اليوم : الثلاثاء 23 يناير 2018

تقف محاولة حبس دموعها، وتمسك بورقة مُدون بها رقم هاتف محمول لأحد العاملين بواحدة من القنوات الفضائية، تطلب من فرد الأمن المتواجد على البوابة الثانية لمدينة الإنتاج الإعلامي الدخول. فيطلب تصريح الدخول، ترد الخمسينية بصوت عاجز؛ لتخبره أنها لا تملك تصاريح. وتطلب فقط الدخول لمساعدة طفلها الذي يرقد في منزلها بالشرقية بين الحياة والموت. تتوسل السيدة للحضور أن يتصل أحد من هاتفه المحمول بالرقم الذي تحمله. يجيب الرجل ويتحدث إليها، قبل أن يغلق المكالمة وبعدها الهاتف. تستلزم السيدة لدموعها وتجهش بالبكاء قبل أن تغادر.
يوميًا تعج برامج التوك الشو على مُختلف القنوات الفضائية بمئات الشكاوى، ضاق المتصلون بالتعامل مع الجهات الرسمية دون حل، يحلمون بالحل عبر شاشات وأبواب مدينة الإنتاج الإعلامي. السؤال الذي يفرض نفسه، لماذا ضلت هذه الشكاوى الطرق الرسمية؟ وتحول حق المواطن الطبيعي إلى توسل لمعد برامج أو مذيع يتاجر بهمومه، أو يغلق الخط ليبلغ المُتصل أن السيسي لديه أشغال كثيرة. كما فعل “أحمد شوبير” مع متصلة طلبت مساعدة رئيس الجمهورية؛ للمساعدة في علاج نجلها مريض السرطان!
تجول الشاب “ياسين الزغبي” بدراجته بين محافظات الدلتا، في يوليو الفائت، ونقل للسيسي شكاوى المواطنين في مؤتمر الشباب بالإسكندرية. وقال موجهًا حديثه إلى السيسي: “فعلت هذا لأنه كان لازم يُسمع صوتنا. مفيش مستحيل، ولازم نوصل صوتنا ورسالتنا، والحمد الله”، ورد السيسي: “أنا بشكرك وسعيد بوجودك معايا، وإحنا مسؤولين إننا نلبى ونجاوب عن كل مطلب وصوت. توقع أن تصل برسالتك إلينا، عشان الناس تعرف إننا عاوزين نسمع بعضنا، وممكن نحل كل مشاكلنا حتى لو كانت صعبة”، ورغم ذلك لم تنتبه الدولة بكل أجهزتها إلى حلقة الوصل المفقودة بين مكاتب المسؤولين المكيّفة وبين المواطن، المُفترض أن يجد صوت المواطن المظلوم أو المحتاج سبيلا للوصول إلى حل يليق بكرامته ويبرز قدرة ورغبة الدولة في تغيير سياسة “الطناش” المعتادة والمتوارثة بين الأنظمة المختلفة.
تعاني مصر من زيادة نسبة الأمية، 25.8% من إجمالي السكان في مصر لا يجيدون القراءة والكتابة أصلًا بحسب إحصاء الجهاز المركزي للتعبئة العامة، ورغم ذلك أعلنت رئاسة الجمهورية عن تخصيص بريد إلكتروني؛ لتلقي شكاوى وطلبات المواطنين. قبل ما يزيد على عامين في مايو من عام 2015.
إتصالات المواطنين يوميًا بالبرامج الفضائية وقصة ياسين الزغبي تكشف فشل البريد الإلكتروني في الوصول لنجاح يذكر.
تغيير هذه المنظومة يحتاج إلى عدة عوامل، أهمها وجود رغبة سياسية في سماع هموم وشكاوي المواطنين. وأن يكون المواطن ورأيه واحتياجاته جزءا من صناعة القرار؛ لتفادي الفجوة بين تصريحات المسؤولين وحاجات المواطنين الفعلية. لن يفيد المواطن بناء كنيسة في العاصمة الإدارية، في حين أن سكان المنيا، وغيرهم، لا يجدون كنيسة للصلاة. لن يجدي المواطن قانونا للتأمين الصحي رغم الاختلاف عليه، والحديث عن تطبيقه يحتاج إلى عشرين عامًا، بينما تنتهك آدميته في كل مرة يذهب فيها إلى مستشفى حكومي. لن تفلح محاولة إقناع المواطن بجدوى مشروعات وزارة الإسكان ووضع لافتة “إسكان اجتماعي” في حين أن قسط الشقة يتخطى الألف جنيهًا. بعد دفع المواطن لمبلغ يزيد عن خمسين ألف جنيهًا كمقدم تعاقد، في حين أن الدولة نفسها تصر على بقاء الحد الأدنى للمرتبات عند 1200 جنيهًا. لن تفلح محاولة اللعب على صبر المواطن بدعوى انتظار ثمار الإصلاح اقتصادي، لا أحد يعرف من أين بدأ ولا كيف ينتهى ومتى تطرح هذه الثمار.
الخطاب نفسه تكرره كل الحكومات وجميع الأنظمة قبل الثورة وبعدها، “مصر في عنق الزجاجة”، “هناك مؤامرة على مصر”، لدينا شبح دائمًا يجعلنا نتحمل دون طرح الأسئلة ومحاولة حتى الفهم. يحاول تغييب الوعي وإنكار حق أهمية وصول الشكاوى والمطالب للمسؤولين. في ظل هذا كله سماع المواطن وحل مشاكله حق وفرض على الدولة بكافة أجهزتها. حق يُطلب دون خجل أو مواربة.
آلية التواصل بين المسؤولين والمواطنين -إن كانت هناك آلية- لابد أن يتم نسفها على طريقة تغيير حمامك القديم، لابد من الاعتراف بحجم الفجوة بين تصريحات المسؤولين وبين هموم وشكاوى وأحلام ممّن بقت لديهم القدرة على الحلم من المواطنين.
تملك كل وزارة خدمية عددا من القطاعات، ويوجد بكل الوزارات قطاع شكاوى وخدمات مواطنين. قطعًا تحتاج إلى إعادة تقييم وهيكلة بما يحقق الهدف المنشود من إنشائه، وبدلًا من أن تتلقى مدام عفاف الشكوى إذا نجح المواطن في الدخول إلى مبنى الوزارة أصلًا، وكتابة الشكوى ووضع طابع تنمية الموارد وطابع الشرطة. تكتفي المدام بإعطاء المواطن رقما وتبدأ رحلة “فوت علينا بكرة أو كمان شهر” بحسب قدرة كل عفاف في إقناع المواطن أنه أتم مهمته وكتب الشكوى. وبعدها يكتشف المواطن أن الشكوى لا تستحق “المشوار” ويتذكر أن “الشكوى لغير الله مذلّة” ويحاول الحل عن طريق أبواب وشاشات مدينة الإنتاج الإعلامي.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك