اليوم : السبت 18 نوفمبر 2017

في العصور القديمة، كانت لبعض العظماء مهابة وسمعة يشيد بها الناس، حيث كان هؤلاء العظماء يشتهرون بالشجاعة أو الحكمة أو العلم وكانت الأمم وقتها تفتخر بهم لاستغلالهم شهرتهم بما يرضي الله. ومع تقدم وتطور الزمن أصبح بمقدور أي إنسان إيصال صوته ورأيه إلى جميع الناس بفضل التقنية المتقدمة. حيث أصبح الكثير من الناس نجوم مجتمع في المجالات كافة؛ تأتي بهم الصدفة وهم غير جديرين بما وصلوا إليه من نجومية وأعطتهم مكانة لا يستحقونها ومنحتهم صلاحيات عجيبة رغم أنهم لا يقدمون شيئا مهما للمجتمع وهذا ما يذكرني بالمثل المصري الشهير “قيراط حظ ولا فدان شطارة”. وفوق هذا وذاك بعضهم يتمتع بغباء، تفضحه التصريحات التي يطلقونها، بين الحين والآخر، والتي جعلتهم أصحاب رأي عام وذوي شأن في المجتمع. إنها ظاهرة غير صحية لأجيالنا القادمة؛ فقد أصبح بعض الأطفال يبحثون عن المشاهير مهما كلف الأمر ويقلدونهم مهما كانت أفعالهم لا ترقى للاحترام.
تساؤل يعد الأبرز: هل ساعد المجتمع في توسيع قاعدة شهرة هؤلاء المشاهير دون أن يدركوا الضرر الذي سيحل بالأجيال القادمة؟ هذا ما سأحاول البحث عنه معكم في تلك السطور القليلة.
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مفاتيح سهلة وسريعة للوصول إلى الناس. بل تعد تلك الوسائل المنصة الإلكترونية الأكثر شهرة لتكوين ثروات طائلة في زمن قياسي. وعليه فقد تمكن العديد من الشباب ممن يمتلكون الموهبة أو ممن لا يمتلكونها ولكن ممن يتمتعون بشخصيات جذابة من تسلق سلم الشهرة والثروة. كما استطاعت المنصات المختلفة لوسائل التواصل الاجتماعي أن تكون نقطة الانطلاق لهؤلاء الشباب الذي لم ينه دراسته الجامعية بعد أو قام بترك وظيفته التي يعمل بها بعد أن حقق نجاحا على صفحات الإنترنت. فلم يعد إظهار المواهب حكرا على الطرق التقليدية حيث بات بإمكان أي شخص إنشاء قناة خاصة به على اليوتيوب YouTube ونشر رأيه عبر فيسبوك Facebook أو اختصاره على تويتر Twitter ومشاركة ما يصوره على انستجرام Instagram فضلا عن نقل تفاصيل حياته الشخصية عبر سناب شات Snapchat. وهكذا وجد معظم الشباب منفذا للوصول والتواصل والتعبير بل والشهرة الزائفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليصبحوا نجوما خلال فترة قصيرة بلا أدنى مجهود ولكن بكبسة زر لا أقل ولا أكثر.
ولكني تساءلت كثيرا عن سبب ازدهار هذه الظاهرة التي اجتاحت مجتمعنا وعن سبب الشهرة الزائفة لهؤلاء المشاهير؟ وما الذي يجعل الشباب منقادا لهم؟ وانتابتني حالة من الاستغراب لأنه مع البحث والتمحيص والتفكير كثيرا في الأمر توصلت إلى إجابة ولكنها ليست مرضية بالنسبة لي على الأقل. إذ أن الكثير من الشباب حقق شهرة واسعة ونجومية فاقت نجومية مشاهير الفن والإعلام- إذا ما قيست بعدد المتابعين الذين تصل أحيانا أعدادهم إلى مئات الآلاف بل الملايين- بسبب شخصيتهم أو الكاريزما التي يتمتعون بها. كما ترجع أيضا تلك الشهرة إلى عدم وجود قيود أو ضوابط للنجومية على مواقع التواصل الاجتماعي لأنها ترتكز على العفوية وتنوع التقنيات التكنولوجية- التي تظهر بها الصور أو مقاطع الفيديو التي تحتوي على تقديم أو تمثيل- وكلها تمتلك خاصية التعديل والتحرير عن طريق برامج مميزة ومؤثرات صوتية تسهم في تجميل ما يقدم عبرها. ثم يأتي دور جمهور شبكات التواصل الاجتماعي الذي يتمثل أولا وأخيرا في فئة الشباب التي تتابع التواصل الاجتماعي أكثر من كبار السن وبالتالي يتناقلونها بسهولة وتنتشر في أوساطهم؛ فالشباب يعيشون مع ما يقدمه أصحاب الحسابات من أجواء مختلفة ومنهم من يتأثر بهم وينجذب إليهم ويحاكي أفكارهم وتوجهاتهم كما يتأثر أصحاب الحسابات بدورهم بالجمهور من الشباب كونهم يحصدون الشهرة ويذيع صيتهم وبالتالي يصلون إلى النجومية وهو الأمر الذي أصابني بصدمة بل وبإحباط.
فالأمر لم يتوقف عند النجومية أو الشهرة الزائفة حيث تنبهت جهات كثيرة إلى التأثير المباشر لمشاهير التواصل الاجتماعي على متابعيهم، فأصبحوا يركزون عليهم ليظهروهم في حملاتهم الدعائية والإعلانية. كما أصبح بعضهم مذيعا في التليفزيون والبعض ممثلا في أعمال درامية وبعضهم تحول إلى وجوه تسويقية: فتأمل عزيزي القارئ حولك وستجد أن الكثير من الناس يحصلون حاليا على وظائف في الإذاعة والتليفزيون ليس بسبب قدراتهم المهنية في مجالهم وإنما بسبب عدد متابعيهم على وسائل التواصل الاجتماعي! كما أدعوك قارئي العزيز إلى التفكير في عدد المرات التي ينشر فيها أولئك المشاهير منشورات تذكرك بمدى بذلهم وكم هم محظوظين بالحصول على هذه الوظائف والممتلكات مقابل عملهم الشاق. بالتأكيد إذا كانوا يعملون بكد لم يكونوا ليمتلكوا الوقت الذي يخبرونك فيه بذلك!
ولكن كيف يمكن للمجتمع الاستفادة من هذه الظاهرة التي فرضت نفسها على مجتمعنا؟
يكمن الحل في الاستثمار الإيجابي لشخصيات التواصل الاجتماعي الفعالين من أصحاب القاعدة الجماهيرية بحيث يتم تبنيهم وتوعيتهم بدورهم تجاه المجتمع وحثهم على التحلي بالهوية الوطنية وبث رسائل مجتمعية هادفة. فعلى مشاهير التواصل الاجتماعي أن يكونوا ذوي تأثير إيجابي في نفوس متابعيهم- الذين يتفاعلون كثيرا مع كل ما يقدمونه من محتوى عبر حساباتهم- فيسعون لتقديم ما يسعدهم ويفيدهم وما يخدم المجتمع والوطن. وبذلك ستكون مواقع التواصل الاجتماعي مجالا خصبا لعمليات التأثير؛ فتلك المكانة التي يحظى بها صاحب الحساب ستشعره بمسئولية كبيرة وتجعله يفكر في العطاء والتميز والعمل بجد من أجل خدمة المجتمع. وهنا سيتحول مشاهير التوصل الاجتماعي إلى نماذج قيادية تستحق عن جدارة آلاف المتابعين لجودة ما يقدمونه من محتوى إيجابي مفيد ذو أثر صحي على متابيعهم فترشدهم إلى طريق الخير والوطنية والتطوع والثقافة وغيرها.
وعلى الشباب ألا يقبلوا بأي شخص ذاع صيته لأتفه المؤهلات أو من لا شيء. فلا نريد مجتمعنا الذي يلهمه الفنانون والموسيقيون وغيرهم أن يتلوث بفكرة الشهرة والثروة الزائفة التي -مع الأسف- سمحنا لها بالازدهار. فلا نريد نشر ثقافة قيراط حظ ولا فدان شطارة وإنما نتطلع إلى مجتمع مثقف وقاس في صناعته لمعايير التلقي والاستحسان والقبول، مجتمع يراجع مرارا وتكرارا النجومية. مجتمع قائم على مبدأ فدان شطارة ولا قيراط حظ

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك