اليوم : الأربعاء 22 فبراير 2017


في ليالي وحدتي الطويلة أذهب لغرفة أمي قبل النوم، أحدثها عن أشياء عشوائية رغبة في الشعور بالدفء والونس والمشاركة. أمي التي هي جمهوري الوحيد في الليالي الموحشة لا تعلم أنني لا يضايقني انشغالها عما أقوله ونظراتها المختلسة للتلفاز، لأن ما أقوله قطعًا أقل تشويقًا من المسلسل، لكنني أتحجج بإهمالها لما أقوله وأذهب للنوم.. أنا أفهم يا ماما أن الأدب الياباني ليس شيقًا لهذا الحد، وأن شرحي للأجرام السماوية ليس على مستوى الحدث.. وأنا أشكر لكِ أن تسمعيني بنصف أذن فهناك من يقطع أذنه حتى لا يسمع حديثي.
في ليلة دافئة بمنزلي جلست أحدث أمي عن حياة مي زيادة. تعجبت من حماسها للأمر، وباغتتني بسؤال من هي مي زيادة؟ تعجبت من السؤال وقصصت عليها ما أعرفه عنها، وانبهرت أن بعد كل تلك السنوات حظيت باستماعها لي، لتوضح لي أن سؤالها ينطوي على سر خطير أرادت دومًا معرفته، فتحكي أمي أنها وجدت بأوراق أبيها خطابات لسيدة تدعى مي.. تبدأ دائمًا بـ عزيزتي مي.
أتعجب أن يكون جدي متيمًا سريًا بتلك المرأة التي فتنت عقول الرجال في عصرها، فما أعرفه أنه كان شديد الحب لجدتي، فأفكر في مي أخرى كتب لها جدي خطابات، فلربما كانت مي طفلة بعائلتنا أو شخصية تخيلية، لكن معرفتي بجدي وعشقه للأدب تؤكد لي أن تلك الخطابات كتبت لمي زيادة.. كنت أتمنى أن أجد خطابات جدي وأعرف ما بها، لكن تلك الخطابات ذهبت مع البيت القديم ككل شئ آخر. فقررت أن أتخيله وهو يكتب لها خطابات لم تصل.. هل عرف جدي كم كانت مي وحيدة؟ هل تمنى أن تقرأ خطاباته؟ ترى ماذا كتب لها وعن ماذا تحدث؟ هل كان يشكو لها أم يدعوها للشكوى؟

كنت أظن أني أشبه جدي في حبه للغة العربية والأدب العربي فقط، لكن الحياة تفاجئني أنني أشبهه أكثر، فأنا يا جدي مثلك أكتب خطابات لأناس لا يقرأوها غالبًا، لكنني أشكو لهم كراهيتي للحياة. أخبرني صديقي ذات مرة أنني مريضة بمرض المبالغة وكأنني أملك مضخمًا للمشاعر، فأجعل ألم قدمي البسيط وكأنه مرض يقعدني عن السير للأبد.
جدي العزيز، رغم صورتك المعلقة بغرفة أمي لك وأنت بكامل هندامك ببذلة وصديري ورابطة عنق، فأنا صرت متأكدة أنك تملك خيالًا واسعًا ظل حبيس الأوراق، لم يخرج للنور، ولم يعرف أحدهم أنك تملكه. أنا مثلك يا جدي أتحلى بالوقار في محاولة مني لإخفاء خيالاتي الجامحة. أكتب أفضل مما أتكلم، لكنني أكثر حظًا فهناك من يقرأ كلامي، وابنتك التي هي أمي لا تقرأه، بل أخبرها ونحن نتناول فطورنا في الصباح أن مقالة هذا الأسبوع عنها أو عن أبي أو عنك، فلا تهتم بقراءتها وتنهرني لأنني أخرج أسرار العائلة.
بالطبع ستخبرك أمي بالأمر ربما في حلم أو خاطرة، وتعتذر لك عن بنتها عديمة الرباية التي تنشر أسرارك على الإنترنت، لكنك يا جدي لابد أنك أدركت أن الأعوام تجعل الأسرار هباءًا. بالطبع أنت تتساءل عن كنه كلمة الإنترنت. هذا موضوع كبير سأخبرك عنه لاحقًا في خطاب آخر. لكنني أريد منك جل التعاطف والتأييد، فحفيدتك بائسة، تكتب خطابًا لجدها الذي لن يقرأه، وتتحدث فيه عن خطاب كتبه لمي التي لم تقرأه بدورها.. وقبل أن تشي أمي بي يا جدي، فأنا  مازلت لا أجيد كل قواعد اللغة، وأشعر بالخزي منك، لكن ما قد يغفر لي هو شرف المحاولة. أما أنتِ يا عزيزتي مي صاحبة عنوان المقالة، فلقد صار الخطاب عائليًا بشدة، لكن أعدك بخطابات خصيصًا لكِ، فلدينا الكثير لنحكيه عن الوحدة والسفر ومحاولات الونس التي لا تسمن من جوع.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك