اليوم : الاثنين 18 ديسمبر 2017

أهوى مشاهدة الأفلام الوثائقية التي تسجل حياة الحيوانات في الغابة.
ولفت نظري من تلك الأفلام عدة مشاهد سلوكية أشارككم بها، جعلتني أفكر بل وأقارنها بسلوكيات بعض البشر.

– المشهد الأول: (قصر ديل نمر)
– في مكان ما بغابات الهند، يقوم نمر غريب بالتعارك مع نمر آخر مسيطر على منطقة بها بحيرة صغيرة، تنجذب إليها الغزلان من كل المناطق المحيطة لتشرب، فيجد النمر المسيطر وفرة من الطعام باستمرار.
– يخسر النمر الغريب معركته مع النمر المسيطر ويهرب بحياته لينجو بها.
– يعود إلى أخيه الأصغر والذي كان قد تركه مسبقا في منطقتهم القاحلة.
– يزداد حنقه وغضبه على ضيق حاله وعلى خسارته وهروبه المهين، فيتعارك مع أخيه لسبب تافه ويقتله في غضب لحظي. ويترك جيفة أخيه مختالا بنفسه، بعد أن أثبت لنفسه أنه مازال يمتلك القوة للفوز بالمعارك.
– المشهد الثاني: (ديابة تخاف ماتختشيش)

– وفي مكان ما في براري روسيا الثلجية، يقوم قطيع من الذئاب بالسعي وراء قطيع جاموس “نو” بري مسالم يرعى في المكان.
– تقوم الذئاب بهجوم جماعي مفاجيء فيبدأ الجاموس بالهروب، فيتشتت.
– تقوم الذئاب بتحديد هدف سهل. جاموسة صغيرة كانت ترعى مع أمها، وتفرقت عنها حين بدأ الكر والفر.
– تقوم الذئاب بمحاصرتها ويقوم قائد القطيع بإسقاطها أرضا.
– يلتف بقية القطيع حولها ويبدأ في نهشها حية.
– تبدأ الجاموسة اليافعة في ذروة آلامها إصدار أصوات استنجاد بائسة.
– وحين يبدو أن الموضوع قد انتهى أخيرا. يقوم قطيع جاموس النو باستجماع شجاعته وتنظيم صفوفه ومحاصرة الجاموسة الضحية ومفترسيها. فيقوم عدة ذكور شجعان مع الأم المكلومة بالاقتراب تدريجيا، ثم يهجمون تباعا وبشجاعة على الذئاب لتشتيت تشكيلهم الإستراتيجي. وينجحوا.
– فيترك قطيع الذئاب فريسته ويهرب ليقف بعيدا، مشاهدا في حسرة قيام الجاموسة وسط قطيعها مرة أخرى، بجروح ودماء وآلام مبرحة. ولكنها حية، تستطيع الركض والرعي مع قطيعها مرة أخرى بعد درس قاس.

– المشهد الثالث: (شهوة خنزير)

– وفي غابات إندونيسيا. في موسم التزاوج، يقوم خنزير بري أعزب كان قد ترك أمه للتو بعد بلوغه. باشتمام رائحة أنثى من نفس جنسه على مقربة.
– يجدها جذابة فتتحرك غريزته نحوها، فيقوم بملاطفتها والتودد إليها. ولكنها تتجاهله إذ أنها لا تريد التزاوج مع خنزير رأته للتو.
– يستمر الذكر بالترصد بها وإشتمامها وملامستها بإصرار على مدار أيام. وتقوم هي بصده ومهاجمته رافضة.
فيبدأ هو أيضا بمهاجمتها غاضبا، معبرا عن قرب انتهاء صبره.
– تستسلم الأنثى في النهاية لإصراره إذ أنها لا تريد ما يشتتها عن أخطار الغابة. فتترك نفسها له، وينال ما يريده منها.

– المشهد الرابع والأخير: (“الأسد” في منطقته ملك)
– وأخيرا وفي غابات أفريقيا الخضراء حيث قطيع صغير من الأسود، يتكون من ذكرين مهيمنين وعدة لبؤات وأشبالهم.
– تقوم اللبؤات بالصيد والاعتناء بالأشبال. بينما يقوم الذكران المسيطران بحماية منطقتهم وعائلتهم بداخلها.
– حيث يقومان بالدوران حول مقاطعتهم،
وأثناء دورانهم يقومان بين الفينة والأخرى بنثر بضعة قطرات من بولهما والذي يحتوي على بقايا من هرمون “الأندروجين” الذكوري، والذي تستطيع تمييز رائحته جميع الحيوانات الأخرى. كرسالة تحذيرية بعدم اقتراب أي غريب من “منطقتهم”.
وعودة إلى مشاهد بطلها الجنس البشري. وتحديدا بمنطقة الشرق الأوسط، حيث مواطن يدعى “آدم”.
– يعمل آدم كعامل بمطعم كبير يمتلكه رجل أعمال شهير قوي النفوذ.
يدر المطعم أرباحا بالملايين شهريا ولكن صاحب المطعم لا يعطي للعمال به سوى الفتات. فيتقاضى “آدم” وزملاؤه ما يوازي مائة دولار شهريا. ولا يسمح صاحب المطعم للعمال بأي فترات راحة أثناء العمل.
ويقوم صاحب المطعم من حين لآخر بإهانة وسب العمال أمام بعضهم وأمام الزبائن على أتفه الأسباب. مستغلا نفوذه واحتياجهم “لأكل العيش”.
– وفي يوم ما، يشعر آدم بآلام بسيطة بمنطقة الظهر بسبب ضغط عمله، فيقوم بعد انتهاء مداومته بالعمل، بالذهاب إلى طوارئ مستشفى عام للكشف.
– يخبره طبيب الحوادث المناوب أن حالته ليست طارئة وأن عليه التوجه إلى عيادة العظام في اليوم التالي وليس قسم الطواريء. وأنه سيقوم الآن بإعطائه مسكنا لآلامه البسيطة لحين الكشف بالعيادة.
– يستشاط آدم غضبا من كلام الطبيب فجأة ويبدأ بالسباب والاعتداء عليه.
– يصر الطبيب بعدها على فتح محضر بالواقعة بنقطة الشرطة المتواجدة داخل المستشفى. وما أن يرى آدم نفسه في مواجهة أمين شرطة حتى يرتعب ويبدأ بالاعتذار ويخر بالبكاء ذليلا للطبيب راجيا عفوه.
– ومع توالي “مسكنة” واعتذار آدم وذويه الذين حضروا فور علمهم بالواقعة، ومع تدخل “فاعلي الخير” بالضغط على الطبيب للتنازل، يقرر الطبيب التغاضي عن عمل المحضر والعفو عنه ويكتفي بتوبيخه وتحذيره من تكرار فعلته!
– في اليوم التالي، وأثناء ذهاب آدم إلى عمله المرهق صباحا، يرى سيدة شابة تمشي بمفردها في الشارع.
– يجدها جذابة فتتحرك غريزته نحوها فجأة ويبدأ بمغازلتها.
– تصده، فيغضب ويقوم بملامستها رغما عنها في منطقة حساسة.
– تصرخ السيدة وتضربه، فيتجمع الشارع حولهم، وتصر السيدة على عمل محضر تحرش.
– يقوم “فاعلو الخير” بتهدأة السيدة والضغط عليها وتهريب آدم، بل ويبدأون بالهجوم على الضحية نفسها بسبب مشيها بمفردها بدون غطاء للرأس!
فينتهز آدم الفرصة ليختفي عن المشهد سريعا!
– يعود آدم إلى بيته في مساء ذاك اليوم، فيقابله جاره من المنطقة.
– فيفصح له جاره عن أنه نمى إلى علمه من “فاعلي خير” أن السيدة المتحرش بها هي ابنة شخص ذي نفوذ، وأنها أعلمت أبيها بما حدث وأن الأب يبحث عن مكان سكن آدم ليؤدبه على تحرشه بابنته.
– فيطمأن آدم صديقه إذ أنه شخصية معروفة “بمنطقته” ولا يستطيع أي غريب إيذائه داخلها!
– وفي اليوم التالي يقوم صديق لآدم بسؤاله عن فيديو شاهده على الإنترنت يتحدث عن نظرية التطور.
– فيوضح له آدم ساخرا سخافة الفكرة، إذ أن الإنسان متفرد في خلقه. لا يملك أي شيء مشترك مع قرد أو أي حيوان عموما!
لم يدرك آدم بأن تصرفاته لم تختلف عن تصرفات الحيوانات في أدنى شيء.
فقد تشبهت أفعاله بمشهد قصر ديل النمر، بين صاحب عمله المؤذي وبين الطبيب المسالم.
وبمشهد قطيع الذئاب اللي “يخاف مايختشيش” بين نفس الطبيب المسالم وبين أمين الشرطة المرعب.
وبعدم سيطرته على شهوته مع السيدة المسالمة في الشارع تماما كخنزير بري بغابات إندونيسيا.
وبمشهد تبول “الأسد” حول منطقته كإشارة لنفوذه بها.
فاحذروا. فما بين السلوك الإنساني والسلوك الحيواني شعرة اسمها “العقل”، تتم تنميتها بالتعليم.
وما بين حدود المجتمع والغابة شعرة اسمها “الدولة”، لا تقوم إلا بالقانون.
فانقذوا ما تبقى من إنسانيتنا ومن أوطاننا أيها المسؤولون، بالتعليم ويدولة القانون.
أما نحن كشعوب فلنقم بإعمال العقل، ومراقبة ومقاومة غرائزنا الحيوانية كالأنانية وحب الذات والعنصرية والتحزب للجماعة والقبلية والحكم على الآخر والشعور بالتفرد والحقد والسادية والعنف والبلطجة والإيذاء والهمجية والعصبية والجبن والتحرش وحب التملك والغباء والجهل.
ولننتصر في عقولنا لقبول المختلف واحترام الضعيف ومواجهة المتسلط وإكرام المرأة ومنحها حريتها الكاملة والعطف على الحيوان، ولننتصر للحب والإيثار والتواضع والشجاعة والعلم، نصرة لأوطاننا فإنسانيتنا.
– ملحوظة 1: لا يقصد بالتشبيه بين سلوكيات منتشرة بيننا كشعوب شرق أوسطية، وبين سلوكيات الحيوان، أي تلفظ أو إهانة مباشرة (كما يشاع بمجتمعاتنا استخدام الكلمة للإهانة المباشرة). فالتشبيه فقط يقصد به الغرائز كمحرك للتصرفات بدلا من العقل.
– ملحوظة ٢: جميع مشاهد الغابات حدثت بالفعل في أفلام وثائقية. وجميع مشاهد البشر حدثت وتحدث بالفعل أيضا يوميا في أوطاننا المكلومة.
– ملحوظة ٣: سلوكيات المواطن “آدم” والتي تتم مقارنتها بسلوكيات الحيوان ليست سلوكيات فردية، ولكنها سلوكيات متفشية في مجتمعاتنا بل ومرحب بها في كثير من الأحيان!
– ملحوظة ٤: الغابة (ومن حسن حظها) لا تملك “أفعال خير وفهلوة” كما لدينا!
– ملحوظة ٥: اكتفيت بـ ٤ مشاهد مشتركة فقط. رغم وجود الكثير من المشاهد الأخرى التي يمكن مقارنتها. بل وهناك مشاهد خبيثة موجودة لدى البشر حصريا. فالأنسان الشرقي قد يقتل إنسانا من بني جنسه بكل بساطة مرتاح الضمير، بسبب اختلاف مذهبه أو تفكيره أو لونه أو جنسه أو حتي انتقاما وتنكيلا. أما الحيوان فلا يقتل إلا للطعام أو للدفاع عن النفس!
– ملحوظة ٦: فقط لتسجيل مفارقة عجيبة لفتت نظري. فإن الغرب ورغم إنسانيته الجمة، يؤمن بنظرية التطور لداروين يقينا كيقينه من دوران الأرض حول الشمس.
اما المجتمع الشرقي فبرغم السلوكيات الحيوانية المتفشية به. إلا أنه يتقزز من أطروحة الفكرة أساسا ويرفضها حتى بدون أن يقرأ أو يدرس عنها!
فلنعي نعمة مولدنا بمنطقة عريقة بها (أقدم الدول بالتاريخ الإنساني) ونعمة كوننا بالخلق، “آدميين” عقلاء.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك