجئني أمي بردود أفعالها على الأحداث العامة، تشاهد فيديو لضابط يضرب ويهين مواطنا فتلاحقني بالرد أنه “أكيد مش ظابط وأنه حد لابس زي الشرطة وقاصد يسخن الناس على الحكومة ” أشرح وأحاول أن أجعلها ترى الحقيقة ولكن في النهاية يبقى الإنكار، الإنكار يساعدها على تجاوز الواقع والثبات في موقف بأن كله تمام والأمن مستتب، فلو اعترفت بصحة ما شاهدت فلابد أن تعترف بوجود المشكلة وهذا ما لا تريده.
ترى في الإنكار جزءا من الطمأنينة وأن الحدث ليس بهذا الجلل الحقيقي. يستمر إنكارها النابع من الخوف.
يشكو إليّ صديق من حبيبته وأنها دائمة الشكوى منه ولا تتحمل حالات ضيق اليد التي يمر بها من وقت لآخر وتتهمه بالتقصير رغم أنه في أوقات اليسر لا يبخل عنها بشئ ويعطى دون تفكير لأن هدفه في بالنهاية هو سعادتها، يطرح شكوته ويريد نصيحتي فأبدأ بالرد بأنها شخصية غير مناسبة له وأنه سيستمر في إنفاق عمره وماله وكل ما يملك وفى النهاية عند أول تعسر له ستنسى كل خير منه، أنصحه بأن ينهى تلك العلاقة الضاغطة عليه والتي تستنزف منه مشاعر وجهدا، يقاطعني ويبدأ بالدفاع عنها وأنها تفعل ذلك لصغر سنها فقط ومع الوقت ستتغير وتقدر ما يفعل لأجلها وأنهما يحبان بعضهما البعض، يعلم هو صحة ما أقول وترهقه تلك العلاقة لكن عاطفته هي من تسيطر، ينكر صديقي الوضع حاليا فهل سيستطيع إنكاره باقي العمر؟
“أنكر هذه التهم جميعها”.. قالها مبارك أثناء توجيه التهم له، قالها بثبات المتحدى للواقع والأحداث والحقائق، إنكار مبارك هو إنكار الكاذب المتعجرف ذو البجاحة المفرطة المدرك بأن لا أحد يقدر على ادانته رغم معرفة الجميع وهو أولهم بصحة هذه الاتهامات، أنكر قبلها أزمات كثيرة وكوارث وأنكر حقيقة الوضع بأن الناس ستنفجر من كثرة الضغط والفشل فى حل الأزمات وقبل الانفجار الحقيقي من الناس في الشوارع كان قد قال جملته الشهيرة المتهكمة على رفض الشارع لانتخابات مجلس الشعب وتهديد المعارضة بأنهم سيعقدون برلمانا موازيا، كان رده المتهكم على الوضع “خليهم يتسلوا” إنكار من نوع آخر وعلى الهامش -أتمني أن يكون تسلى هو كثيرا في الأيام التالية لهذا التصريح.
يلجأ مجتمعنا عادة إلى إنكار أي اختلاف عن الثوابت والعادات.
اختلافك السياسي كمعارض أو اختلافك الديني كملحد أو حتى مسيحي واختلافك في ميولك الجنسية كلها اختلافات تحمل مخاطر، الاختلاف تهمة تطارد من يقوم بها، فإما يُكره على إنكار التهمة أو يتحمل عواقب اختلافه، عواقب تتدرج بين الاضطهاد من باقي أفراد المجتمع وبين السجن وأحيانا كثيرة القتل، خوف المجتمع من الاعتراف بالاختلاف ومواجهة المشاكل يجعل الإنكار هو الحل لثبات الوضع. الوضع المزري بطبيعته لكن يفضله الناس عن التغيير.
ليست أمي وحدها من تقوم بالإنكار من منطلق الخوف. المجتمع أيضا يفعل.
ربما لو كان المجتمع يواجه اختلافاته ومشاكله ولم ينكرها، ربما لم يكن مبارك يقدر على إنكار جرائمه وربما لم يكن فعل تلك الجرائم من الأساس، فالمجتمع الذي يطرح مشاكله ويواجهها هو مجتمع أقوى من أن يحكمه ديكتاتور.
فبين إنكار المجتمع لمشاكله وإنكار مبارك لجرائمه، يبقى المؤمنون بخيار المواجهة يصارعون ضد التيار الجارف، كالعازفين على سفينة تيتانك.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك