اليوم : الثلاثاء 24 اكتوبر 2017

كَرِهوا بعضهم باسم الحب وأَحَبوا بعضهم في الكره، تجمَّعوا في نقاطهم المشتركة فغابت الصورة الكاملة، واستحلُّوا المختلف عنهم فاستحلَّهم من شابههم.

عاشوا لأنفسهم فذبحتهم أنانية الغير، تدخَّلوا في شئون غيرهم فتسلَّط عليهم آخر، وأطلقوا العَنان لغرائزهم ففقدوا إنسانيتهم.
جَبنوا وخَنَعوا وجَهِلوا وأفتوا وتهافتوا وكابروا، تعصَّبوا وتحزَّبوا وسَخَروا ونمُّوا وحَقَدوا ونافقوا، أدانوا وأهانوا وجَرَحوا واضطهدوا وتحرَّشوا وفاسدوا.
لم تنضج عقولهم رغم نمو أجسادهم ففَرُّوا من حجم الواقع، عَمْوا عن الباطن فحكموا بالظاهر، ضيّقوا آفاقهم فضاقت بهم، وعاندوا فعاندتهم الحياة.
صَمُّوا آذانهم عن صوت المنطق فحاروا، أغلقوا أعينهم أمام ضوء الحق فتاهوا، وفَضَّلوا الحَدس عن العلم فَضَلُّوا.
لم يفكروا، بل تمثَّلوا بفكر من سبقهم ومن عيَّنوهم سفراء ليفكروا عنهم، فغُسِلَت أدمغتهم بيقين من مستحيل وتَشَكُّك في مستطاع،
وشُوِّهَت بصيرتهم فاستبدلوا طريق الحقيقة بآخر نحو سراب،
ساروا مع التيَّار فطَرَحوا تَفَرُّدهم الفكري بعيدًا ليُشَكِّلوا عقولهم في قوالب نمطية للقبول، فتناسخوا أفكارهم بعضها ببعض وأصبحوا خرافًا متطابقة تمشي في قطيع تائه يقوده عميانٌ، مباشرة نحو الهاوية.
هذا المجتمع وقد وُجِدَ لنتمرد عليه، وقد سَئِمْنا منه وسَئِمَ مننا، هذا المجتمع ودائرة شرُّه المُفرَغة المُفزِعة تبدأ منا وتنتهي عندنا، هذا المجتمع هو -في الحقيقة- نحن، وأخطاؤنا هي أخطاؤه وأخطاؤه هي أخطاؤنا.
فلنتمرَّد عليه إذا بأن نتمرَّد على أنفسنا، بقَدْر ذكائنا المُهدَر،
ولنتمرد على أخطائه بأن نتمرَّد على أخطائنا، بقَدْر غبائنا المُبهِر.
فلنتمرَّد على كراهيتنا وتحزُّبنا ورفضنا للمختلف وأنانيتنا وقسوتنا، ونستبدلهم بالمحبة والتوحُّد والقبول والإيثار والعطف، ولنتمرَّد على مراهقتنا فنَنضُج، وعلى نرجسيتنا فنتواضع، وعلى جبننا فنَتَشجَّع، وعلى جمودنا فنفكر، وعلى جهلنا فنسأل، وعلى مكابرتنا فنسمع.
فلنتمرَّد على غرائزنا الحيوانية ونُخضِعها لمِعيار الإنسانية، وعلي أحداسنا المُضَلِّلة ونُخضِعها لمِقياس العلم، وعلى عاداتنا العقيمة وتقاليدنا البالية ومفاهيمنا الخاطئة، وما تناقلناه لأجيال من تراثنا الثقافي والديني، وعلى تبعية من صنعناهم سفراء للفكر، ونُخضِعهم لغِربال العقل، ولنتمرد على قولبة التيَّار لأفكارنا، وعلى قلقنا من الاختلاف والرفض ومن التهديد والترهيب، فنَحيا حلاوة تَفرُّدنا، ونذوق لَذَّة الانتصار على مخاوفنا.
فلنتمرَّد على أخطائنا فإن ما يجعل المرء إنسانًا ذا كيان حقيقي هو تَفرُّده، وما يصنعه متَفرِّدًا هو تَمرُّده، فنستعد إنسانيتنا وتَصِحُ عقولنا ويغدو لحياتنا معنى، وتضحى لبلادنا مكانة، ولنتمرد على أنفسنا من أجل أن نتَحرَّر من أغلالها وتتَحرَّر هي من أغلالنا، فتنطلق أوطاننا العريقة والمكلومة بنا، صوب السماء، متحررة من قيود أبنائها.
تمردوا.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك