اليوم : الأربعاء 22 فبراير 2017

هكذا هو الإعلام وما يصدره عن الطب والأطباء في مصر وكأنهم وحدهم هم نزلاء جهنم وواردها، ولما لا فهم من يعالجون المرضى ويعطون الدواء بعد تشخيص الداء وهم من يمنحون الحياة ويأخذون الأرواح!

نعم يا سادة هذا ما يصدره الإعلام عن الأطباء لأفراد الشعب بكافة مستويات تعليمهم، وهم بكل تأكيد يجهلون الطب على اختلاف مستواهم العلمي والتعليمي. فهم لا يعرفون إلا حقيقة واحدة، وهي أنه طالما هناك طبيبا ومريضا فلا بد من الطبيب علاج هذا المريض ومنحه قبلة الحياة دون النظر عن الكيفية والوسيلة لمنح مثل هذه القبلة والتى هى في الأساس ما هي إلا فضل من الله وتوفيقه للطبيب من أجل المريض.
من أيام قلائل وفي إحدى المستشفيات الحكومية الضخمة اتخذ المسئولون قرارًا بغلق أبواب المستشفى أمام المرضى إلا في الحالات الحرجة، فكيف لمستشفى ضخم أن تقدم الخدمة الطبية في ظل عجز رهيب في المحاليل الطبية والتى قد تنقذ حياة مريض من الموت، وعجز في أدوية التخدير والذى بدوره يؤدى إلى التوقف التام عن إجراء جميع العمليات داخل المستشفى.
و هنا رأيت بعيني بعض من يتحدث عن هذه القرارات الظالمة وكيف لهم أن يغلقوا أبواب المستشفى وهى ملجأ المرضى الفقراء والتى بعدها لا ملجأ لهم، ورغم أنها حقيقة فهي ملجأ الفقراء، ولكن لم يكلف أحدهم نفسه بفهم الموقف والحدث ولماذا تم مثل هذا القرار؟ وهل إذا لم يصدر مثل هذا القرار وتم فتح الأبواب جميعها على مصراعيها لجميع المرضى دون تقديم خدمة لهؤلاء المرضى أي قيمة حقيقية؟
ولنفكر قليلًا.. لو تركت الأبواب مفتوحة على مصراعيها دون تقديم الخدمة المرجوة، ماذا سيكون رد فعل نفس هذه الآلة الإعلامية؟ الإجابة سهلة، وهى الهجوم بلا أي وعى على أطباء هذا الصرح العملاق والذى طالما ضم فيه خيرة من أطباء مصر، وكأن هؤلاء الأطباء يعالجون مرضاهم بمجرد تواجدهم في نفس المكان، متناسين الإمكانيات والمحاليل والمستلزمات الطبية من أجهزة وأدوات وأيضًا أدوية تشهد عجزا رهيبا على مستوى جميع مستشفيات مصر بطولها وعرضها.
متى يفهم أصحاب العقول الذرية من الإعلاميين أن الأطباء ما هم إلا جزء من منظومة طبية يعملون معًا كجسم واحد إذا حدث خلل في عضو منه اختلت المنظومة بأكملها، ولا أعتقد أنهم على دراية بأن المنظومة الصحية في مصر قاربت على نهاية صلاحيتها إن لم تكن انتهت منذ زمن!

في منظومتنا الصحية الحالية هناك خلل رهيب على جميع المستويات البشرية والمادية والدوائية، فلم يعد العمل كطبيب في وزارة الموت المصرية أو في مصر في المجمل مجديًا، وهو ما أدى إلى هروب العقول الطبية المتميزة وبكثرة إلى بلدان أكثر تقديرًا لمجهوداتهم وأكثر اهتمامًا بمرضاها، كما أن عدد ساعات العمل مبالغ فيه جدا بالمقارنة بما يتقاضاه هذا الطبيب والذى قد لا يصل إلى مقابل مادى ليوم واحد في البلدان الأخرى التى يهرب لها الأطباء المصريين، ناهيك عن الروتين الحكومي من الاهتمام بجداول الحضور والانصراف دون الاهتمام بما يلزم وينقص المستشفى من أدوية وأجهزة أو حتى صيانة لما تبقى من أطلال وبقايا الأجهزة القديمة.
وليس غريبا عن جموع المصريين ما حدث من طعن الحكومة على حكم بدل العدوى والذى قدر بألف جنيه فقط والذى صدر بعد معاناة طويلة لزيادة هذا البدل من 19 جنيه مصري إلى ألف جنيهًا، وها هى محكمة مصرية تحكم بقبول الطعن المقدم من الحكومة ووزارة الصحة ضد الأطباء العاملين بها في تصرف فج غريب! رغم أنه متوقع من وزارة الصحة المصرية (وزارة الموت حاليًا)، فقد أصبحت وزارة لموت الأطباء العاملين بها وهكذا للمرضى، رغم أن هناك وزارات في مصر يتقاضى العاملون بها بدل العدوى دون وجود خطر للعدوى من الأساس يزيد عن الثلاث آلاف جنيهًا شهريًا.
بالقطع ليس كل الأطباء يعملون بضمير حي، ولكن ضعف المقابل المادي كان السبب المباشر في ضياع الضمير تدريجيا، ورغم أنى أفضل الاغتراب خارج مصر عن ضياع الضمير، ولكنى أحاول البحث عن سبب واقعى لأزمة ضياع الضمير في الوسط الطبي، فقديمًا كنا نعتقد أن الطبيب (واكلها والعه) كما يقول ويعتقد الكثير من أفراد الشعب، ولكن ما إن أصبحنا أطباء عرفنا أن الثراء في مهنة الطب نتاج غربة خارج الأوطان أو فقدان الضمير بعضه أو كله، والمتسبب الرئيسي في هذا هو المستوى المتدني لأجور الأطباء في مصر والذى لا يصل لبدل عدوى لفئات أقل منهم مجهودًا وأقل جهدًا واجتهادًا طوال مشوارهم التعليمي. ولعل أهم الأسباب التى جعلت رواتب الأطباء من أعلى الرواتب إن لم تكن الأعلى في دول العالم الأول ودول عربية أخرى هو أنها مهنة من أجل صحة المواطن والتي هى من المفترض الأغلى في هذه الدول فالمواطن هو كلمة سر للنهضة وصحته هى كلمة سر الإنتاج المطلوب زيادته، وعليه فالمواطن هو حجر الأساس لأى دوله متقدمة.
بدلًا من تحميل الأطباء ثمن الفشل الذريع في المنظومة الطبية لابد من حل المشكلات وتوفير مناخ مناسب للعامل البشرى فيها وتوفير الأدوية اللازمة والأجهزة المطلوبة مع توفير الصيانة اللازمة لها، بالإضافة إلى منع هروب الكفاءات الطبية بوضع سلم مناسب لرواتب تليق بهم وبمكانتهم العلمية وبمجهوداتهم في العمل من أجل صحة أفضل لمواطن صحيح بدنيا، ولن أكون كاذبًا إن صرحت بأن أغلب الأطباء المصريين إذا توفرت لهم الأجواء المناسبة وعملوا ضمن نظام سليم فأغلبهم سيؤدى دوره وعلى أكمل وجه ولنا في الأمثلة المصرية خارج البلاد عبرة ومثل.
الأطباء هم بالفعل ملائكة الرحمة على الأرض طالما توافرت لهم الإمكانات اللازمة، فهم كفرقة من جنودٍ مرابطة على الحدود لحمايتها، إن لم تكن تمتلك السلاح فلا قيمة لتواجدها، ولنعرف جميعًا أن أي طبيب لن يتوانى عن تقديم خدمة لمريض في حالة حرجة أبدًا، ولكن الإهمال غير المتعمد هو سيد الموقف في الأخطاء الطبية، وهو بالقطع غير مبرر، ولكن مع ضياع الضمير للأسباب التى سبق ذكرها أصبح إهمالًا متعمدًا وأصبح هذا الطبيب من أهل النار حقًا.
كم من مرة طالبنا بتوفير المناخ المناسب للأطباء وخلق بيئة مناسبة لهم، ولكن لا حياة لمن تنادى، فنرى وزارة الصحة تخرج بتصريحات غريبة عن قوانين معاقبة الطبيب وطعن على بدل العدوى (الألف جنيهًا)، فكيف لنا كأطباء أن نقدم خدمة متميزة تليق بالمواطن المصري، فنحن بشر لسنا بسحرة لنعالج بالسحر وبدون إمكانات وبدون مقابل يضمن حياة كريمة.
ملاك الرحمة هو نفسه الذى وصفه الإعلام بأنه من أهل النار لا لسبب غير أنه وقف مكتوف الأيدي أمام المرضى لا يستطيع أن يقدم لهم الخدمة لأسباب خارجة عن إرادته تمامًا والتى هى في الأساس دور وزارة الصحة المصرية.
أما بعد تحرير سعر صرف الجنيه المصري وزيادة أعداد المواطنين ممن يعيشون تحت خط الفقر والأزمات الرهيبة في أسعار الدواء -إن وجد من الأساس- وأزمات اختفاء المحاليل الطبية مع ضعف قيمة الجنيه وقلة حيلة البسطاء، فلابد من أن تأخذ الوزارة دورها الذى غابت عنه لسنوات طوال، وإلا فستحدث الكارثة تلو الأخرى في القطاع الطبي.
رحم الله شعب مصر العظيم وخفف عنهم الأزمات؟ وحمى الله مصرنا العظيمة لشعبها.
للتواصل مع الكاتب:

https://www.facebook.com/Dr.EhabAburahma/

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك