اليوم : الاثنين 29 مايو 2017

يحاور هادي زكاك التاريخ اللبناني، ويناوره، فيأتيه من أبواب عدّة. تارة عبر وقائعه وأحداثه، وأخرى من خلال شخصياته، وطوراً بتناول فاعلياته السياسية، وحوامله الاجتماعية، التي ساهمت بمجموعها في تكوين موشوره المتعدد القراءات، إلى حدّ التناقض. يقف المخرج الباحث أمام التاريخ اللبناني، لا من أجل استعادته، ولا التغنّي بأمجاده، أو الوقوف على أطلاله، بل يشرع الفيلم الوثائقي أداةً يتولى بكاميرته مهمة التشريح، طريقاً المعرفة، يقرأ الماضي ويده على الراهن وعقله يتطلّع إلى المستقبل.

يتلازم الفيلم الوثائقي لدى هادي زكاك مع التاريخ. كأنما وُجد هذا من أجل ذاك، أو أوقفه عليه؛ تفكيكه، وتحليله، ودرسه، وفهمه. يعيد تشكيله، وتخليقه، مدركاً قدرة الصورة على القول والنفاذ إلى الجوهر، في شكل حاذق. فعلى رغم الدور الوظيفي الذي يمارسه الفيلم الوثائقي، بين يدي زكاك، إلا أنه لا يُفلت العامل الفني الجمالي، بمختلف تعبيراته الواقعية والدلالية، ولا يتردد في الذهاب إلى حدّ كسر الحاجز ما بين الوثائقي والروائي، مجسّداً فكرة أثيرة مفادها أن الإيغال هنا (الوثائقي)، يؤدي بك إلى هناك (الروائي)، في مزج بديع، يجعل من التاريخ حاضراً راهناً، ومن الفيلم الوثيقة كائناً ينبض بالحياة، في رؤية مستقبلية.

وهادي زكاك المولود في العام 1974، تماماً على بوابة الحرب الأهلية اللبنانية، التي ستعلن عن نفسها في العام 1975، وتتمطّى بالموت والدمار على مدى قرابة عقدين تاليين، في طول البلاد وعرضها، سوف تكون (الحرب) المناخ والبيئة التي ترعرع فيها، وعاشها طفلاً ويافعاً وشاباً، مما سيجعلها بمقدماتها وخلفياتها ومرجعياتها وآثارها وتداعياتها، وكذلك الفاعلين فيها، الموضوع الحاضر في أفلامه دائماً، منذ أن تخرّج في العام 1997، من «جامعة القديس يوسف»، وعبر أفلامه الوثائقية جميعها، التي تتالت منذ العام 1999، بوصفها توقيعات مخرج، صاحب رؤية سينمائية، ومشروع معرفي، وموقف تقدّمي.

لا يحترف هادي زكاك صناعة الفيلم الوثائقي فقط، بل يذهب به إلى مستويات قلّ أن نعهدها لدى أقرانه من جيل سينمائي عربي، أتى مع مطالع القرن الحادي والعشرين، فأربكت بعضه التقنيات بسهولتها ويُسرها، وتاهت ببعضه الآخر اشتراطات المحطات التلفزيونية، ونماذجها الوثائقية، التي بقي الكثير منها يدور عند حافة التقرير، المتكئ على كثير من الصوت بالكلام والتعليق والشرح والتفسير، وقليل من مهارة خلق الصورة. المخرج هادي زكاك، وبتعاون بديع مع مديرة التصوير موريال أبوالروس، يشكلان ثنائياً نادراً، يعرف كيف يخلق نكهة السينما من أدقّ التفاصيل.

صحيح أن الدراسة الأكاديمية، وورش العمل المتعددة، أثمرت. ولكن ما كان لهذه الثمار أن تكون على هذا القدر من التميّز لولا أن زكاك صاحب رؤية ومشروع. باحث يعمل في دأب وطول صبر وأناة. فنان أصيل الموهبة. إنسان يتميز على المستوى الشخصي بتكوينه الهادئ. عين ثاقبة النظر، وإذن محترفة الاستماع. تأمّل طويل فيما يرى ويسمع، وانفتاح على تقلّبات الفكرة، ونسبية الحقيقة، وتعدّد الروايات، وكثرة الاحتمالات، وتدحرج الوقائع.

في منتصف المسافة ما بين الفيلم الأول، والفيلم الأحدث في مسيرته السينمائية، يتوقف هادي زكاك مع وثائقي جاء بعنوان «درس في التاريخ» (2009)، ليثير سؤال: كيف يمكن كتابة التاريخ في بلد يفتقد للحدّ الأدنى من التوافق ما بين مكوّناته، التي تتفارق في رؤاها إلى حدّ من الصعب العثور على القليل من المُشتركات فيما بينها، ليس على صعيد الراهن فقط، بل التاريخ نفسه، بما فيه من أحداث وشخصيات؟…

نستعيد هذا ونحن على بوابة فيلمه الوثائقي الأحدث «كمال جنبلاط.. الشاهد والشهادة» (95 دقيقة، 2105). هذا الفيلم الذي تتكثف فيه خلاصة تجربة زكاك الفنية والجمالية، ممزوجة برؤيته الفكرية الثقافية وانحيازه السياسي، وغاياته النابعة من هواجس شخصية خاصة، تتعلق بمصير بلد وشعب، تبدأ بالفرد ولا تنتهي عنده. وما يثيره ذلك كله من تحديات على أصعد عدة، بدءاً من المشكلة الفنية المتمثلة عادة، وفي أفلام من هذا الطراز، بالبناء السردي التقليدي، والانصياع لتاريخ الشخصية، ووقائع حياتها، مروراً بمهمة النجاة من المغبة التي تقع فيها غالبية الوثائقيات العربية، التي تتناول السيرة الذاتية لشخصية سياسية أم ثقافية أم اجتماعية، وأبرزها الوقوع في مطبّ الاشتغال على تنقية الشخصية، وتطهيرها من كل خطل أو زلل.

يصلح الاستهلال السينمائي الباذخ الذي يعيد تمثيل مشهد اغتيال كمال جنبلاط، مطلع الفيلم، نموذجاً ممتازاً لقدرة الفيلم الوثائقي على إعادة خلق اللحظة، واستعادة سياقها، إلى درجة مدهشة. يبدأ الفيلم من هذه الذروة الدرامية الحقيقية، منسوجة بأدق التفاصيل، والمعلومات الدالة، بأداء باهر على مستوى الإخراج، بما فيه من التصوير والمونتاج، وإدراك اللحظة المناسبة للتوقف، والانتقال ما بين لحظة الموت الداهمة، وفكرة الحياة الباقية، بتناغم ما بين شريطي الصوت والصورة، عند إدخال صوت كمال جنبلاط يتحدث في مناجاة (مولاي)، عن مستويين من الزمان (الربيع)، في الحياة المؤقتة. ربيع يمضي مع الفصول. ربيع لا تبصره العيون، ولا تغمض عنه جفون العقل، ولا تغرب فيه شمس الأزل، و«وليست روحي سوى زهرة، تفتقت من التراب في مسيرة ربيع أقدامك»، لينتهي إلى إيمانه بأن «الموت وهمٌ. وهمٌ يتحقق في حالة من اليقظة. في الواقع لم يكن هناك بداية أو نهاية».

التضاد ما بين مكونات المشهد البصرية، لحظة العزم على اغتيال كمال جنبلاط، في طريق معزولة وفارغة إلا من «الطريدة» التي سيكونها جنبلاط، و«سيارة مطاردة» تقلّ قتلةً، من جهة، والاقتباسات من أقوال «الشاهد» التي هي بعض من جوهر أفكاره وعقيدته وفلسفته في الحياة والموت، من جهة مقابلة، تفتح الباب أمام سياق تضادات، مُعلنة أو مُضمرة، تكاد تشمل الفيلم كله، منعكسة على سيرة كمال جنبلاط، وتجربته السياسية والفكرية والثقافية والروحية والاجتماعية، وتوازي سيرة لبنان عبر قرنين مضيا على الأقل منذ أيام فخر الدين المعنيّ، ما بين النزوع نحو الاستقلال وبناء القوة، والانكسار أمام الواقع الذي لم يأبه بكل تلك الأحلام والطموحات.

كمال جنبلاط (1917 – 1977)، الاشتراكي الذي حمل في تضادّ لقب «سيد القصر»، سوف يكون حاضراً في الفيلم بصوته، وكتاباته، وآثاره، ليست التي يكشف عنها ويدلّ عليها الابن (وليد جنبلاط)، فقط، بل في كثير مما أمكن للباحث أن يصل إليه في حوارات إذاعية، وصور، وأوراق، وأماكن تمتد من لبنان إلى الهند… واستخدامها في تأكيد مضاعف ثلاث مرات، أولها بالصوت المُسجّل أو الشخص المتحدث، وثانيها بالصورة الحية أو الأرشيفية، وثالثها بالكتابة (الغرافيك)، مما أدى إلى تعدّد أدوات السرد، ومستوياته في الفيلم، متمثلة في صوت كمال جنبلاط نفسه، وصوتٍ ينطق باسمه، وكتابةٍ على الشاشة، والحديث عنه من خلال حوارات ولقاءات وشهادات وتصريحات لشخصيات ذات علاقة ما بتفصيل، أو تجربة، أو موقف، أو واقعة.

يفيض كمال جنبلاط في الواقع، كما في وثائقي هادي زكاك، عن كونه رجلاً ذا صفة معينة أو محددة. إنه رجل موشور، متعدد الصفات. متعدد الوجوه. متعدد القراءات. مدينةٌ يمكن أن تأتيها من أبوابها السبعة (وربما أكثر)، ولعل هذا ما أغرى هادي زكاك للعمل على هذه الشخصية، والانتهاء إلى هذا الفيلم، الذي ينكشف عن غنىً بحثي واستقصائي، وتنقيب عن كل ما ينبغي رصفه في فيسفساء اللوحة العامة، التي تحاول لملمة تفاصيل سيرة، يمكن لها أن تكون درساً مستفاداً للأجيال المُقبلة، تتوفر على عظة من الأمس، لعلها تنفع للحاضر والمستقبل المؤسيين.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك