اليوم : الثلاثاء 24 اكتوبر 2017

أحكي لكم قصة بطل مغمور لا يعلم قصته إلا من حاطه من الأهل أو الأصدقاء أو الجيران.
اسمه محمد، مثله مثل ملايين من المصريين، أراد له والده الرجل التربوي موجه أول اللغة العربية أن يميز اسميهما عن بعضها البعض فسماه باسم مركب يناسب العصر الذي ولد فيه فصار اسمه المركب “محمد كامل”. عفوًا، نسيت أن أذكر لكم سنة ميلاده وهي سنة 1948 وتحديدا في اليوم الأول من ديسمبر. لاحظوا سنة ميلاده جيدا!
ترتيبه بين الأبناء الرابع بعد ثلاث بنات جميلات سبقنه. تخيلوا معي ولدا بعد ثلاث بنات في هذا العصر، تراه مدلالًا ذو شخصية متفردة، يهوى اللعب مع أترابه كثيرًا ولا يهوى الجلوس بالبيت، حنونًا ومشاكسًا لوالديه -على قلبيهما كالعسل المصفى طبعًا- يتضاحك مع أخواته البنات اللاتي يكبرنه ببضعة أعوام قليلة، يضاربهن حينا ويمازحهن حينًا أخرى فيضحكن من أفعاله في الحالتين حبًا وشغفًا بأخيهما الصغير “ديك البرابر”.
رزق الله والديه بأخوات وأخوة فأكتمل النصاب عشرًا من الأبناء -خمستين في عين العدو- فصار له ست أخوات بنات وثلاثة أخوة صبيان يحكم عليهم سيطرته لاعبًا دور الأخ الأكبر القدوة في حضرة الوالد ذي الرهبة والحضور الطاغي. لكن أبى القدر إلا أن يضع أولى بصماته في هذا النسيج العائلي الجميل فتوفي الوالد بمرض اللوكيميا اللعين تاركًا أصغر أبنائه وهو لم يتم الثالثة من عمره بعد.
أشتد عود محمد الصغير فلابد أن يملأ الفراغ الذي تركه والده -رحمه الله- فتراه يحنو على أخواته البنات والأولاد ويحيط أمه المكلومة بوفاة عائلها بكل سبل الحنان فقوى ساعد الصبي مبكرا.
كبر الفتى ثم أتت النكسة التي نالت من كرامة بلده الكثير، وتأجج الغضب في صدور الشباب خصوصًا.
نما الحلم في صدر هذا الشاب. ولِمَ لا؟ هل للحق المسروق عنوةً إلا أن يعود بالقوة؟
ملامح الثأر تتمثل أمامه وتتسارع الأفكار في مخيلته. اختمرت الفكرة واستوت جيدًا في رأسه.
بعد نتيجة الثانوية العامة سارع الفتى الشاب فورا لتقديم أوراق قبوله للكليات العسكرية، قد وهبه الله جسدا رياضيا ممشوقا من جراء ممارسة الملاكمة كأبناء جيله، وأنعم الله عليه بصحة النظر فأختير في الكلية الجوية بعد الفرز المجدي المنهك الذي ينقي كل المتقدمين على الفرازة كما يقال حتى يأخذوا صفوتهم للكلية الجوية.
تفزع أخواته الكبريات وتصيب أمه الصابرة الطيبة غصة في القلب لا تعلم سببا لها لكنها لا تلويه عن رغبته كأي أم عظيمة مشجعة لابنها الأكبر. من كثرة إلحاح أخواته، ادعى في إحدى الكشوفات الطبية أن بعينه ألم لا يعلم سببه، فما إن فحصه الطبيب حتى ربت على كتفيه قائلًا “أنت سليم معافى يا بني، دعك من هذا المزاح”، فارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة فقد عمل كل ما عليه إرضاءًا للكل فارتضى له المولى أن يستمر في حلمه.
تخرج مثل بقية دفعته في أقل من ثلاث سنوات كما كان مخططا من القيادة العامة للجيش في تلك الفترة، بتكثيف التدريبات وإخراج الطيارين المؤهلين في أسرع وقت ممكن، وهناك من الدفعات تلك من أتم تعليمه في كليات الحليف السوفيتي لأن طاقة الكلية الجوية في مصر كانت قد تجاوزت الحد الأقصى. فلنتذكر جميعا أن في صبيحة يوم الخامس من يونيو الكئيب أكثر سلاح دمره العدو الغاصب هو السلاح الجوي المصري، دون اشتباك يذكر أو تكافئ فرص، فكان الطيارون هم أكثر المتضررين بسبب سوء إدارة القيادة السياسية في حينها.
واقعة أخرى ألمت بهذا الشاب اليافع، أصابته مشكلة طبية في إحدى عينيه تسلتزم تدخلا جراحيا فوريا، فرص نجاح تلك العملية ليست بالكبيرة وقد تودي بمستقبله كطيار حربي مقاتل وهو الحلم الذي سعى له بكل قوة، لكنه ارتضى البلاء ولم يتوان عن الشروع للعملية الجراحية. اعتمل الجراح مبضعه بمهارة وتكللت العملية بنجاح وعاد بطلنا بعد فترة النقاهة للتحليق بحلمه من جديد.
كان متخصصا في الطائرة المقاتلة طراز “ميج 17” ذات القدرات القتالية المحدودة، فلحليف بلده في تلك المرحلة باع طويل في الشح والتقطيرعلى حلفائه مقارنة بمنافستها الولايات المتحدة وما تجود به يداها على حليفتها الصغرى وربيبتها دولة الكيان المحتل إسرائيل. كانت الميج 17 طائرة إعتراضية ذات تسليح خفيف تحمل صواريخ خفيفة وتطير بسرعة أقل من الصوت بقليل، فكانت سرعتها القصوي 0.93 ماخ. إستعدادات نسور الجيش المصري على أشدها، الكل يغلي على نار الثأر وأحدهم هو بطلنا المجهول محمد كامل.

(طائرة ميج 17 مصرية)

وأتت اللحظة المرتقبة، عقارب الساعة تشير للثانية ظهرًا وإذا بأسراب سلاح الجو تنقض على العدو من الغرب في مشهد مهيب تصدح من وراءه شمس أكتوبر المشرقة، وتنطلق طلقات المدفعية المصرية من ورائها لتدك الأهداف في خط بارليف المنيع نظريًا والذي انهار عمليًا مع اجتياح جنود سلاح المشاة البواسل بمراكبهم المطاطية يسارعون للضفة الشرقية لإلتهام أعدائهم أبناء المأفونة هؤلاء، لا يهابون أبالسة جهنم أنفسهم.
سادت المقاتلات المصرية سماء سيناء لترد الصاع صاعين ضد من أثمت يداه ونهل من تراب سيناء أو استحل دم مصري أسير بخسة، أحكموا سيطرتهم بخطة محكمة يضربون هدفا تلو الآخر بنجاح مشهود.
من بين هؤلاء أتى الأمر للسرب 89 التابع للواء 306 بالطيران لضرب موقع دفاع جوي إسرائيلي حيوي جدا من طراز هوك وإتلاف راداراته بأي ثمن. يقع هذا الهدف الهام في جنوب سيناء في منطقة “راس نصراني” والتي تقع عند مدخل مضيق تيران الإستراتيجي بمحاذاة “جزيرة تيران” وهو العمق الحيوي المصري بإمتياز -لاريب فيه- والذي يتحكم في مدخل خليج العقبة. وبسماع الأمر الكودي “صِدام” لبدء تلك العملية الجوية في راس نصراني اندفع الأدرنالين بشدة في عروق بطلنا الطيار مقاتل محمد كامل وكّبر مع الجميع فرحًا فقد حانت لحظة الثأر. قفز برشاقة داخل مقاتلته الأثيرة الميج 17 وحلق هو وزملاؤه على مستوى منخفض واعتلوا موقع الهدف في بسالة فريدة ونجحوا في تدمير الرادارات وشل الموقع تمامًا وألتحموا في معركة غير متكافئة مع طائرة العدو من طراز الفانتوم المتقدمة تكنولوجيا، لكن، قد حان للنسور الأبطال أن تحلق أرواحهم الطاهرة من السماء الدنيا إلى الفردوس الأعلى فأسقطت طائرة الفانتوم بطلنا وأربعة من زملائه لينالوا أعلى مراتب الشرف والسؤدد، فنالوا الشهادة لتعيش مصر حرة ولنبقى نحن أعزاء كرماء، فهل بقينا على العهد؟
هذا البطل المغمور الشهيد ولد في العام 1948، هي نفس سنة نكبة قيام دولة العدو المحتلة لفلسطين!
هو البطل الذي استشهد على يد نفس ذات العدو.
هذا البطل هو خالي الملازم أول طيار محمد كامل محمد نور.
أما العدو فهو إسرائيل.
كان ومازال وسيظل العدو.
وستبقى روح أكتوبر باقية.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك