اليوم : السبت 18 نوفمبر 2017

ليست “كرة ثلج” -كما يذهب التعبير الشّائع- تلك الّتي تدحرجت منذ انتشار وسم MeToo# على مواقع التواصل الاجتماعي منذ أكثر من أسبوعين وتصاعد التفاعل معه عالميّا ومحليّا، بل “كرة نار” منغلقة على ذاتها وجدت في هذه الحملة فرصة جديدة للنفث خارجها.
أثار وسم MeToo# نقاشا واسعا لقضيّة التحرّش والاعتداء الجنسي على النساء، القضيّة الّتي أكّد التفاعل الكبير معها على عالميّة طابعها وضخامة انتشارها شرقا وغربا، وارتكاز أسبابها، في التحليل الأخير، على عنف بنيويّ وتمييز ضدّ المرأة وعلاقات قوّة تتمظهر وتتشكّل بدرجات صلابة وسيولة متنوّعة ومتفاوتة في كلّ الثقافات حول العالم.

تأطير الحملة:

بدأت حملة MeToo# الإلكترونيّة في الخامس عشر من أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي عندما دعت الممثّلة الأمريكيّة أليسا ميلانو Alyssa Milano النساء عبر حسابها على موقع “تويتر” أن يكتبن “me too” ردّا على تغريدتها إن كنّ تعرضّن لتحرّش أو اعتداء جنسي، بهدف إظهار شيوع العنف الجنسي ضد النساء، وذلك على خلفيّة الاتّهامات الّتي وجّهتها عدّة ممثّلات للمنتج الهوليودي هارفي وينستين Harvey Weinstein بالتحرّشّ والاعتداء الجنسي عليهن.
بعد انتشار وسم MeToo# سرعان ما تكشّف أنّ الاسم الأصلي للحملة ينسب إلى ناشطة أمريكيّة سوداء تدعى تارانا برك Tarana Burke دشّنت منذ عشر سنوات، وقبل انتشار خاصيّة الوسم، حملة بعنوان Me too لخلق حركة شعبيّة للوصول للناجيات من العنف الجنسيّ، خاصّة من النساء الملوّنات، في المجتمعات المهمّشة بغرض الحوار وتحقيق التعافي المجتمعيّ.
تجارب النساء مع العنف الجنسي تخرج إلى العلن:

منذ دعوة ميلانو، بدأت النساء حول العالم في الكتابة بكثافة عن العنف الجنسيّ، وتتالت تدوينات كثيرة على وسم #MeToo على موقعيّ “تويتر” و”فيسبوك” تسرد التجارب الشخصيّة للنساء مع العنف الجنسيّ، كما تفاعلت كثيرات مع الحملة بمجرّد نسخ الوسم على صفحاتهنّ على مواقع التواصل الاجتماعيّ لتفعيله، وللتأكيد على أنّ التحرّشّ والاعتداء الجنسيّ يطالان جميع النساء، وأنّ الأمر لا يقتصر على نساء بعينها أو سياق بعينه أو فئة عمريّة محدّدة أو ثقافة ما دون أخرى، كما حكت أخريات عن الآثار الفادحة للعنف الجنسيّ على النساء، وعلى تواطؤ المجتمع -وتواطؤ ذوي الناجيات والمقرّبين منهنّ أحيانا- مع المعتدين بصور مباشرة وغير مباشرة.
وبينما دوّنت النساء حول العالم تجاربهنّ مع العنف الجنسيّ على وسم MeToo# أو ما يقابله في لغاتهنّ، طوّرت النّساء في فرنسا وسما خاصّا بهنّ مواز للحملة هو BalanceTonPorc# -“افضحي خنزيرك”- في توجيه واضح للحملة نحو هدف رئيس وهو فضح المتحرّشين/ المعتدين. وفي إيطاليا، انتشر وسم quellavoltache# – “تلك المرّة الّتي” -وتداولت عبره النساء تدويناتهن وشهاداتهنّ حول العنف الجنسيّ.
في مصر، الّتي تنامت فيها معدّلات التحرّشّ والعنف الجنسيّ ضدّ النساء في السنوات الأخيرة، وجدت حملة MeToo# صدى كبيرا لدى النساء اللاتي خرجن بقصصهنّ وتجاربهنّ الشخصيّة إلى علن مواقع التواصل الاجتماعي، ساردات تجارب مؤلمة مع العنف الجنسيّ ارتكبها إمّا قريب أو صديق للناجيات، أو زملاء لهنّ في أماكن العمل، أو غيرهم ممّن لا تعرفهنّ الناجيات بصورة وثيقة، أو غرباء تحرّشّوا بهنّ في أحد الفضاءات العامّة.
ليست هذه المرّة الأولى الّتي تدشّن فيها النساء حول العالم حملات إلكترونيّة ضدّ العنف الجنسيّ. سبقت هذه الحملة في الإطار المحليّ عدّة حملات، كان آخرها حملة بدأتها مصريّات في نهاية مارس/ آذار الماضي عبر وسم #أوّل_محاولة_تحرّشّ_كان_عمري سردن فيها تجاربهنّ الشخصيّة مع العنف الجنسيّ، خاصّة في تقاطعه مع الفئة العمريّة للناجية، لتكشف شهاداتهنّ للجميع أنّه لا تسلم امرأة -في مصر تحديدا- من التعرّض لصورة من صور العنف الجنسيّ في الحيّزين الخاص والعام.
حملة MeToo# وأشكلة قضيّة العنف الجنسي:

تكمن أهمية الحكي والتدوين عن تجارب العنف الجنسيّ ضدّ النساء ليس فقط في كونها آليّة كشف لحجم وطبيعة القضيّة ولـ”التوعية” بها، ولكن أيضا كآليّة تعافي للناجيات. تقول تارانا بيرك صاحبة شعار “أنا أيضا” -وهي من الناجيات من العنف الجنسيّ- إنّ عبارة “أنا أيضا” أحدثت تغييرا في مسار تعافيها عندما سمعتها. “نستخدم مصطلحا هو التقوية من خلال التعاطف”، تقول بيرك. ما يعني أنّ إظهار التعاطف والمشاركة الوجدانيّة للألم والتجربة بين النساء يساعدهنّ على أن يصبحن أكثر قوّة.
لكنّ حملة MeToo# ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك بفتحها المجال واسعا -محليّا وعالميّا- لمناقشة وأشكلة قضيّة العنف الجنسيّ ضدّ النساء على أكثر من مستوى.
لم تكن الحملة فرصة للكشف عن مدى انتشار العنف الجنسيّ ضدّ النساء وتنوّع صوره فحسب، لكنّها أبانت كذلك عن تأصّل العنف الجنسيّ في نظام من الأفكار والممارسات المتشابكة والممنهجة، حيث يكشف تشابه ملامح رئيسة لتجارب النساء مع العنف الجنسيّ عبر جغرافيّات وثقافات مختلفة، وتشابه خطاب وممارسات لوم الضحيّة وإسكات الناجيات، واستقواء المعتدين بنزوع الناجيات للصمت خوفا من الوصم والتواطؤ المجتمعيّ، واطمئنانهم للإفلات من العقاب خاصّة في حمى مؤسّسات وقوانين لا تسلم من الفكر الأبويّ ولا من الانتصار للذكورة -يكشف هذا كلّه عن الأسس البنيويّة لقضيّة العنف الجنسيّ والخطاب والممارسات السياسيّة والاجتماعيّة المسؤولة عن إعادة إنتاجه. كما تظهر شهادات الناجيات هنا وهناك حقيقة أنّ استقواء المتحرّشّين والمعتدين جنسيّا- من المعتدي صاحب النفوذ والمال والشهرة، كـ وينستين، إلى المعتدي الأقل نفوذا وسطوة، إلى المتحرّشّ بالنساء في الشارع أو الحافلة -يرتكز بصورة رئيسة على سلطان الثقافة الأبويّة وعلى المخيال الجمعيّ والبنى المؤسّسيّة الحامية لهم من العقاب.
لم تظهر حملة MeToo# الخطاب الأبويّ المؤسّس للعنف الجنسيّ في شهادات النساء فقط، وإنّما أيضا في تفاعلات الرجال مع الحملة. فيما عدا بعض محاولات للاشتباك مع القضيّة بطرح الأسئلة ومناقشة واقتراح آليّات للمواجهة، وبعض مبادرات محدودة جدّا للاعتراف بارتكاب عنف جنسيّ ضدّ النساء و/ أوّ التورّط به بالصمت عنه والتواطؤ معه، حفلت ردّات فعل الرجال على الحملة بأنماط من الاستخفاف والسخرية، والتقليل من حجم وأثر تجارب النساء مع العنف الجنسيّ، وإبداء التشكّك بشهادات النساء، ولوم الضحيّة. كما أظهرت استجابات الرجال للحملة -حتّى مع ما بدا أنّها محاولات حسنة القصد- هذه الرغبة الأبويّة الدّائمة في التمركز حول الرجل، بتحويل الحديث من موضوع التحرّشّ والاعتداء الجنسيّ على النساء، ومن الرجل كمعتد ومتواطيء إلى الحديث عن (شخص) الرجل “المتضامن” “المتفهّم” أو الرجل “الضحيّة” -ضحيّة العنف الجنسيّ أيضا. بل إنّ الموضوع تحوّل في بعض الحالات إلى وسيلة لإظهار التفوّق الأخلاقي لرجل أو مجموعة أو تيّار ما على آخر، على حساب تجارب ومعاناة الناجيات، ومن ثمّ صار الموضوع عن “الرجل”، واختفت المرأة صاحبة القصّة والتجربة المؤلمة منه.
في السياق المصريّ، فتحت تدوينات النساء على وسم أنا_أيضا/ MeToo# نقاشا متجدّدا حول قضيّة العنف الجنسي ضد النساء، كما أثارت أسئلة وإشكاليّات جديدة حول الموضوع، خاصّة بعد كشف بعض الناجيات لوقائع تحرّش بهن من رجال ينتمون لدوائر تنعت بـ”التقدميّة” ومن دوائر من المفترض أنّها توفّر “مساحات آمنة” للنساء فيها. خلقت هذه الشهادات حالة من الجدل والاشتباك مع الموضوع على صفحات التواصل الاجتماعي في محاولة من المشاركات/ المشاركين فيه لبلورة صيغ وآليّات للتعامل مع الموضوع داخل دوائر كهذه، ونقاش دور المنتمين لها تجاه المتحرّشّين والمعتدين منهم، وكيفيّة “عقاب” المتحرّشّين، بالوصم أو العزل و/ أوّ غيرها من الآليّات، وكيفيّة الفصل بين الشأن الخاصّ والشأن العام في هكذا حالات، وتقاطع مسألة العنف الجنسيّ مع الطبقة والعوامل الاقتصاديّة والسياسيّة.
وعليه، فإنّ تواتر شهادات النساء عن العنف الجنسيّ لا يكشف عن حجم المشكلة فقط، لكنّه يكشف أيضا من خلال هذه الشهادات -كـ “وثائق” دالّة- عن طبيعة العنف الجنسيّ ضد النساء والنظم المؤسّسة له.
وبينما قلّل بعض النقد الّذي طال حملة MeToo# من فاعليّتها لارتكازها على قصّ النساء لحوادث العنف الجنسيّ بدلا من أن تكون مسؤوليّة مواجهة العنف الجنسيّ منوطة بالرجال، وبالرغم من الوجاهة النظريّة لهذا الطرح، عمليّا، لا يتحرّك المتواطئون مع العنف الجنسيّ، بالصّمت وبالتسامح معه وبالمشاركة في الثقافة المؤسّسة له، إلّا بضغط من النساء وفي إطار مناقشات موسّعة وعميقة للموضوع.
لم يكن لينفضح أمر ارتكاب وينستين المتكرّر طيلة عقود لجرائم تحرّشّ واعتداء جنسيّ على النساء لولا التجاء الناجيات إلى آليّات الحكي العلنيّ والفضح والاتّهام، ومن ثمّ إخراجه، هو والمتواطئين معه، إلى علن المساءلة، القانونيّة والاجتماعيّة. ولم تكن حملة كهذه لتبدأ وتكتسب زخما لولا مبادرة النساء بالحكي والتدوين والنقاش والنقد والمراجعة. صحيح أنّه من المفترض ألّا يقع عبء مواجهة العنف الجنسيّ على النساء (وحدهنّ)، لكن -من منظور عمليّ- ثمّة حاجة ملحّة لابتداء حراك مستمرّ ضدّ العنف الجنسي وتطوير آليّات تضع الرجال والمجتمع بأكمله أمام مسؤوليّاتهم تجاهه.
قد يكون من المبكّر تقديم تقييم كليّ لأثر حملة #MeToo وتداعياتها عربيّا وعالميّا، لكن من الواضح أنّ الحملة ساهمت بدرجة ما في أن نُمشكل على نطاق واسع طبيعة وآليّات مواجهة العنف الجنسيّ ضدّ النساء، وأن تطرح أسئلة جديدة نفسها من خلال الحوار والتفاعل مع تجارب النساء مع العنف الجنسي، ما يمثّل دافعا للبحث عن أطر مجتمعيّة وسياسيّة ومعرفيّة للإجابة على هذه الأسئلة والإشكاليّات، وهو ما سيكون له أثر ممتدّ وفعّال إذا ما استطعنا البناء عليه ومراكمته في تطوير آليّات لمواجهة العنف الجنسيّ ضدّ النساء ومعالجة الأسس البنيويّة له، ليس فقط بفضح المرتكبين للعنف الجنسي، لكن أيضا بفضح الامتيازات الّتي يستندون عليها، وبإحداث قطيعة مع التطبيع المجتمعيّ معه.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك