اليوم : الأربعاء 20 سبتمبر 2017

لم ولن ننسى تلك الذكريات بحلوها ومرها. كنا أطفالا نستكشف قوانين الحياة ونفتقد كل الخبرات التي امتلكناها لاحقا. لم نتلق تطعيمات في مواجهة سموم الحياة مثلما نملك الآن من مناعات.
للمدارس حسنات كثيرة، أستطيع أن أعدد منها تكوين صداقات العمر، تعلم اللغات العربية والأجنبية، تكوين نواة للشخصية ولخبرات الحياة.

ولكن على الجانب الآخر فعيوبها تفوق مميزاتها.
فبداخلها تبادلنا ثقافات وأفكارا تحوي سموما، وكأنها حقائق مسلم بها.
بداخلها فقدنا وطنيتنا عندما تعلمنا تدريجيا أننا وطنان أو كيانان، في كل مرة كان يقول مدرس الدين فيها “هما” و”إحنا”. ونمينا بداخلنا تلك العنصرية تدريجيا بدءا من الابتدائية وحتى الثانوية.

بداخلها تعلمنا أننا كأولاد كيان يختلف تماما عن البنات عندما تجمعنا سويا كأولاد وأخذنا في النميمة عن الجنس الآخر، كما فعل الجنس الآخر أيضا. وأيضا استعملنا لفظ “إحنا” و”هما”
تعلمنا ثقافات جنسية خاطئة تحوي في طياتها احتقارا للجنس الآخر
تناقلنا ثقافات مسمومة عن مفهوم الرجولة وكيف أن الرجولة تقاس بمقدار الفحولة وبمقدار الأفلام الجنسية التي تشاهدها. وكيف أنك كرجل يجب عليك أن تكون شجاعا وخفيف الظل في جعل مدرسك أو مدرستك أضحوكة أمام زملائك، أو في كيفية التفنن في السخرية منهم وإهانة كرامتهم فقط من أجل أن نستمتع بأوقاتنا التي تمر ببطء.
وأيضا كيف أن الرجولة تقاس بعدد السجائر التي تشربها في اليوم. وكيف أن العصبية هي من أهم الصفات الرجولية.

أخذنا بها أولى الخطوات في طريق تعلم الأنانية، كنتيجة طبيعية في مواجهة أنانية زملائنا، تعلمنا أولى مفاهيم البلطجة ونمينا غرائزنا الحيوانية بالتملك والسلطة بها.

تعلمنا بها النكات التافهة والسخرية من الآخرين. وتعلمنا بها النميمة وأولى مباديء “الفهلوة”.

نعم، ما يتعلمه الصغار في المدارس في كل بقاع العالم قد يقترب إلى حد ما من بعضه. قد استثني فقط ثقافات العنصرية التي لا يتعلمونها بالخارج، إذ أنهم يربون على وطنيتهم منذ الصغر. واستثني أيضا الثقافات الجنسية والتي يتعلمونها بالخارج في هيئة مواد علمية تدرس بطريقة صحيحة. وأيضا استثني ثقافات احتقار الجنس الآخر وتجنبه.

لكن بالخارج حتى الأشياء السلبية التي يتعلمونها كما لدينا، يكبرون ليجدونها صفات ترفضها قيم المجتمع. فتسقط عنهم مع الوقت من أجل أن يجدوا القبول من مجتمعهم.
أما في بلادنا الشرقية، فبعد أن ننمي كل تلك الصفات السلبية في مدارسنا، يجد الشخص نفسه مطالبا بأن ينمي تلك الصفات أكثر من أجل أن يستطيع الحياة في مجتمع يتبنى نفس ثقافات الأطفال في المدارس.

في مجتمع عقله لم يتخط مراهقته الفكرية بكل ما تحويه من غباء وأنانية وضيق أفق. فتتحول الصفات السلبية من نبتة صبار صغيرة لدى الطالب في فصله إلى شجرة شوك كبيرة لدى المواطن.
كما أن الناتج العلمي بالخارج قوي، أما لدينا فهو صفر. فأكاد اجزم أنني وزملائي لم نتعلم مردودا علميا عمليا واحدا بحياتنا قابل للتطبيق إلا تعلمنا لأساسيات اللغات. وكل ما يتعلمه الفرد عن العلم هو نتاج التثقف وليس التعلم.

حقا لقد أضعت الكثير من عمري في محاولة نسيان ما تعلمته بالمدارس وما تربينا عليه سويا كزملاء. أضعت كثيرا من عمري في محاولة نسيان ما ضاع بالفعل من عمري كطالب.

نعم المدارس هي أهم كيان تمتلكه الأوطان إذا كانت عملية التربية والتعليم تتم بطريقة صحيحة. أما لو كان التعليم عبثيا والتربية نتعلمها بالمعكوس. فإن أخطارها أكبر بكثير من فوائدها.
نعم التعليم هو أهم سلاح لدى الأوطان. ولكن إذا كان ذلك هو محتوى ما يتعلمه أطفالنا ليكبروا ويصبحوا هم المجتمع بفساده، والذي يعود لينمي تلك القيم والثقافات السلبية في جيل جديد صاعد في دورة موجبة لا نهاية لها. فإذًا إما أن تغلقوا المدارس تماما. أو تغيروا من العملية التربوية والتعليمية وتغيروا من عقولكم وثقافاتكم كمجتمع. تماما. حتى نكسر تلك الدائرة.

فمجتمعنا بكل عيوبه ما هو إلا مرآة كبرى لفصل دراسي جاهل ومشاغب في مرحلة الإعدادية.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك