اليوم : الثلاثاء 24 اكتوبر 2017

فيلم Dunkirk للمخرج العبقري كريستوفر نولان، أحد أهم الأفلام التي أُنتجت في 2017، ومرشح بقوة لنيل حصة من جوائز الأوسكار هذا العام. حسنا، لندخل في التعليق على الفيلم (دون حرق أحداثه) لكن قبل البدء في هذا؛ من المهم أن نذكر نبذةً تاريخيةً قصيرةً عن Dunkirk أو بالفرنسية تُكتب Dunkerque، وهي مدينة تقع على ساحل فرنسا الشمالي في مواجهة القنال الإنجليزية (الدارج اسمها عندنا ببحر المانش)، المدينة شهدت أحداثًا جسيمةً في الحرب العالمية الثانية في العام 1940 أوج انتصارات الجيش النازي الألماني وسحقه لقوات التحالف “الفرنسي-البريطاني” خلال زحفها تجاه شمال فرنسا وفي طريق النازيين لإحتلال باقي أجزاء فرنسا (وهو ما تم بالفعل في وقت قصير بعد الأحداث التي دارت في الفيلم)، إنتقامًا لذكرى اتفاقية فرساي الشهيرة المذلة للألمان في نهاية الحرب العالمية الأولى في عام 1918.
في تلك المدينة تمت عملية إجلاء عظيمة للقوات البريطانية (وبعض من القوات الفرنسية أيضًا) بأمر من رئيس الوزراء البريطاني “ونستون تشرشل” لإنقاذ ماء وجه الحلفاء والحفاظ على جيوش الإمبراطورية العجوز والانسحاب لإعادة ترتيب الأوراق والدفاع عن الجزر البريطانية حتى آخر رمق!
فالفيلم يطرح قصة هزيمة مروعة لا انتصار (خاطر أتاني سويعات قليلة قبل مشاهدتي للفيلم، هل من الممكن أن تنتج مصر فيلمًا عن نكسة 1967 ويتبارى لإخراجه أحسن مخرجينا؟ الإجابة كانت سريعةً وحاضرةً في ذهني، لا طبعًا، نحن قومٌ نحب الفخر والتعظيم والفشخرة حتى ولو بتجميل الأحداث وإخفاء مساوئها. كم كنت حالمًا ساذجًا في خاطرتي هذي!)
الفيلم قد يكون للبعض مملًا، لكن من قرأ قليلًا عن الحرب العالمية الثانية سيدرك من أول سماعه لاسم الفيلم أن موضوعه جد هامٍ وسيقبل على متابعته بشغف.
الفيلم أحداثه إنسانية جدًا تغوص في المشاعر المضطربة رغم سخونة المعارك والتصوير المبدع والمؤثرات الصوتية المشوقة والتى تجعل المشاهد في حالة تركيز مقلق.
بطل الفيلم الأساسي يجسد قيمة “البقاء” حتى ولو ظهر جبانًا وانتهازيًا مخترقًا للصفوف المنسحبة بالحيلة وخفة فأرٍ لا أسد.
القصة تظهر قوة الألمان النازيين وقوة تسليحهم ومهارتهم وآلاتهم العسكرية المدمرة بل وإتقان تخطيطهم وضربهم للأهداف تباعًا. برًا وجوًا وبحرًا كما ركز عليه المخرج!
والأكثر إبداعًا أنه لم يظهر حتى جنديًا ألمانيًا واحدًا في أي مشهد، بل ترى طلقاتهم تأتي من كل صوب وبدقة مشهودة، تراقب طائراتهم المقاتلة ومناوراتها القاتلة، فابتعد المخرج تمامًا عن عبث الـ stereotype المملة عن الألمان في الأفلام المشابهة.
طبعًا- لأن المخرج إنجليزيٌّ فقد أظهر بعض بطولات بريطانية صغيرة في طيات الأحداث كما أظهر ملمحًا للعجرفة البريطانية المعهودة، لكن الخط العريض الأوضح في الفيلم هو قوة وجاهزية الألمان وضعف الحلفاء دون تنميق!
الجنود البريطانيون الناجون كانوا يشعرون بالخزي وتوقعوا استقبالًا سيئًا من أهاليهم حين عودتهم للوطن، حتى أن منهم من توقع أن يبصق عليه المواطنون حين رؤيتهم له في شوارع بلده!
وهذه النقطة في اعتقادي هي الهدف الخفي من عمل هذا الفيلم، لأنها حقيقة، وهو أن Dunkirk رغم أنها تجسد هزيمة مخزية، إلا أنها ولدت روحًا وعزيمةً ولّدتا بعدها روح الانتصار في نهاية الحرب (بغض النظر عن دخول الولايات المتحدة ساحة الحرب بعد واقعة بيرل هاربر والتي كانت النقطة الفارقة في تلك الحرب الكونية) فحالة الصمود الشعبية وواقعية ودهاء القيادة السياسية للمعركة هي من جنبت سقوط الجزر البريطانية في يد هتلر وهي من جعلت هتلر يفكر شرقًا لا غربًا وخاض في مغامرته السوڤيتية التي أهلكته هو وجنده. وكأنه لم يتعلم من التاريخ وما آل إليه نابليون بونابرت في غزوه لروسيا القيصرية!


خلاصة الفيلم، أن من رحم الهزيمة يولد النصر، المهم أن تبقى مؤمنًا بالنصر والعمل بجديةٍ لتناله بواقعية، وليس هناك أوقع من بيان تشرشل نفسه عن الموقعة حين بين في خطابه للرأي العام أن “النصر لا يتم بالانسحاب” والتي أعقبها بجملته الشهيرة “لن نستسلم أبدًا”
لابد أيضًا أن أبدي إعجابي بالموسيقى البديعة للرائع “الألماني” هانز زيمر التي صاحبت المشاهد صعودًا وهبوطًا حتى حاكت الآلات النحاسية صوت مناورات الطائرات بإبداع.
الفيلم رائع ويستحق المشاهدة، وبالذات لمحبي التاريخ أو لمستقرئي الحاضر.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك