اليوم : الخميس 21 سبتمبر 2017

فى العقود الأخيرة شهدت علوم وتكنولوجيا الطب تطورات متسارعة ومذهلة، مما اقتضى ضرورات ظهور فاعليات التعليم الطبى المستمر من أجل نقل هذه المعارف إلى الأطباء وتدريبهم عليها بشكل دورى. وتتعدد أشكال هذه الفاعليات بين المؤتمرات وورش العمل والندوات وبرامج التدريب، ولكن هذه الفاعليات بحاجة إلى من يمولها، وواقع الحال أن شركات الأدوية والأجهزة الطبية هى من يمول هذه الأنشطة، وهذا الواقع خلق حالة ضخمة من التناقض بين الأطباء الذين يبحثون عن التعليم والشركات التى لا تبحث إلا عن الأرباح، فكيف يمكننا حل هذا التناقض؟

………………..

تنفق شركات الأدوية سنويا عشرات، وربما مئات، المليارات من الدولارات الأمريكية لترويج منتجاتها (30 مليار دولار فى الولايات المتحدة فقط)، ويتنوع هذا الانفاق بين العلاقة المباشرة مع الأطباء وتمويل البحوث الطبية، وهما خارج حدود هذا المقال رغم أهميتها، وبين تمويل فاعليات التعليم الطبى التى تتيح لهم فرصة مخاطبة مئات أو آلاف الأطباء فى جلسة واحدة. ويتخذ هذا الانفاق أشكالا كثيرة منها تمويل اشتراكات الأطباء فى المؤتمرات واقامتهم فى الفنادق الفاخرة ونفقات سفرهم، والأهم هو شراء جلسات من خلال هذه المؤتمرات يحددون فيها نوعية المحاضرات بل ويختارون الأطباء المحاضرين الذين غالبا ما يحصلون على مكافآت مالية من هذه الشركات.

ويبقى السؤال، ما هى خطورة هذا النفوذ التمويلى للشركات على ما يدور داخل قاعات المحاضرات؟ فى تقرير لها حول التعليم الطبى المستمر عام 2002، قالت صحيفة الوول ستريت جورنال إن الأطباء يتعلمون الكثير عن الأمراض التى تعالج بمستحضرات باهظة الثمن، بينما يتعلمون القليل جدا عن الأمراض التى تعالج بمستحضرات قليلة الربحية.

أيضا حكمت المحكمة العليا الأمريكية على إحدى شركات الأدوية بغرامة مالية تجاوزت 200 مليون دولار أمريكى لأنها قامت بالترويج لأحد منتجاتها، والمرخص كعلاج للصرع منذ عام 1993، من خلال المؤتمرات الطبية فى علاج أمراض أخرى غير مرخص له بالاستخدام فى علاجها. وفى تقرير للواشنطن بوست فى مايو 2002 اتهم شركات الأدوية بدفع مبلغ خمسين ألف دولار فى كل جلسة من جلسات مؤتمر الجمعية الأمريكية للطب النفسى والذى عُقد فى فيلادلفيا عام 2002 فى مقابل التحكم فى المحاضرين والأبحاث المعروضة فى المؤتمر، كذلك ذكرت صحيفة النيويورك تايمز فى تقرير لها نشر فى فبراير 2006 أن إحدى الشركات أنفقت عشرات الملايين من الدولارات لترويج إحدى الآلات الجراحية، وأن أحد الجراحين البارزين قد حصل وحده على أربعمائة ألف دولار فى مقابل بعض “الاستشارات” خلال ثمانية أيام فقط.

هذه مجرد أمثلة عن مدى خطورة تغلغل النفوذ التجارى داخل غلاف علمى وانعكاس هذا التغلغل على صحة البشر بشكل يثير الرعب.

هذا النفوذ أثار اهتمام ومخاوف وشعور بالقلق لدى دوائر عديدة على المستوى الدولى، خصصت المجلة الطبية البريطانية، وهى واحدة من أهم المجلات الطبية فى العالم، عددا كاملا فى مايو 2003 لمناقشة هذه القضية. وقد تعددت ردود الأفعال تجاه هذه المخاوف كان أكثرها راديكالية فى الهند، حيث انتشرت دعوات، من خلال الدوريات الطبية، إلى الابتعاد تماما عن تمويل الشركات وعقد هذه الفاعليات داخل قاعات المستشفيات وتجنب الإسراف فى الوجبات الغذائية ومظاهر الإبهار الزائد الذى تنتهجه الشركات وكذلك الاتجاه إلى الاعتماد على الوسائط الاليكترونية والانترنت فى نقل المعرفة وتبادل المعلومات، وقد تبنت بعض الجامعات الهندية هذه الدعوات وتخلصت تماما من أى وجود لهذه الشركات فى فاعلياتها العلمية.

على الطرف الآخر، ظهرت دعوات لخطوط استرشادية تبنتها الجمعية الطبية الأمريكية والكلية الملكية للأطباء فى أستراليا والعديد من الدول الأوروبية، وتتفق هذه الخطوط فى مجملها على ضرورة الشفافية فى إعلان التمويل والحد من حرية الشركات فى اختيار الأطباء المشتركين فى المؤتمرات ومنع أى شركة من اختيار المحاضرين أو موضوعات المحاضرات وتعهدها بعدم وجود أى غرض تجارى كشرط للتمويل. كذلك اشترطت إعلان تضارب المصالح فى كل فاعلية لتوضيح علاقة المحاضرين ومنظمى الفاعليات بهذه الشركات.

………………..

فى مصر يبدو الأمر أكثر تعقيدا، حيث يوجد فيض شديد من هذه الفاعليات، وبغض النظر عن وجود أى مردود علمى حقيقى لها، فإن هذا العدد الضخم من المؤتمرات تنظم بعضها الجهات التابعة للدولة والجمعية الطبية المصرية، والعدد الأكبر تنظمه جمعيات طبية مسجلة فى وزارة التضامن الاجتماعى، ولا أدرى ما هى العلاقة بين هذه الوزارة وبين الجمعيات الطبية العلمية، بل يصل الأمر إلى أن يكون المنظمون مجرد موقع على الانترنت.

أى أنه ببساطة شديدة يستطيع أى طبيب، أو مجموعة من الأطباء، لهم علاقة بالشركات والاحتكارات الدوائية الكبرى، أن يتقدموا بطلب إلى وزارة التضامن الاجتماعى لتشكيل جمعية أهلية، أو أن يقوموا بإنشاء موقع على الانترنت، ثم يبدأون فى تنظيم ما يرونه من مؤتمرات أو أى فاعلية تعليم طبى أخرى تمولها هذه الشركات، كل ذلك فى غياب كامل لأى آليات فاعلة للرقابة، من الدولة أو المجتمع، على ما يدور فى هذه الفاعليات ولا على حجم الانفاق عليها. هذا المناخ هو الأنسب تماما لتعاظم نفوذ الشركات التى استطاعت أن تخلق شبكة عميقة من المصالح مع هذه الفاعليات داخل صندوق مغلق، شديد الإحكام، وغير مسموح لأحد الاقتراب منه أو معرفة أسراره. هذه الحالة تثير بالضرورة مساحة واسعة من القلق والمخاوف حول طبيعة الرسائل التعليمية التى تقدمها هذه الفاعليات وتتطلب تدخلا حاسما من المجتمع لمحاصرة مخاطرها.

………………..

إن لم يكن هناك بد من قبول تمويل الشركات، نظرا لطبيعة ظروفنا الاقتصادية، فعلى الأقل ينبغى تنظيم هذه العلاقة من خلال حزمة من التشريعات والقرارات والخطوط الاسترشادية، تتبناها الدولة والجمعية الطبية المصرية ونقابات الأطباء والصيادلة ومنظمات المجتمع المدنى العاملة فى مجال الصحة، فلابد من تحديد الجهات التى يحق لها تنظيم هذه الفاعليات وبناء آليات رقابة حقيقية وشفافة لحجم وأشكال التمويل وللمحتوى العلمى المقدم، وحظر الحصول على أى مبالغ مالية من هذه الشركات مقابل إلقاء محاضرات وغل يد الشركات عن اختيار موضوعات المحاضرات أو المحاضرين، ولابد أيضا من وجود هيئة قومية للتعليم الطبى المستمر مستقلة تماما عن الشركات أو أى أنشطة تجارية تلعب دورا اشرافيا ورقابيا على كل هذه الفاعليات، والتأكيد على حق الأطباء المشتركين فى معرفة الشركات الممولة وحجم التمويل وأوجه الإنفاق.

هذه الأمور يجب أن تخرج من حيز الصندوق المغلق إلى النور، لأنها فى الحقيقة تخص الكثيرين، تخص الأطباء الذين من حقهم أن يكونوا على علم بالخلفيات التجارية المحتملة للرسالة العلمية التى يتلقونها، وتخص المرضى الذين من حقهم أن يطمئنوا إلى سلامة الرسالة العلمية التى يتلقاها الأطباء القائمين على علاجهم، وتخص المجتمع الذى من حقه أن يخلق ضمانات كاملة لنظام صحى آمن وفعال. افتحوا الصندوق المغلق، رسالة إلى كل المعنيين بالأمر فى هذا البلد.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك