اليوم : الاثنين 18 ديسمبر 2017

هكذا أجابني أحد تلامذتي بالصف الثالث الابتدائي، عندما سألت عن كلمة تبدأ بحرف الباء! ألجمتني المزحة المفاجئة، واضطررت للابتسام، لكنه صمم على الإجابة بوجه جاد متسائلا، فهو لم يخطئ، والكلمة تبدأ بالفعل بحرف الباء، لكنها غير متوقعة من صبي صغير يواجه معلمته.. تاركاَ ما يختاره من في عمره من بطة أو بابا أو حتى باب!

ثم نسيت باء البيرة، عندما رأيت أخا مراهقا، ينتظر بفناء المدرسة – بحجة انتظار إخوته – وهو يضع يده في بنطاله ونظره متجه لإحدى البنات في المبنى المقابل، فنهره الفراش عندما نزلت إليه وكان اعتدل، فما كان منه سوى البجاحة!

بدأ اندهاشي يخف تدريجياً، فالمدرسة “الجميلة النظيفة” بالمنطقة العشوائية الجديدة، يعبئها دخان حرق القمامة أسفل المبنى الذي ندّرس فيه للتلاميذ بعد انتهاء يومهم الدراسي، لأنهم يجهلون القراءة والكتابة رغم وصولهم للصف الرابع والخامس وأيضاً السادس الابتدائي، لذلك قامت جمعية تنموية شاكرة بأخذ تلك الخطوة، فمن يحرق هذا الكم، لم يكترث برئة أي طفل منهم، ثم نأتي للشجار الذي لا يخلو من الطوب والعصيان، الذي تفوق عليها رد المدير عندما قال لي: “احمدي ربنا إنها مش مطاوي”، فلم أجد إلا الخرس لجهلي.. ما الرد المناسب على هذا الشخص؟!

مدارس المنطقة العشوائية لا تختلف كثيراً عن المناطق الشعبية التي نحيى بها، لكنها تتجاوزها -بقليل- في لغة التلميذ مع معلمه ومعيشة هؤلاء، ولن اتحدث عن مدرسي المدرسة تلك بالذات فهذا موال آخر، فالمشكلة في عموم المدارس أنهم يهتمون بلون جلاد الكراريس ولوحة الدرس التي ستُعلق في الفصل، عن معرفة التلميذ للقراءة والكتابة، فالوقت لازال متسعا بعد اليوم الدراسي للدروس الخصوصية، التي هي أشبه بمجموعة تتجاوز الـ 15 فرد، وليسوا خمسة فقط، ولن أنسى والدة أحد التلميذ وهي تبكي لأحد المعلمين، أنها لا تملك أربعين جنيهاً للدرس.

في المقابل لن أنسى تلك المرأة بنفس المدرسة، التي أخذت من فصلي ولدها، لأنهم يمرون بحالة وفاة، لأجد الطفل في اليوم التالي يتجول في المواصلات بكمية من القماش تزن أكثر منه، وبيده “كيس” أسود يقارب طوله.. يسأل سائقا عن الطريق بمفرده!

ثلاثة اشهر قضيناها معهم، رغم أذيتهم لنا في شوارعهم، من أجل طفل أو اثنين يتذكرون ما علمناهم إياه من سلوك، بجانب الحروف، علهم يكونوا أفضل منا.. علهم الفرصة الوحيدة التي نستطيع تقديمها لهم دون إحساس بتقصير في ممارستنا للتنظير الدائم، دون تقديم أي مساعدة لمن نقوم بالتنظير عليهم.

“مدرستي جميلة نظيفة”.. يتبعها عدة جمل حفظناها جميعاً، رغم التناقض، لكنها اختلفت عن زماننا، ولا أحد ينظر لها كمكان تربوي، بل مكان لالتقاء التاجر بزبائن جدد.

 

 

 

 

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك