اليوم : الأربعاء 26 يوليو 2017


بمجرد الإعلان عن اغتيال السفير الروسي أندريه كارلوف في تركيا، سارعت وسائل الإعلام المصرية بممارسة عاداتها “السرية” اللئيمة التي تحط من قدر الصحافة والإعلام في مصر، وتحوِّل المصريين إلى قطيع شارد. المسألة هنا لا تتعلق إطلاقا بتنوع الآراء أو الاختلاف، لأنه من المفترض أصلا أن تكون هناك آراء لكي يتم الاختلاف عليها، أو النظر إليها بتنوع.

كل ما في الأمر أن وسائل الإعلام المصرية بدأت بالهري والتخبيص وبدأت بإطلاق الاتهامات جزافا وبعشوائية يتميز بها الإعلام المصري المثير للإشفاق. ويساعد على ذلك وجود ضوء أخضر من الأوساط السياسية والأمنية التي تبحث دوما عن غطاءات لإخفاء الكثير من الفشل والإخفاق.

لقد أظهر العديد من “المحللين السياسيين” ووسائل الإعلام زعلا شديدا وغضبا عارما بشأن اغتيال السفير الروسي. لكن كل ذلك كان مقترنا بتوجيه اتهامات إلى تركيا، واتهامها بالتسيب الأمني، وربما بالمشاركة في عملية الاغتيال، وإدانتها على “دعم الإرهاب!”، والشماتة الغريبة وغير الإنسانية. وعلى جانب آخر، ظهرت نفس الدرجة من الشماتة في قتل السفير الروسي نفسه لدى أوساط وجماعات وقطعان أخرى.

وبعد قليل فوجئ “المحللون” ووسائل الإعلام برد الفعل الروسي الهادئ، لدرجة أن الكثيرين في الأوساط الإعلامية، وبين نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، أعلنوا غضبهم بالمرة على بوتين والكرملين وروسيا والروس، وكأن وسائل الإعلام المصرية ومحلليها السياسيين الجبابرة منوط بهم حماية روسيا وإظهار الغضب نيابة عنها. بل وانتقاد روسيا لأنها لا تغضب ولا تناي بالثأر والانتقام وكل تلك الألفاظ والمصطلحات الصبيانية القاسية التي تعكس نمطا من أنماط التربية والوعي المنحطين.

فهل كان البعض يريد أن يدلي بوتين بتصريحات عنترية على شاكلة تصريحات الزعماء والقادة العرب الفارغة أصلا من المضامين، ومن الفعل أيضا؟! هل كانوا يريدون أن يخرج بوتين ليهدد ويتوعد بالثأر والدمار والقتل والصلب وادعاء البطولات الزائفة؟! أم إنهم كانوا ينتظرون البكاء واللطم والندب والتعديد؟! أم أن ذلك كان من أجل التغطية على كارثة طائرة الركاب الروسية التي تم تفجيرها في أجوائنا المصرية وعلى متنها ٢٢٤ شخصا، راحوا جميعا ضحية عمل إرهابي خسيس؟!

في الحقيقة، بوتين لم يفعل لا هذا ولا ذاك. واجتمع الرجل مع قادة أجهزته الأمنية الداخلية والخارجية، وأوعز بضرورة “العثور على من يقف خلف هذه العملية”، ودعا إلى ضرورة تعزيز جبهة مكافحة الإرهاب، ووضع النقاط على الحروف بشأن العلاقات الروسية – التركية. وبصرف النظر عن الاختلاف أو الاتفاق مع سياسات بوتين إزاء سوريا، فموقفه واضح وهادئ وليس به أي انفعالات قد تفسد الأمور أو تحط من قيمته كرئيس لدولة كبري، أو تفرِّغ القضية الأساسية من مضمونها.

الكلام أعلاه يشير إلى أن هناك منهجا تافها ومضرا يقود الإعلام المصري والعديد من “المحللين الشرعيين أو السياسيين” للحط ليس فقط من قدر وسائل الإعلام المصرية وقدر المهنة بحد ذاتها، بل والحط من قيمة الإنسان المصري، وتشويه وعيه، وتضليله إلى أبد الآبدين.

نعم، هناك جريمة، إرهابية كانت أو جنائية. ولكن ما دخل الشماتة هناك، سواء بتركيا أو بروسيا؟! الأمر، في الحقيقة، أكبر وأعمق وأبعد من تلك الجريمة التي رأينا تفاصيلها على الهواء مباشرة. إنها جريمة سياسية من العيار الثقيل. وإضافة إلى ذلك، فقد تم تنفيذ العملية بعد ساعات من توصل مجلس الأمن الدولي، وبالإجماع، إلى نشر مراقبين دوليين في حلب، وقبل ساعات من لقاء ثلاثي يضم وزراء خارجية روسيا وتركيا وإيران في موسكو لبحث الوضع في حلب.

هذا الاغتيال السياسي جرى على خلفية مشاكل داخلية تركية تتعلق بتوجهات الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الإسلامي المحافظ “العدالة والتنمية”، وبغضب في أوساط الأجهزة الأمنية التي تم تسريح عشرات الآلاف من عناصرها، وبعدم رضاء من حلفاء تركيا الإقليميين بشأن تقارب أنقرة مع موسكو والتنسيق في سوريا عموما، وفي حلب على وجه الخصوص، وأيضا بعدم رضاء من الولايات المتحدة وحلف الناتو (الذي يضم الدول الأوروبية وتركيا أيضا، وتقوده واشنطن) بشأن تقارب تركيا مع روسيا. وهناك عشرات المؤشرات الأخرى التي تسمح لنا بالتأكيد على أن هذا الاغتيال السياسي يهدف إلى تحقيق أكبر قدر من النتائج العكسية على روسيا بمفردها، وعلى تركيا بمفردها، وعلى علاقات الدولتين ببعضهما.

هناك أيضا مستفيدون آخرون، على رأسهم إيران التي تشعر بالتهميش في سوريا، وتقع تحت طائلة العقوبات الغربية والحصار الخليجي. وقد كان من نتائج هذا الاغتيال السياسي أنه بدلا من عقد لقاء ثلاثي بين وزراء خارجية روسيا وتركيا وإيران في موسكو، تم تغيير الصيغة ليلتقي وزراء خارجية ودفاع الدول الثلاث، ما يعني أنه تم توسيع أجندة اللقاء من حلب إلى الإرهاب، وكيفية العمل والتنسيق بين الدول الثلاث على مواجهته. أي أن إيران وجدت لنفسها مكانا مريحا في شكل من أشكال التحالف المؤقت، وليس الحلف السياسي – الأمني – العسكري كما يحاول البعض أن يتصور. وعموما فمن السابق لأوانه الحديث عن أي أحلاف تجمع بين روسيا وتركيا وإيران لأسباب كثيرة. وما يحدث هو مجرد تحالف تكتيكي قصير للغاية لتحقيق أهداف تحتاج إليها الدول الثلاث، ويحتاج إليها قادة هذه الدول الذين ربطوا مصيرهم بمصير بشار الأسد شخصيا على الرغم من الخلاف بين موسكو وأنقرة وطهران على مستقبل الأسد.

ولا شك أن بشار الأسد من أكبر المستفيدين من عملية الاغتيال، لأنها تمنحه ورقة استثنائية لبذل المزيد من الضغط على روسيا، وتوسيع دور إيران في سوريا، وبطولات إعلامية في توجيه الاتهامات ليس فقط لدول الخليج والمعارضة، بل وأيضا إلى كل من لا يقفون معه في خندق واحد.

لقد تلقى أردوغان رسائل وضربات واضحة ومفهومة ومباشرة من جميع الأطراف، بما فيهم حلفائه الإقليميين، وحلفائه الدوليين، وحلفائه في حلف الناتو. بل وانضمت تركيا الأردوغانية إلى “نادي الدول الذي يضم العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا ومصر واليمن”، مع بعض الاختلاف في التفاصيل. ولا شك أن روسيا تستثمر كل الأوراق الممكنة لإحداث شرخ في علاقات تركيا بكل حلفائها من أجل الاستفادة من مواقفها وطاقاتها، سواء في سوريا أو في ملفات ومجالات أخرى على رأسها الملف الأوكراني، وفي مجال الطاقة وطرق نقلها.

المشهد معقد للغاية، ويستوجب الهدوء والدقة والتأني من أجل التعامل معه وفهمه والاستفادة منه ومن تداعياته وتحولاته، ولا يستدعي إطلاقا، ممارسة “العادة السرية” المصرية السيئة بتفريغ الأمور من مضامينها وتسطيحها من أجل أهداف قصيرة النظر تحط من قيمة مصر والمصريين، سواء كانوا مع الأسد أو ضه، وسواء كانوا مع أردوغان أو ضده، وسواء كانوا مع روسيا أو ضدها. وهذا أيضا يخص المواقف المختلفة من دول الخليج وسياساتها، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وسياساتهما.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك