اليوم : الجمعة 28 يوليو 2017

 

تقديم:


“الفيروسات كائنات على حافة الحياة”، هذا هو التعريف الأكثر قبولا للفيروسات فى الوقت الراهن، بعد أن اختلفت الآراء حولها، فهل هى أحد صور الحياة أم أنها مركبات عضوية تستطيع التفاعل مع الكائنات الحية؟ هذا الارتباك فى تعريف الفيروسات مصدره طبيعتها المختلفة عن باقى الكائنات الحية الميكروبية، مثل البكتيريا، التى تتكون من خلية مكتملة تمتلك كل آليات الحياة وتستطيع التكاثر والبقاء طالما كانت الظروف البيئية المحيطة بها موائمة لذلك. أما الفيروسات فهى جسيمات معدية دقيقة لا تستطيع التكاثر إلا من داخل خلية حية لأحد الكائنات الأخرى مستخدمة آليات الحياة الموجودة داخل هذه الخلية والتى يفتقدها الفيروس. وتستطيع الفيروسات على مختلف أنواعها أن تعدى كل أنواع الكائنات الحية، الحيوانية أو النباتية، وهذه العدوى هى الشرط الأساسى لتكاثر الفيروسات واستمرارها.
بدأ التعرف على الفيروسات تاريخيا عام 1892 حينما وصف العالم الروسى ديمترى ايفانوفسكى عدوى تسببها كائنات غير بكتيرية لنبات التبغ، بعد أن تمكن من إثبات وجود العدوى بعد مرور أوراق التبغ المطحونة عبر مرشحات أصغر من كل أنواع البكتيريا. إلا أن الطفرة الكبرى فى علم الفيروسات بدأت عام 1931 مع اختراع الميكروسكوب الإلكترونى والذى مكن الباحثون من الحصول على صور حقيقية للفيروسات، وفتح الباب أمام تطور علوم تصنيفها البيولوجى، ودراسة تركيبها الجزيئى والبروتينات والانزيمات اللازمة لتكاثرها.
الفيروسات جسيمات متناهية الصغر تتكون من شريط (مزدوج أو مفرد) من الحمض النووى، الذى يشكل المادة الوراثية للفيروس، يحيطه غلاف بروتينى، وبعض الفيروسات لها غلاف خارجى دهنى. ويتم تصنيف الفيروسات طبقا لنوعية الحمض النووى المكون لمادتها الوراثية (ريبوزى أو دى أوكسيريبوزى)، وهيكل شريط الحمض النووى (مزدوج أو مفرد). وتستطيع الفيروسات انتاج انزيمات هامة لعملية تكاثرها مثل انزيم البوليمراز. تبدأ دورة حياة الفيروس بالتصاقه بجزيئات محددة على سطح الخلية المستهدفة بالعدوى، يتبعها اختراق الفيروس لجدار الخلية ثم تخلص الفيروس من غلافه البروتينى، من خلال انزيمات محددة، لتحرير الحمض النووى للفيروس داخل الخلية والذى يبدأ فى استخدام آلياتها الحياتية لإعادة إنتاج المادة الوراثية للفيروس (الحمض النووى) وبروتيناته، ثم خروج هذه المنتجات من الخلية للالتصاق بخلية أخرى واختراقها وتكرار نفس العملية مرات عديدة.
هناك أنواع من الفيروسات تسبب تغيرات مرضية واضحة فى الخلايا المصابة بالعدوى تتراوح بين انفجار الخلية وهلاكها وبين موتها المبرمج عبر فترة من الزمن. وهناك أنواع أخرى لاتسبب تغيرات واضحة فى الخلايا المصابة وتبقى فى حالة كامنة داخلها. وتتراوح الآثار المرضية للفيروسات من الالتهابات الحادة والمزمنة إلى ظهور الأورام السرطانية. ومن الجدير بالذكر فى هذا السياق أن التغيرات المرضية، الناجمة عن العدوى الفيروسية، على المستوى الخلوى أو النسيجى تنشأ إما عن طريق تأثيرات مباشرة للفيروس على المكونات العضوية للخلية، وهو ما يطلق عليه “الفيروسات المسببة للاعتلال الخلوى”، أو نتيجة تفاعلات بين الفيروس وجهاز المناعة فى جسم المصاب، تؤدى إلى تحفيز مسارات بعينها وتنشيط أنواعا محددة من الخلايا وإفراز وسائط كيميائية مختلفة، وفى هذه الحالة تكون تلك التفاعلات ونتائجها هى المسؤولة عن التغيرات المرضية المصاحبة للعدوى.


فيروس الالتهاب الكبدى “سى”:


فى منتصف سبعينيات القرن العشرين تعرف الأطباء والباحثون على حالات مرضية تعانى من الالتهاب الكبدى بعد عمليات نقل الدم ليس لها علاقة بفيروسى “أ” أو “ب”، واللذين كانا معروفين ومدروسين فى هذا الوقت، ونظرا لغياب المعرفة بالسبب الحقيقى لهذه الحالات، أطلق عليها اسم الالتهاب الكبدى اللا “أ” واللا “ب”، وظلت هذه التسمية مستخدمة على نطاق واسع حتى عام 1987 حيث تم اكتشاف كائن ميكروبى غير محدد يرجح أن يكون سببا لهذه الحالات، غير أن التأكد الكامل من وجود فيروس (أطلق عليه اسم فيروس “سى”) مسئول عن تلك الإصابات، لم يتم إلا فى أبريل 1989 حيث تم نشر ورقتين بحثيتين عن هذا الفيروس فى مجلة “العلم” وهى من أهم وأرفع الدوريات العلمية فى العالم.
يتكون هذا الفيروس من شريط مفرد من الحمض النووى الريبوزى وله غلاف خارجى، وهو يصيب خلايا الكبد بالأساس، وإن كان من الممكن أن يصيب بعض الخلايا الأخرى. ويستطيع الفيروس أن يتكاثر بمعدلات عالية داخل جسم الإنسان منتجا قرابة 10 تريليون نسخة منه يوميا. وينقسم الفيروس إلى سبعة أنواع جينية، أكثرها انتشارا فى مصر النوع الرابع، ومجموعة أكبر من الأنواع الفرعية. ويميل هذا الفيروس إلى الإصابة المزمنة للخلايا التى تتأثر بالعدوى عبر فترة طويلة من الزمن، تمتد لسنوات، لتنتهى بظاهرة الموت الخلوى المبرمج، بينما تبقى الآثار الحادة للعدوى على الخلية المصابة، مثل انفجار الخلايا وموتها السريع، محدودة للغاية، وربما يفسر ذلك غياب الأعراض الحادة والعلامات المرضية فى حالات الإصابة المبكرة.
وحيث إن المادة الوراثية لهذا الفيروس تتكون من الحمض الريبوزى والذى يختلف عن المادة الوراثية الموجودة فى نواة الخلية البشرية (الحمض النووى دى أوكسيريبوزى)، يصبح اقتحام هذا الفيروس لنواة خلية الإنسان والبقاء داخلها وإحداث تغيرات مسرطنة، أمرا غير محتمل، بالخلاف مع فيروس “ب” الذى تتشابه فيه المواد الوراثية للفيروس والإنسان. وبالتالى فإن العدوى بفيروس “ب” فى ذاتها تخلق احتمالا للتحول السرطانى، بينما يحتاج الأمر فى فيروس “سى” إلى تغيرات مرضية طويلة وممتدة فى الخلايا المصابة تؤدى فى النهاية إلى تشمع الكبد الذى من الممكن أن يكون مسرطنا. بعبارة أخرى، فإن فيروس “ب” لديه طاقة مسرطنة فى ذاته، أما فيروس “سى” فإنه لا يملك هذه القدرة، ولكن التغيرات المرضية الناتجة عن الإصابة به عبر عقود من الزمن، يمكنها أن تكون مسرطنة.

 

الحالة الوبائية للمرض وقنوات نقل العدوى:


يقدر عدد الحالات المصابة بعدوى فيروس “سى” على مستوى العالم بحوالي 160-200 مليون مصابا، ويقدر عدد الحالات الجديدة التى تضاف سنويا إلى العبء الكلى للإصابات بحوالي 4 مليون حالة عالميا. كما يقدر عدد الوفيات الناتجة عن هذا المرض ومضاعفاته، فى عموم الكرة الأرضية، بحوالي 350 ألف حالة سنويا. ويصيب هذا المرضى قاطنو الدول الفقيرة فى العالم بنسب أكبر من الدول الغنية، حيث تبلغ نسبة المرضى من إجمالى عددهم على المستوى العالمى، فى الدول مرتفعة الدخل (طبقا لتصنيف البنك الدولى) 13%، بينما تصل نسبتهم فى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل إلى 87%، ويعود ذلك بالطبع إلى الفارق الكبير فى مستوى الخدمات الصحية والبيئية بين هذه الدول.
فى مصر اختلفت التقديرات حول نسب الإصابة بهذا المرض من إجمالى عدد السكان، حيث وصلت إلى أقل من 5% فى المسح الصحى والسكانى الصادر عن وزارة الصحة المصرية عام 2015، وقبل ذلك بقليل أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريرا يفيد بأن نسبة الإصابة فى مصر تصل إلى 22%، وبين التقريرين هناك العديد من الأبحاث المنشورة التى تتراوح فيها نسب الإصابة بين 15% إلى 20%. والواقع أن العدد الفعلى للمرضى المصابين بهذه العدوى فى مصر مازال مجهولا ويحتاج إلى جهد صحى وبحثى بأدوات إحصائية دقيقة لتحديده. غير أن كل التقديرات اتفقت على ازدياد نسب الإصابة بشكل ملحوظ فى الريف قياسا بالحضر. كما تفيد التقارير أيضا بأن عدد الحالات التى تضاف سنويا إلى العبء الكلى للمرض تتراوح بين 150 إلى 200 ألف حالة.
فيروس “سى” من الفيروسات التى تنتقل إلى الإنسان عبر الدم، أى باختلاط دم الإنسان بدم المريض، ولقد كانت الحالات الأولى التى تم من خلالها اكتشاف هذا الفيروس مرتبطة بشكل حصرى بعمليات نقل الدم. وقنوات نقل العدوى بهذا الفيروس تنقسم إلى قسمين رئيسيين: نقل العدوى داخل المجتمع ونقل العدوى داخل المستشفيات والمنشآت الصحية. فى القسم الأول يتم انتقال العدوى من خلال الاستخدام المشترك للأدوات الجارحة القابلة للتلوث بدماء المرضى إما داخل المنازل (فرشاة الأسنان وشفرات الحلاقة والمقصات والسكاكين وإبر الخياطة وغيرها من الأدوات) أو خارجها (الختان فى الموالد والوشم والاستخدام المشترك لأدوات الحلاقة وتصفيف الشعر وغيرها من العادات الشعبية). أما القسم الثانى فيشمل انتقال العدوى من خلال نقل الدم غير الآمن واستخدام أدوات جراحية وأدوات أسنان غير معقمة بدرجة كافية أو استخدام المستلزمات الطبية باهظة الثمن عدة مرات، والتى توصى الشركات المنتجة لها باستخدامها لمرة واحدة فقط، مثل قساطر القلب ومستلزمات المناظير والغسيل الكلوى. والواقع أن هذه المستلزمات بدأت فى الانتشار الواسع فى العقدين الأخيرين اللذين شهدا حالة هائلة من التطور التكنولوجى فى التشخيص والعلاج، ونظرا لأسعارها الباهظة يتم استخدامها لأكثر من مريض بوسائل تعقيم تقديرية وغير معتمدة على المستوى العلمى، وهذه الحالة من التناقض بين أهمية استخدامها ونقص الموارد اللازمة لتوفيرها لكل المرضى، تتطلب حلا حاسما ربما يكون فى دراسة واعتماد بروتوكولات فعالة لتعقيمها وانشاء صناعة لاعادة تعقيمها وتغليفها وتجهيزها للاستخدام المتكرر. والحقيقة أن هذه المشكلة تخصنا نحن والدول المشابهة لنا من حيث أوضاعنا الاقتصادية، ولا تخص الغرب الذى لم يعان من هذه الأزمات من قبل، وبالتالى فإن إنجاز هذه المهمة هى مسئوليتنا كدولة وأجهزة صحية وبحثية وصناعية.
بدأت قصة انتشار عدوى فيروس سى فى مصر منذ ستينيات القرن الماضى، فى سياق الحملة القومية لمكافحة مرض البلهارسيا عن طريق علاج المرضى بالحقن الوريدى بعقار الطرطير المقئ، والذى كان يستوجب حقن كل مريض 12 مرة بهذا العقار. كان هذا يتم قبل ظهور سرنجات الحقن البلاستيكية ذات الاستخدام لمريض واحد، فكان الاعتماد على السرنجات الزجاجية التى يتم تعقيمها عن طريق الغليان. ونظرا لعدم كفاءة تعقيم السرنجات وقتها، كان من السهل جدا نقل هذا الفيروس، الذى كان غير معروفا وقتها، بين مرضى البلهارسيا، وخلق أول وأهم وعاء بشرى كبير حامل للعدوى داخل المجتمع، لاسيما فى الريف. كان من السهل على هذا الفيروس بعد ذلك أن ينتقل إلى قطاعات أوسع من الشعب المصرى، خاصة فى الريف والأماكن الحضرية الفقيرة، من خلال شيوع العادات غير الصحية فى الاستخدام المشترك للأدوات الجارحة داخل وخارج المنازل، غير أن الأمر قد تغير كثيرا فى السنوات الأخيرة مع انتشار حالة من الفزع من هذا المرض بين المصريين من خلال التجارب المريرة للمرضى الذين عاصروهم أو تناقلوا أخبارهم، وما نتج عن ذلك من درجة معقولة من الإدراك المجتمعى لوسائل نقل العدوى داخل المجتمع. إننى أزعم أن القناة الرئيسية لنقل عدوى هذا الفيروس فى مصر الآن هى عدوى المستشفيات والمنشآت الصحية، مما يستوجب دراسة هذه الظاهرة بعناية والخروج بحلول جذرية لها على كافة المستويات.
هناك أيضا قناة أخرى هامة لنقل العدوى داخل قطاع مهم من الشعب، هم مدمنو المخدرات، وتحديدا العقاقير التى يتم تعاطيها عن طريق الحقن. داخل هذا القطاع تنتشر عادة الاستخدام المشترك للسرنجات بشكل ملحوظ مما يؤدى إلى فرص واسعة لنقل العدوى. وترجع أهمية هذا القطاع إلى الصعوبة الشديدة فى علاج مرضاه، حيث يتطلب الأمر الإقلاع التام عن تعاطى هذه العقاقير قبل بدء العلاج، وهو أمر لا يكون يسيرا فى كثير من الحالات. وفى النهاية لابد من التأكيد على أن هذا الفيروس لا ينتقل عن طريق الطعام أو الشراب أو التلامس والمصافحة أو الملابس المشتركة وغيرها من أشكال المخالطة اليومية. وتبقى احتمالات نقله من خلال الممارسة الجنسية شديدة الندرة، وينكرها الكثيرون، وكذلك الحال بالنسبة لانتقاله من الأم الحامل للجنين.


التغيرات المرضية على مستوى الخلية والأنسجة:


فيروس “سى” لا يعتبر من الفيروسات المسببة للاعتلال الخلوى، وبالتالي فإن التغيرات الخلوية المرضية الناتجة عن الإصابة بالعدوى فى هذه الحالة تتأثر بشكل بالغ بحالة جهاز المناعة والتغيرات المصاحبة لعمليات التمثيل الغذائى فى جسم المصاب. فور نجاح الفيروس فى اختراق جدار الخلية الكبدية، بعد الالتصاق به من خلال مستقبلات كيميائية على سطحها، يبدأ تنشيط الجهاز المناعى على أكثر من مستوى وينتج عن ذلك إفراز عديد من الوسائط المناعية الكيميائية التى تحفز خلايا بعينها داخل الكبد، وبعد سلسلة معقدة من التفاعلات ينجح الفيروس فى القضاء على الخلية الكبدية من خلال الموت المبرمج، ودفع خلايا بعينها داخل الكبد إلى إفراز مواد كيميائية محفزة لإنتاج الأنسجة الليفية مما يؤدى إلى ظهور تليف بدرجات مختلفة وبشكل مطرد داخل أنسجة الكبد.ويعتبر قياس درجة هذا التليف من المؤشرات الهامة لتحديد المرحلة المرضية على المستوى النسيجى، وهناك بالطبع أدوات لقياس هذه الدرجة وأكثر من نظام معيارى لتحديدها. ويعد معيار “ميتافير”، وهو اسم الباحث الذى وضعه، هو الأكثر استخداما الآن، وهو يقسم المرض إلى أربعة مراحل طبقا لدرجة التليف، من المرحلة الأولى ذات التليف المحدود إلى المرحلة الرابعة والتى تسمى “تشمع الكبد”.
لأنسجة الكبد نسقا هندسيا محددا فى ترتيب الخلايا يسمح لها بالتعامل مع الدم المحمل بالمواد الغذائية التى تم امتصاصها من خلال الجهاز الهضمى وإرسالها للكبد عبر الوريد البابى، حيث يقوم الكبد بعمليات التمثيل الغذائى وإزاحة السموم والعمليات التخليقية للعديد من البروتينات الهامة، ثم إرسال هذا الدم إلى الدورة الدموية العامة من خلال الأوردة الكبدية. وبمجرد بدء عملية التليف يبدأ هذا النسق فى التأثر حتى يصل إلى درجة فقدانه الكامل واحلاله بمجموعة من “العقد” غير المنتظمة، وهى الحالة التى يطلق عليها “تشمع الكبد”، والوصول إلى هذه الحالة يتطلب فترة طويلة من الزمن قد تتجاوز العشرين سنة. ويؤدى تشمع الكبد إلى آثار سلبية على القدرة الوظيفية للكبد بشكل عام، وينتج عنه ارتفاع فى ضغط الدم داخل الوريد البابى من أثر الأنسجة الليفية الضاغطة عليه، ومحاولة الدم الهروب من هذا الضغط المرتفع باحثا عن مخرج، مما يؤدى إلى انتفاخ بعض الأوردة فى أسفل المرئ أو فى المعدة، وهو مايطلق عليه “الدوالى”، وتكون هذه الدوالى معرضة للنزيف وحدوث حالات القئ الدموى. وفى بعض الحالات، فان استمرار عملية تشمع الكبد لفترة طويلة من الزمن قد تفتح الطريق أمام تغيرات مسرطنة فى الخلايا الكبدية، مما يؤدى إلى ظهور بؤر سرطانية فى الكبد قد تكون مفردة أو متعددة.
على المستوى الوظيفى، فان الخلل الناتج عن القضاء على الخلايا الكبدية وعن التشمع يؤدى إلى قصور فى تخليق عدد من البروتينات الهامة للجسم مثل عوامل تجلط الدم وكذلك بروتين الزلال (الألبومين). نقص عوامل تجلط الدم يؤدى بالضرورة إلى قابلية النزيف من أماكن مختلفة بالجسم، ونقص الزلال يؤدى إلى تغيرات فى الضغط الأزموزى للدم وارتشاح السوائل داخل التجويف البريتونى، وهو ما يطلق عليه الاستسقاء. وكنتيجة لاختلال وظائف الجهاز المناعى على العديد من المستويات، يصبح المريض معرضا بشكل متكرر للعدوى البكتيرية التى ربما تتخذ أشكالا أكثر عنفا من المعتاد.وفى درجة متقدمة من القصور الوظيفى، يعجز الكبد عن إزاحة بعض السموم التى تؤثر بشكل سلبى على الجهاز العصبى مما ينتج عنه ما يسمى ب”الاعتلال الكبدى المخى” والذى يصل فى حدوده القصوى إلى الغيبوبة الكبدية.
وأخيرا، فهناك أيضا بعض التغيرات المرضية الناتجة عن تفاعلات مناعية مختلة، تظهر خارج نسيج الكبد.فمن الممكن حدوث التهابات مزمنة فى كبيبات الكلى قد تؤدى إلى قصور واضح فى وظائفها. ومن الممكن أيضا حدوث بعض الإصابات الجلدية مثل الحكة الجلدية والحزاز وأنواع أخرى من الطفح، كذلك هناك إصابات موصوفة فى الأوعية الدموية ناتجة عن الإصابة بهذا الفيروس. وفى أغلب الأحوال تختفى هذه الآثار بعد علاج المرضى من الفيروس وشفائهم تماما.


التشخيص واكتشاف المرض:

 

يميل فيروس “سى” إلى العدوى المزمنة، فبعد حدوث العدوى يتمكن قرابة 20% من المصابين بإزاحة الفيروس من الدم والشفاء تماما من هذا المرض من خلال الآليات الدفاعية لجهاز المناعة، ويظل الفيروس موجودا فى جسم 80% من المصابين بالعدوى مؤديا إلى حدوث التهاب كبدى مزمن يمتد لسنوات وعقود قبل ظهور مضاعفاته المختلفة.
بعد الإصابة بالعدوى مباشرة لا تظهر أعراض مرضية ملحوظة على غالبية المرضى، ويبقى تشخيص الالتهاب الكبدى الحاد نتيجة هذا الفيروس من الأشياء النادرة جدا فى الواقع، وفى حال ظهورها تكون هذه الأعراض عبارة عن اصفرار فى العين مع قئ واعياء واضطرابات فى وظائف الجهاز الهضمى وآلام فى البطن، ويكتمل التشخيص باكتشاف وجود الحمض النووى للفيروس فى دم المصاب مع غياب الأجسام المضادة للفيروس. عموما، فى أغلب الحالات، فان هذه الأعراض المرضية تكون غائبة، ويمر الطور الحاد للعدوى بهدوء مفلتا من اكتشافه.
بالنسبة للطور المزمن، والذى يتواجد فى حوالي 80% من المصابين، والذى يعنى بحكم التعريف، استمرار الفيروس والحالة الالتهابية الكبدية الناتجة عنه لمدة تتجاوز 6 شهور بعد الإصابة بالعدوى، فانه أيضا يفتقد الأعراض المرضية الواضحة فى مراحله المبكرة قبل حدوث تغيرات ملحوظة ومؤثرة فى خلايا وأنسجة الكبد.وتكون الأعراض فى عمومها غير نوعية مثل الشعور بالإعياء أو آلام بالبطن مع بعض المشاكل الهضمية. وبمرور السنين والعقود، وحدوث تغيرات خلوية ونسيجية بالقدر الذى يؤثر على وظائف الكبد سلبيا، تبدأ أعراض المضاعفات بالظهور مثل القئ الدموى أو تورم الساقين أو انتفاخ البطن نتيجة حدوث استسقاء مع ميل عام للنزيف واضطرابات فى السلوك ودرجة الوعى.
وبشكل عام فان تشخيص المرض يحتاج إلى استكمال أكثر من محور: إثبات وجود الفيروس وتقييم حالة الكبد على المستوى الوظيفى وتقييم مرحلة المرض على المستوى النسيجى.

1- إثبات وجود الفيروس:

 

بشكل عام يعد اكتشاف وجود الحمض النووى للفيروس فى الدم، وهو الاختبار المعروف باسم “بى سى آر”، هو الدليل الوحيد على وجود الفيروس واستمرار العدوى، كما أن غياب هذا الحمض هو الدليل الوحيد على الشفاء اما تلقائيا أو بعد الحصول على العلاج، بينما لا يعنى وجود الأجسام المضادة بالدم سوى أن هذا الإنسان قد تعرض للإصابة بالعدوى يوما ما من أيام حياته.
بعد العدوى مباشرة يبدأ الحمض النووى للفيروس فى التواجد بدم المصاب، ويحتاج الأمر إلى قرابة شهر لوجوده بالدم بالقدر الذى يسمح باكتشافه معمليا. ويعد اكتشاف هذا الحمض هو الوسيلة الوحيدة لتشخيص حالات الالتهاب الكبدى الحاد بعد العدوى، وهو أيضا الوسيلة الوحيدة لإثبات استمرارية وجود الفيروس واحتياج المريض للعلاج فى حالات الالتهاب الكبدى المزمن. بعبارة أخرى، فان وجود هذا الحمض النووى فى دم المصاب بعد مضى 6 شهور على وقت العدوى يعنى دخول المريض فى الطور المزمن للمرض، بينما يعنى غيابه فى هذا التوقيت شفاء المريض تلقائيا، وهو ما يحدث فى 20% من الحالات. كما يعد هذا الاختبار هو الوسيلة الوحيدة لمتابعة الاستجابة للعلاج وتأكيد حدوث الشفاء.
مع حدوث العدوى تبدأ ردود أفعال الجهاز المناعى فى مواجهة هذا الفيروس، والتى تشمل تكوين بروتينات محددة تسمى “الأجسام المضادة” للفيروس. والواقع أن الأبحاث العلمية أكدت أن هذه الأجسام المضادة لا تلعب أى دور فى حماية الإنسان من الإصابة بالعدوى، كما يفهم من تسميتها، وكما هو الحال فى العديد من أنواع العدوى الفيروسية والبكتيرية الأخرى، ولكن وظيفتها الأهم فى الوقت الراهن هى استخدامها كاختبار تشخيصى يفيد بتعرض الإنسان للإصابة بهذا الفيروس من قبل. وتبدأ هذه الأجسام المضادة فى التواجد بالقدر الذى يسمح باكتشافها معمليا بعد حوالي 6 شهور من العدوى، وبالتالى فإن دورها التشخيصى يقتصر فقط على الطور المزمن من المرض، كما أنها تستمر متواجدة فى الدم مدى الحياة حتى بعد الشفاء من المرض.
ومن الجدير بالإشارة فى هذا السياق، أن وجود الأجسام المضادة لفيروس سى فى دم الإنسان لا يعنى بالضرورة أن هذا الإنسان مريض ويستحق العلاج، لأن هناك حوالي 20% من الحالات تنجح فى إنجاز الشفاء التلقائى، ومع ذلك تستمر هذه الأجسام المضادة فى دمائها. كذلك المرضى الذين تناولوا العلاج وحققوا شفاء كاملا، لا يستطيعون التخلص من هذه الأجسام المضادة، ويبقى اختبار وجود الحمض النووى للفيروس فى الدم هو المعيار الوحيد للتمييز بين حالتى المرض والشفاء. وحيث أن المغزى الوحيد لوجود الأجسام المضادة هو أن هذا الإنسان قد تعرض يوما ما فى حياته للإصابة بالعدوى، يصبح لها دورا هاما فى المسوح الصحية التى تستهدف اكتشاف المرضى الذين لم يتم تشخيضهم، حيث إن هذا الاختبار بسيط ورخيص نسبيا، بالقياس إلى اختبار الحمض النووى، ومن ثم يمكن تعميم اختبار الأجسام المضادة على كل السكان الخاضعين للمسح، كخطوة أولية، واقتصار إجراء اختبار الحمض النووى على الحالات التى يثبت وجود الأجسام المضادة فى دمائها، لتأكيد وجود المرض.

2- تقييم حالة الكبد على المستوى الوظيفى:


هذا المحور فى التشخيص له أهمية شديدة فى اكتشاف درجة تطور المرض فى الكبد على مستوى أدائه الوظيفى واكتشاف المضاعفات والتعامل معها، كما أنه يلعب دورا هاما فى اختيار أنسب الأنظمة العلاجية، الموجهة ضد الفيروس، والتى يستطيع الكبد أن يتقبلها ويتحمل آثارها دون حدوث أى تدهور فى وظائفه. وتنقسم هذه الاختبارات إلى قسمين رئيسين:

الاختبارات النوعية والاختبارات الكمية.
تشمل الاختبارات النوعية اختبارات قياس انزيمات الكبد فى الدم وكذلك مستوى الصفراء، وهذه الانزيمات هى بروتينات تنتجها الخلايا الكبدية ولا يرتفع مستواها فى الدم الا مع موت هذه الخلايا وضخ محتوياتها فى الدورة الدموية، وبالتالى فإن ارتفاع مستواها يعد من المؤشرات الالتهابية الهامة للكبد.وترتفع هذه الانزيمات بشكل شديد جدا فى الالتهابات الكبدية الحادة (تصل إلى عشرات الأضعاف لمستواها الطبيعى فى الدم) والتى تشهد تدميرا واسعا لخلايا الكبد، بينما يبقى هذا الارتفاع فى مستوى معتدل فى الالتهابات المزمنة. وبشكل عام فإن هناك اتفاقا على اعتبار أى ارتفاع لمستوى هذه الإنزيمات بالدم يفوق ضعفى حدها الأقصى الطبيعى يعتبر مؤشرا لحدوث الالتهاب الكبدى. وجدير بالذكر أيضا أن الحالات المتقدمة من المرض والتى تشهد موت عدد كبير من الخلايا الكبدية، لا تكون مصحوبة بارتفاع فى هذه الانزيمات، لأن الخلايا المنتجة لها لم تعد كافية لذلك.
ارتفاع الصفراء بالدم، والذى قد يكون مصحوبا باصفرار العينين والجلد إن كان شديدا، هو أيضا من المؤشرات الهامة لاعتلال الخلايا الكبدية. والصفراء مادة تنتج عن تكسير خلايا الدم الحمراء بعد انتهاء عمرها، ويتعامل معها الكبد بعد ذلك بتفاعلها مع بروتينات محددة لضخها إلى القنوات ثم الحويصلة المرارية للاستفادة منها فى عملية الهضم. وفى حال عجز الخلايا الكبدية عن اتمام هذه العملية، ترتفع نسبة الصفراء بالدم، ويكون هذا الارتفاع شديدا فى الالتهابات الحادة المصحوبة بأعراض اكلينيكية، بينما يكون غائبا أو ضئيلا فى حالات الالتهابات المزمنة باستثناء الحالات المتقدمة منها أو المصحوبة بمضاعفات أخرى.
الاختبارات الكمية هى المسئولة عن قياس القدرة الوظيفية الكلية للكبد، أى قدرته على الوفاء بوظائفه الحيوية التى يحتاجها الجسم. وتعتمد هذه الاختبارات على قياس مستويات بروتينات محددة فى الدم، يقوم بتخليقها الكبد بشكل حصرى. من أهم هذه البروتينات، الزلال (الألبومين) وعوامل التجلط، ويعتبر انخفاض مستوياتها فى الدم من المؤشرات الهامة للقصور الكبدى بدرجاته المختلفة. والحقيقة أن عملية التقييم الوظيفى للكبد تشمل أكثر من اختبار، وقد تكون نتائج هذه الاختبارات ليست على الدرجة الكافية من التطابق، مما خلق الحاجة إلى نظام حسابى معيارى يستخدم هذه النتائج فى هذا التقييم. ويعد معيار “تشايلد”، وهو اسم الباحث الذى وضعه، هو الأكثر استخداما فى هذا السياق، وهو يقوم على تقسيم المرضى إلى ثلاثة قطاعات رأسية وظيفيا: قطاع (أ) وهم المرضى الأكثر كفاءة على مستوى وظائف الكبد الكلية، وقطاع (ب) ذو الكفاءة المنخفضة نسبيا، وقطاع (ج) وهم المرضى الذين يعانون من قصور كبدى واضح.

3- تقييم حالة الكبد على المستوى النسيجي:


من المتطلبات الهامة لاستكمال تشخيص المرضى المصابون بعدوى فيروس سى معرفة المرحلة النسيجية لتطور المرض فى الكبد، وهناك أكثر من معيار حسابى لتحديد هذه المرحلة، أكثرهم استخداما فى الوقت الراهن، معيار ميتافير كما أشرنا من قبل. ويعتمد هذا المعيار على تقسيم المرضى إلى أربعة مراحل طبقا لدرجة التليف الموجودة فى الكبد، تبدأ بالتليف المحدود (المرحلة الأولى) وتنتهى بتشمع الكبد (المرحلة الرابعة). وجتى وقت قريب كان الأمر يستلزم سحب عينة من نسيج الكبد بواسطة ابرة خاصة، وتعريضها لصبغات محددة ثم فحصها تحت الميكروسكوب، لإتمام هذه المهمة. وبرغم درجة أمان هذا التكنيك العالية، إلا أن الاتجاهات الحديثة فى الطب تميل دائما إلى استخدام أدوات أقل عدوانية على الجسم البشرى فى التشخيص والعلاج، مما أدى إلى ظهور وسيلة تشخيصية جديدة تعتمد على قياس درجة مرونة أنسجة الكبد عن طريق تعريض جدار البطن إلى مجس خارجى، دون الحاجة إلى سحب عينات نسيجية، ثم تحديد مرحلة التليف على معيار ميتافير من خلال المعادلات الحسابية، وهذا الفحص يسمى “الفيبروسكان” وترجمته المباشرة بالعربية هى المسح التليفى.
لتحديد مرحلة التليف أهمية كبرى فى تحديد النظام العلاجى المناسب للمريض، وأيضا، وبدرجة أهم، تحديد ضرورات وخطط برنامج المتابعة الطبية للمريض بعد اتمام الشفاء من العدوى الفيروسية. وبشكل عام فإن مرضى المراحل المبكرة للتليف (الأولى والثانية) غير معرضون لمضاعفات بعد شفائهم من الفيروس، نظرا لأن الكبد مازال يحتفظ بنسقه الهندسى الطبيعى ومازالت خلاياه قادرة على الوفاء بوظائفه الحيوية ومازال ضغط الدم فى الوريد البابى طبيعيا، وبالتالى تنتفى ضرورات المتابعة الطبية لهؤلاء المرضى بعد التأكد من شفائهم، ولا حاجة لهم لزيارة عيادات الكبد مرة أخرى. بينما يبقى مرضى المراحل المتقدمة (الثالثة والرابعة)، ولاسيما فى وجود تشمع للكبد، معرضون لبعض المضاعفات الخاصة بتأثر وظائف الكبد ونزيف دوالى المرئ والمعدة، والأهم هو احتمال ظهور أورام سرطانية فى الكبد خاصة إذا كانت الفترة التى تعرض فيها الكبد للتشمع طويلة. وبالتالى، فإن هؤلاء المرضى لابد أن يخضعوا لفحوص معملية وفحص بالموجات فوق الصوتية وقياس مستوى دلالات أورام الكبد (ألفافيتوبروتين) بالدم بشكل دورى، على الأقل مرة كل ستة شهور. وتكون وظيفة برنامج المتابعة الدورية فى هذه الحالات هى الاكتشاف المبكر للمضاعفات والتعامل معها علاجيا فى مهدها حتى يمكن السيطرة عليها ومنع تفاقمها.
وفى النهاية هناك بعض الفحوص اللازمة أيضا لاستكمال التشخيص مثل فحص البطن بالموجات الصوتية لتحديد حجم الكبد وشكله، واكتشاف أى بؤر سرطانية، وتحديد حجم الطحال، وكذلك إثبات وجود الاستسقاء من عدمه. ، هنالك أيضا فحص الجهاز الهضمى العلوى بالمنظار التشخيصى لاكتشاف وجود الدوالى، فى حالات تشمع الكبد. والعديد من الفحوص الأخرى مثل عد خلايا الدم واختبارات وظائف الكلى وهرمونات الغدة الدرقية وغيرها من الاختبارات المعملية.

 

العلاج.. قصة الرحلة المثيرة:

 

مع بدايات اكتشاف فيروس سى فى نهاية ثمانينيات القرن العشرين، اتجهت الاستراتيجيات المبكرة لعلاج هذا المرض إلى محاولة دعم الجهاز المناعى البشرى فى معركته مع هذا الفيروس أملا فى القضاء عليه، وكان الإنترفيرون هو الأداة التى اتجهت إليها الأنظار لتحقيق هذه المهمة.
الإنترفيرون هو مادة بيولوجية ينتجها الجسم كأحد الوسائط الكيميائية المناعية، ولها أثر مضاد للفيروسات وبعض الأورام السرطانية، وبعد العدوى الفيروسية بشكل عام يقوم الجسم البشرى بإفراز كميات متزايدة من هذا المركب البيولوجى فى محاولة لاحتواء العدوى والقضاء على الفيروس. وفى العقود الأخيرة تمكن العلم، بفضل تطبيقات الهندسة الوراثية، من إنتاج الإنترفيرون خارج الجسم البشرى معمليا، مستخدما فى ذلك آليات الحياة الموجودة فى خلايا بعض البكتيريا والفطريات، وكان ذلك بالتأكيد انتصارا عظيما.
بدأت أولى مراحل استخدام الإنترفيرون فى علاج المرضى المصابين بفيروس “سى” بعد اكتشاف الفيروس بفترة وجيزة، وكانت المحاولات الأولى تعتمد على استخدام الإنترفيرون المعتاد والذى يتطلب حقن المريض به ثلاثة مرات أسبوعيا على الأقل. وكانت مدة العلاج فى البداية ستة شهور، سرعان ما أصبحت سنة كاملة، لاسيما مع النوع الجينى الأول والرابع. ولم ينجح الإنترفيرون المعتاد وحده فى تحقيق نسب شفاء تتجاوز الـ30%، مما استدعى الأمر إضافة عقار الريبافيرين معه، وهو عقار يثبط حيوية الفيروس ولكن دون أن يقتله، وهو يؤخذ عن طريق الفم، غير أن تلك الإضافة لم تحسن الأثر العلاجى بشكل كبير.
مع بداية الألفية الثالثة تم الترخيص باستخدام الإنترفيرون المبجل (وهو يتكون من جزئ الإنترفيرون بعد معالجته كيميائيا بإضافة مادة البولى ايثيل جليكول إليه) والذى يتميز عن الإنترفيرون المعتاد بقدرته على البقاء داخل الجسم البشرى لفترة طويلة دون تكسير. وكان العلاج يتكون من حقنة واحدة أسبوعيا مع كبسولات الريبافيرين يوميا لمدة عام كامل بالنسبة للنوع الجينى الرابع الأكثر انتشارا فى مصر. واستطاع الإنترفيرون المبجل تحقيق معدلات شفاء أفضل نسبيا من الإنترفيرون المعتاد، إلا أنها لم تتجاوز 50-60% من إجمالى الحالات التى يتم علاجها.
والحقيقة أن المشكلات الأهم للعلاج بالإنترفيرون لم تكن فقط نسب الشفاء غير العالية، ولكنها اشتملت أيضا محدودية استخدام هذا العلاج على المراحل المبكرة من المرض فقط وعدم ملاءمته للمراحل المتقدمة، كما تعددت موانع استخدام هذا العلاج أيضا لتشمل المرضى المصابين بأمراض القلب والقصور الكلوى والاكتئاب وعدد كبير من أمراض الجهاز المناعى، وكانت عملية اختيار أنسب المرضى ملاءمة لاستخدام هذا العلاج عملية شاقة ومعقدة وتستلزم خبرة خاصة فى هذا المجال. أيضا كانت الأعراض الجانبية لهذا العلاج متعددة وبعضها شديد الخطورة، وكان من المألوف أن يتم إيقاف العلاج لدى بعض المرضى عند ظهور مثل هذه الأعراض. وفى الواقع، فإن تجربة العلاج بالإنترفيرون لمدة عام كامل كانت تجربة شديدة المرارة، وستظل محفورة فى ذاكرة كل من تناول هذا العلاج على الأغلب.
فى بداية الألفية كان هناك منتجان عالميان للإنترفيرون المبجل تنتجهما شركتان أوروبية وأمريكية، وكان سعر الحقنة الواحدة وقتها 1200 جنيها مصريا (يحتاج المريض إلى 48 حقنة لاستكمال علاجه)، وبعد سنوات قليلة تمكنت إحدى شركات الدواء الخاصة فى مصر من انتاجه بالاستعانة بتكنولوجيا ألمانية، وقد تعرض هذا المنتج المحلى لهجوم اعلامى كبير مدعوم من الاحتكارات الدولية، بالرغم من أن الدراسات المنشورة أثبتت تشابه نتائجه مع أقرانه من المنتجين المستوردين. نظرا لفارق السعر الضخم، استخدمت هيئة التأمين الصحى المنتج المحلى فى مشروعها العلاجى، بينما ظلت مراكز وزارة الصحة مستمرة فى التعامل مع المنتجات المستوردة، وقد نجح المنتج المحلى فى إجبار الشركات الدولية على تخفيض أسعار منتجاتها فى مصر من 1200 إلى 250 جنيها مصريا للحقنة الواحدة (تخيلوا معى حجم هامش الربح الذى يسمح بهذه التخفيضات) وذلك فى إطار حرصها على التواجد فى السوق المصرية باعتبار مصر من أهم البؤر الملتهبة لانتشار فيروس “سى” على مستوى العالم.
فى تلك الأثناء، ومع العجز الواضح للعلاج بالإنترفيرون عن تلبية طموحات تحقيق الشفاء لغالبية المرضى على مختلف مراحلهم المرضية، وفى ظل مناخ ثقافى عام يسمح للخرافة بالصعود، خصوصا فى المساحات التى لم ينتصر فيها العلم بعد، ظهرت فى مصر أنماطا عديدة من الادعاءات التى قدمت نفسها على أنها العلاج الشافى من فيروس “سى”. بعض هذه الادعاءات ارتدى ثوب العلم باعتماده على فرضيات غير مثبتة أو نتائج غير مؤكدة أو ادعاءات لا علاقة لها بالعلم من الأساس، والآخر ارتدى ثوب الدين باعتماده على بعض كتب التراث، مثل العلاج ببول الإبل. والواقع أن مساحة هذه السطور لا تكفى لعرض كل هذه الادعاءات، ولكنى سأكتفى بعرض أحدها كنموذج واضح لخطورة تجاهل العلم والارتماء فى أحضان الخرافة.
فى التسعينيات، قامت مؤسسة الأهرام الصحفية بتأسيس شركة للأدوية كان كل نشاطها هو استيراد أحد الأدوية المستخلصة من أعشاب صينية وكانت تسمى “دى دى بى”، وعرفت فى مصر باسم الحبة الصفراء، حيث كان هذا الدواء عبارة عن حبيبات صغيرة الحجم وصفراء اللون. لأسباب عديدة، لا تخلو من الفساد، تم تسجيل هذا “الدواء” بسرعة البرق فى وزارة الصحة وتم الترخيص باستخدامه فى علاج مرضى فيروس “سى”، وكانت مؤسسة الأهرام تستضيف كل عام مجموعة ممن أسمتهم بـ”العلماء الصينيين” ويعقدون اجتماعا تحت مسمى “مؤتمر علمى” تدعو إليه مجموعة من الأطباء المصريين لكى يستمعوا إلى أساطير عظمة هذا الدواء، كما كانت تقوم بتمويل سفر مجموعة من أطباء الكبد المصريين سنويا إلى الصين كل عام لحضور اجتماع مشابه هناك. انتشر هذا الدواء فى مصر بسرعة شديدة، وكان يستخدم على نطاق واسع فى علاج مرضى فيروس “سى”، ووصل الأمر إلى الدرجة التى دفعت الهيئة العامة للتأمين الصحى إلى اعتماده ضمن قائمة الأدوية التى تقوم الهيئة بصرفها لهؤلاء المرضى (تم سحب هذا الاعتماد منذ سنوات قليلة). والأغرب من ذلك هو قيام بعض الباحثين والأطباء المصريين بنشر أبحاث فى بعض المجلات المحلية تفيد بفاعلية هذا الدواء الكبيرة فى الشفاء من فيروس “سى”. وبالرغم من كل الدعايات المغلوطة التى تم ترويجها لهذا الدواء، فإنه بالقطع لم يحقق أى نجاحات فى علاج هؤلاء المرضى، واتضح أن انخفاض أحد إنزيمات الكبد بعد استخدامه، والذى استخدم بكثرة فى الترويج له، كان انخفاضا كاذبا نتيجة لبعض التفاعلات الكيمائية وليس بسبب أى تحسن يذكر فى وظائف الكبد. غير أن الأمر الأهم فى هذا الصدد لم يتم إثباته إلا فى هذا العام (2016) بعد نشر بحث هام فى أحد دوريات علم الأدوية العالمية (مجلة البحوث والتكنولوجيا الدوائية المتقدمة، عدد أبريل 2016)، تم إجراؤه فى معهد تيودور بلهارس على حيوانات التجارب، ويفيد بحدوث تغيرات خلوية مسرطنة فى خلايا الكبد بعد استخدام هذا الدواء، ويطرح تساؤلا هاما حول احتمالية أن يكون الاستخدام الواسع لهذا الدواء فى مصر هو أحد أسباب انتشار سرطان الكبد. إن هذا البحث يشير وبشكل واضح إلى خطورة مثل هذه الادعاءات غير العلمية، تلك الخطورة التى من الممكن أن تظهر آثارها المدمرة، ليس فقط بشكل آنى، ولكن أيضا بعد سنوات وربما عقود من الاستخدام.
بعد مرور أكثر من عشر سنوات على استخدام الإنترفيرون المبجل فى علاج هذا المرض، لاح فى الأفق أمل جديد استطاع أن يحقق طفرة هائلة بكل المعايير العلمية فى علاج الأمراض الفيروسية المزمنة، وعلى الأخص فيروس “سى”. كان العلم قد استطاع التوصل إلى معرفة التركيب البروتينى للفيروس، وبدأ الاتجاه نحو استراتيجية جديدة للعلاج تستهدف واحد أو أكثر من هذه البروتينات لتعطيل عملها ومنع الفيروس من التكاثر ومن ثم القضاء عليه. وفى حقيقة الأمر فإن هذا التوجه كان قد بدأ فى نهاية تسعينيات القرن الماضى، إلا أن اكتماله لم يتحقق إلا فى نهاية عام 2013 بعد الترخيص باستعمال دواء السوفوسبوفير، والذى أطلقت عليه الشركة الأمريكية المنتجة له (شركة جلعاد) اسم “سوفالدى”. كانت هذه الخطوة هى أولى خطوات تحقيق الانتصار فى معركة القضاء على فيروس “سى”، وتوالت أعدادا أخرى من الأدوية بعد ذلك والتى تدور فى نفس الاتجاه، وأصبح من الممكن الآن استخدام نوعين من الدواء يعطل كل منهما أحد البروتينات الهامة فى تكاثر الفيروس، وهو ما يعنى الهجوم على موقعين مختلفين من المواقع شديدة الأهمية بالنسبة للخصم فى آن واحد مما يعظم من فرص الانتصار.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الأدوية لا يمكن أن تستخدم بشكل منفرد، لأن ذلك من الممكن أن يمنح الفيروس فرصة للإفلات من تأثيرها المباشر وتطوير سلالة فيروسية مقاومة للعلاج، وبالتالي فإن استخدام أكثر من دواء فى نفس التوقيت هو أمر أساسى فى العلاج. بدأت المحاولات الأولى باستخدام السوفوسبوفير مع الإنترفيرون المبجل والريبافيرين لمدة ثلاثة شهور أو استخدام السوفوسبوفير مع الريبافيرين فقط لمدة ستة شهور، وبالرغم من أن نسب الشفاء كانت أفضل كثيرا من ذى قبل، إلا أنها كانت تتأرجح بين 70-80%. بعد ظهور أدوية جديدة تعطل أنواعا مختلفة من بروتينات الفيروس مثل الداكلاتاسفير والليدباسفير والسيميبريفير والفالباتاسفير وغيرها، أصبح من الممكن الآن استخدام أكثر من بروتوكول علاجى يعتمد على نوعين على الأقل من هذه الأدوية. والوضع الراهن فى مصر يعتمد على استخدام السوفوسبوفير مع الداكلاتاسفير مع إمكانية إضافة الريبافيرين إليهما، كعلاج لهذا المرض يستغرق ثلاثة شهور (أو ستة شهور فى حالة حدوث انتكاسة). واستطاع هذا البروتوكول العلاجى أن يحقق نسب شفاء تتراوح بين 96% و98%. والأمر لن يتوقف عند هذا الحد، فبعد انطلاق الطفرة، تستمر الأبحاث لتطوير أدوية تحقق نسب شفاء 100% ويتم استخدامها على مدى زمنى أقل (أربعة أسابيع)، وهناك أيضا أبحاث جادة لتطوير علاج يتكون من حقنة واحدة يستخدمها المريض مرة أو مرتين على الأكثر وتستطيع القضاء على الفيروس نهائيا. باختصار، هذا الفيروس يحتضر الآن بفضل العلم وتطوراته وبعيدا عن كل تنويعات الخرافة.
الشفاء أمر ممكن فى المرضى المصابين بعدوى فيروس “سى”، على خلاف الأمر فى العديد من أنواع العدوى الفيروسية المزمنة، والتى تنتهى أقصى طموحات العلاج لديها فى دائرة بقاء الفيروس فى حالة كمون داخل الجسم. وللشفاء فى مرضى فيروس “سى” مؤشرات للقياس أهمها على الإطلاق هو عدم وجود الحمض النووى للفيروس فى دم المصاب بعد مرور ثلاثة أشهر على انتهاء العلاج، وهو مايعرف باسم الاستجابة المستدامة للعلاج. وعلميا، هناك ثلاثة أنواع من الاستجابة للعلاج: الاستجابة المبكرة (بعد مرور شهر من بدء العلاج) واستجابة نهاية العلاج (بعد انتهاء العلاج مباشرة) والاستجابة المستدامة والتى تعنى بشكل حاسم “الشفاء”. ولكن هل كل شفاء من العدوى يعتبر نهاية للمرض؟ الإجابة على هذا السؤال تتوقف على الحالة النسيجية للكبد ومرحلة التليف، ففى المراحل المبكرة (الأولى والثانية) والتى توجد فى أكثر من 70% من المرضى ينتهى المرض تماما، أما فى المراحل الثالثة والرابعة من معيار “ميتافير”، فالقضاء على الفيروس لا ينفى ضرورة خضوع هؤلاء المرضى للفحوص الدورية للاكتشاف المبكر للمضاعفات كما أشرت سابقا.
إتاحة الدواء هو مفهوم تبنته منظمة الصحة العالمية منذ بدايات الألفية الثالثة، وهو معنى بكيفية وصول الدواء إلى كل المرضى الذين هم بحاجة إليه على مستوى العالم بغض النظر عن المستوى الاقتصادى لهم أو لبلادهم. وبرغم نبل هذه القضية وعدالتها، الا أن الآليات التى تم اتباعها لتحقيق هذه الإتاحة، والتى اعتمدت بشكل أساسى على المفاوضات مع الشركات الدولية المنتجة للأدوية لتخفيض أسعارها، لم تستطع أن تحقق نجاحا يذكر.
مع ظهور دواء السوفالدى، وضعت شركة جلعاد الأمريكية المنتجة له سعرا باهظا بدرجة تفوق الخيال، حيث كان سعر القرص الواحد ألف دولار أمريكى، وسعر العلبة التى تكفى أربعة أسابيع 28 ألف دولار أمريكى. ولكن هذه الشركة كان لها تجربة شديدة المرارة مع شركات الدواء فى الهند فيما يتعلق بأدوية علاج مرضى الإيدز. فاتفاقية التجارة العالمية، والتى تسمح بحماية احتكار إنتاج الدواء للشركة التى طورته من خلال منحه حق الملكية الفكرية، قد منحت كل دولة على حدة حق إصدار تشريع محلى يعرف الابتكار الذى يستحق حقوق الملكية الفكرية. كانت الهند من الدول السباقة فى هذا الأمر وأصدرت تشريعا يحدد أن الابتكار المستحق للحماية هو المستحدث بالكامل فقط، وليس مجرد تطويرا لابتكارات سابقة. من المعلوم جيدا، أن شركات الأدوية الكبرى تقوم دائما بتطوير منتجاتها فى نهايات فترة الحماية وتقديمها فى صورة منتجات جديدة ومختلفة للحصول على فترة حماية جديدة، وهى السياسة التى تعرف باسم “التخضير الأبدى”. كان التشريع الذى قامت الهند باصداره يقف فى مواجهة هذه السياسة التى تكرس احتكار الدواء، ونجحت الهند منذ سنوات فى عدم منح حق الملكية الفكرية لدواء التينوفوفير الذى يستخدم لعلاج الايدز وتنتجه شركة جلعاد، وكانت النتيجة هى سيطرة الشركات الهندية التى تقدم منتجاتها بسعر منخفض على 80% من السوق العالمى لهذا الدواء.
فى فبراير 2014 هرولت ثلاثة من الشركات الدولية الكبرى المنتجة لأدوية فيروس “سى” لحضور اجتماع المجلس الاستشارى للجمعية العالمية لفيروس “سى” والذى انعقد فى مدينة بانكوك، بعد أن كانت قد تعلمت الدرس من تجربة أدوية الإيدز. فى هذا الاجتماع قدمت الشركات الثلاثة سياستها السعرية لتلك الأدوية والتى تستهدف السيطرة على السوق العالمى وتحجيم دخول الشركات الهندية فيه الا من داخل الأطر التى تقبلها هذه الاحتكارات، وأطلقت الشركات على تلك السياسة التسويقية مسمى “إتاحة الدواء”. قامت تلك السياسة على تقسيم العالم إلى ثلاثة قطاعات رأسية طبقا لتقسيم البنك الدولى والذى يعتمد على نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى (دول مرتفعة الدخل ومتوسطة الدخل ومنخفضة الدخل)، وطرح ثلاثة أنماط من الأسعار لكل قطاع على حدة: سعر عالمى حر فى الدول مرتفعة الدخل، وسعر معاير فى الدول متوسطة الدخل، واقترحت تلك الشركات منح بعض المصانع الهندية ترخيصا طوعيا بإنتاج الدواء على أن يقتصر بيع إنتاجها بسعر منخفض للغاية فى الدول منخفضة الدخل. وقد كان السعر الذى اقترحته شركة جلعاد للسوفالدى فى الدول منخفضة الدخل هو 300 دولار أمريكى للعلبة (1% من سعره فى الولايات المتحدة الأمريكية)، وانتهى الأمر بالتعاقد مع سبعة شركات هندية وقتها (العدد الآن أكبر من ذلك) لإتمام ذلك. كانت تلك محاولة لاحتواء المصانع الهندية وتعويقها عن تصنيع الدواء خارج أطر تلك الشركات وطرحه فى السوق العالمى بسعر زهيد، وواقع الحال أن هذه الشركات الدولية لم تنجح طويلا فيما سعت اليه بعد أن رفضت الهند منح حق الملكية الفكرية لهذه الأدوية ودخول العديد من الشركات الهندية فى عملية التصنيع دون أى عوائق قانونية أو التزام بالحصول على ترخيص مسبق من الشركات الدولية.
مصر تقع، طبقا لتصنيف البنك الدولى، فى الشريحة الدنيا من الدول متوسطة الدخل. كانت استراتيجية وزارة الصحة فى البداية تقوم على استيراد هذه الأدوية لعلاج المرضى، وقد وقعت الحكومة عقدا مع شركة جلعاد لتوفير السوفالدى فى مصر بسعر الدول منخفضة الدخل فى مراكز علاج الكبد بوزارة الصحة (300 دولار أمريكى للعلبة) وبسعر معاير فى الصيدليات الخاصة (14900 جنيه مصرى للعلبة)، وكان الاتفاق أن تقوم الشركة الأمريكية بتوريد ما يكفى لعلاج 50 ألف مريض كمرحلة أولى. وكان ذلك العدد الضئيل عقبة أمام البدء فى علاج كل المرضى الذين تقدموا للعلاج عبر الانترنت والذى بلغ عددهم حوالي مليون و200 ألف مريض، كما حدثت بعض المشكلات نتيجة تأخر وصول بعض الدفعات من الأدوية وأخرى نتيجة عدم توفر العملة الصعبة. بالتوازى مع ذلك، كان هناك عملا هاما تؤديه لجنة حقوق الملكية الفكرية فى مصر، والتى كانت تنظر فى طلب جلعاد بمنح هذا الحق للسوفالدى. كان قرار اللجنة هو عدم منح هذه الأدوية حقوق الملكية الفكرية نظرا لأنها ليست ابتكارا مستحدثا بالكامل، وكان ذلك متوافقا مع قرارات العديد من الدول الأخرى وعلى رأسها الهند.

كان هذا القرار يعنى السماح فورا للشركات المصرية المحلية بإنتاج هذه الأدوية، خصوصا مع توافر المادة الخام لها فى أسواق الهند والصين والمملكة العربية السعودية.
كانت التقارير المنشورة حول المعدلات المرتفعة جدا للعدوى بفيروس “سى” فى مصر دافعا قويا لشركات الدواء المحلية للتسابق فى إنتاج هذه الأدوية والتى ينتظرها سوقا شديدة الاتساع. بدأ الأمر بثلاثة أو أربعة شركات ليصل الآن إلى ستة عشرة شركة. ولكن واقع الأمر لم يكن متطابقا مع التقديرات الإحصائية لأعداد المرضى فى مصر، حيث كان عدد المرضى الذين يعلمون حقيقة مرضهم، والذين تقدموا فعلا لمشروع العلاج عبر الإنترنت، قليلا بالقياس إلى التقديرات المنشورة. ونتيجة لذلك، ازدادت حدة وضراوة المنافسة بين هذه الشركات، وبدأ ماراثون تخفيضات الأسعار غير المسبوق فى تاريخ صناعة الدواء فى مصر، فبعد أن كان سعر علبة مثيل السوفالدى المصرى 2670 جنيه فى بداية ظهوره، وصل سعره، حتى كتابة هذه السطور، مع صنفين آخرين من الأدوية إلى 500 حنيه مصرى، لتصبح التكلفة الإجمالية لعلاج المريض الواحد 1500 جنيه، ومازالت حمى التخفيضات مرشحة للتصاعد.هذا الحال أدى إلى اضطرار المراكز العلاجية لوزارة الصحة لقبول استخدام المنتجات المصرية فى مشروعها العلاجى وعدم التعامل مع المنتجات المستوردة، كما أدى أيضا إلى لجوء مئات الآلاف من المرضى الذين ظلوا على قوائم الانتظار لمدد تتراوح بين ستة شهور وعام كامل، إلى شراء العلاج على نفقتهم الخاصة بعد هذا الانخفاض الشديد فى أسعاره، مما أدى فى نهاية الأمر إلى اختفاء قوائم الانتظار فى وزارة الصحة. وبعد مضى عامين من بدء العلاج بهذه الأدوية، بلغ عدد المرضى الذين تم علاجهم من خلال مركز الكبد بالوزارة وهيئة التأمين الصحى معا حوالي 700 ألف مريض، أما باقى المرضى، فقد استطاعوا الحصول على العلاج على نفقتهم الخاصة. هذا الإنجاز الضخم ما كان من الممكن أن يتحقق لولا قرار عدم استحقاق هذه الأدوية لحق الملكية الفكرية. فى هذا السياق، أود أن أتوجه بتحية عميقة وتقدير شديد لأعضاء لجنة الملكية الفكرية فى مصر، والذى كان قرارهم هو بداية طريق تصنيع هذه الأدوية محليا، وهو الذى قدم أيضا امكانية الخلاص من هذا المرض للمصريين. هذه اللجنة لم تنل حقها من التكريم وحرمت حتى من القاء الضوء على هذا القرار الشجاع والنبيل الذى اتخذته.
فى السنة الأخيرة كانت هناك دعوات متكررة فى الدول الأوروبية تطالب بضرورة توجيه الاهتمام إلى التشخيص، بعد أن أصبح العلاج ممكنا وفعالا، وأن تكون جهود المؤسسات الصحية مركزة بشكل أكبر على اكتشاف المرضى المجهولين. كما طالبت هذه الدعوات أيضا بضرورة توسيع مساحة مقدمى الخدمة العلاجية لهذا المرض لتشمل عددا أكبر من الأطباء الممارسين بدلا من حصرها فى خبراء ومتخصصى أمراض الكبد. والحقيقة أن هذه الدعوات على درجة عالية من الأهمية لاسيما فى واقعنا المصرى، فلدينا عدد غير محدد من المرضى يعيشون وسط المجتمع ويحملون فى دمائهم هذا الفيروس ولا يعلمون شيئا عن هذه الحقيقة، وتكون النتيجة هى حرمانهم من حق العلاج والسماح للمرض بالتطور وحدوث المضاعفات، وأيضا هؤلاء هم الوعاء البشرى الحامل للعدوى والذى يقوم بتوزيعها على الآخرين بشكل دائم مما يجعل كل جهود العلاج غير مجدية بالقدر الكافى طالما ظلت أفواجا جديدة من المصابين بالعدوى تنضم إلى قوافل المرضى كل عام. الاهتمام بالتشخيص من خلال مسح طبى قومى شامل هى المهمة الأكثر إلحاحا الآن فيما يتعلق بعلاج هذا المرض ومكافحته أيضا.

على جانب آخر، مازال تقديم العلاج فى وزارة الصحة وهيئة التأمين الصحى فى مصر مقتصرا على المراكز العلاجية التابعة للجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية ولجان الكبد فى عيادات التأمين الصحى، والحقيقة أن هذا الأمر كان ضروريا فى زمن العلاج بالإنترفيرون حيث كان اختيار المرضى للحصول على العلاج أمرا معقدا ويحتاج إلى خبرة خاصة، كما كانت الأعراض الجانبية لهذا العلاج متعددة وخطيرة وتحتاج إلى متخصصين على درجة عالية للتعامل معها. غير أن الأمر فى الأدوية الحديثة مختلف تماما، نظرا لدرجة أمانها العالية ومطابقتها للغالبية الساحقة من المرضى، وبالتالى يصبح من الضرورى توفير هذه الأدوية فى كل مستشفيات وزارة الصحة العامة والمركزية وعيادات التأمين الصحى وصرفها للمرضى عن طريق الأطباء العاملين فى هذه المنشآت دون الحاجة إلى تحميل المرضى جهدا إضافيا فى الانتقال لمقار المراكز واللجان المتخصصة وانتظار أدوارهم فى العرض عليها. ومن الممكن القبول بمتابعة مرضى الحالات المتقدمة من خلال خبراء المراكز، ولكن العدد الأكبر من المرضى هم من الحالات المبكرة والتى لا تستدعى هذه الضروروات.


القضاء على فيروس سي:


لا يمكن تصور أى مردود ضخم على المستوى القومى لأى مشروع علاجى لهذا المرض دون وجود مشروع وقائى موازى يستهدف مكافحة العدوى وكسر قنواتها وتجفيف منابعها. فمهما كان عدد المرضى الذين حصلوا على العلاج وتمكنوا من انجاز الشفاء، ستبقى دائما أعداد هائلة مرشحة للانضمام إلى جموع المرضى كل عام ويظل العبء الكلى للأزمة فى حالة ثبات، ان لم يكن مرشحا للزيادة. والحديث عن مكافحة العدوى يشمل محورين رئيسين هما تفريغ الوعاء البشرى الحامل للعدوى من الفيروس وغلق قنوات نقل العدوى. وتبقى مهمة إجراء مسح طبى شامل على المستوى القومى يشمل جميع القطاعات الجغرافية فى الريف والحضر وجميع الشرائح العمرية والمواقع الاجتماعية هى المهمة الأكثر إلحاحا فى الوقت الحالى، لاكتشاف المصابين وعلاجهم بشكل جمعى وبالتالى حجب أى فرص لانتقال العدوى منهم للآخرين، وبدون إجرائها بشكل منظم وشامل وقصرها على قطاعات بعينها دون غيرها، ستبقى دائما مبتورة وضعيفة الأثر. فعلى سبيل المثال إجراء هذا المسح على الشرائح العمرية دون العشرين سنة (المتقدمين للجامعات أو للتجنيد) وحدهم لن يكون مؤثرا، لأنه من المعلوم جيدا لدى أغلب المشتغلين بأمراض الكبد فى مصر، أن نسبة الإصابة فى هذه الشريحة العمرية محدودة جدا، وبالتالى فالأجدى بالجامعات أن تمد هذا المسح ليشمل أيضا، وبالأساس، موظفيها وعمالها وأعضاء هيئات التدريس ولا يقتصر فقط على الطلاب الجدد.أيضا لابد أن يشمل هذا المسح كل العاملين فى الوحدات الادارية والانتاجية فى الدولة، والمزارعين وسكان الريف والأحياء الفقيرة فى المدن. إن مشروعا كهذا لا يمكنه أن يثمر إلا إذا كانت هناك بالفعل ارادة سياسية لتحقيقه وتوافرت له الجهود المتضافرة لقطاعات مختلفة فى الدولة من الهيئات الصحية والبيئية والجمعيات الأهلية والنقابات والاتحادات، انه مشروع الخطوة الأولى والأهم والأعظم جدوى فى رحلة القضاء على فيروس “سى” فى مصر.
كما أشرت سابقا، فإن قنوات نقل العدوى بهذا الفيروس تشمل مسارين أساسيين: نقل العدوى داخل المجتمع، ونقلها داخل المستشفيات والمنشآت الصحية. ومن الطبيعى أن يكون لحملات التوعية الصحية دورا هاما فى هذا السياق، تلك الحملات التى تستهدف أوسع قطاع من الجمهور وتنقل له رسائل تثقيفية حول طبيعة المرض ووسائل نقل العدوى وطرق الوقاية. ومن المنطقى أيضا أن تقييم مردود هذه الحملات على درجة الإدراك المجتمعى وانعكاس ذلك على مؤشرات معدل الإصابة هو الأكثر أهمية (التقييم النوعى) من تقييمها بعدد الملصقات أو الندوات أو الأغانى أو الإعلانات التليفزيونية وغيرها من الوسائط المستخدمة فى مثل تلك الحملات (التقييم الكمى). وبالتالى فإن هناك ضرورة قصوى لمشاركة الجمهور المستهدف بالخطاب فى صياغة الحملة من خلال طرح رؤاه واحتياجاته وكذلك فى تقييم أدائها من خلال التغيرات السلوكية التى نتجت عن هذه الحملات.
وهناك أيضا عدوى المستشفيات، والتى أتصور أنها تشكل المساحة الأكبر فى معدلات الإصابة فى الوقت الراهن. وخطورة هذا الأمر أن هناك جهات عديدة فى الدولة ترفض الاعتراف بهذه الحقيقة وظلت تتغاضى عنها لسنين طوال. علينا فى البداية أن نعترف بهذه الحقيقة، ثم ندرس الأشكال المختلفة لحدوث العدوى، سواء كان ذلك من خلال نقل الدم غير الآمن أو الآلات الجراحية الملوثة أو الاستخدام المتكرر للمستلزمات الطبية ذات الاستخدام الواحد، نظرا لغلاء ثمنها كما أشرنا سابقا، وبعد التعرف على حجم مشاركة كل هذه الأنماط من العدوى فى الأزمة، علينا أن ندرس الحلول المتاحة بشكل علمى ومنهجى، مثل دراسة اختبارات أكثر حساسية فى التعرف على العدوى داخل أكياس الدم، والتوصل إلى بروتوكول تعقيم عإلى الكفاءة بعد اعتماده من خلال دراسات معملية، وبناء صناعة إعادة تعقيم وتعبئة المستلزمات الطبية باهظة الثمن.
فى النهاية، لا يمكن أبدا لأى محور أن يعمل بشكل منفرد وينتج أثرا ملحوظا وفعالا، بل لابد من تناغم مستويات الأداء فى كل هذه المحاور لتصب جميعها فى المهمة الأسمى والحلم الرائع، أن تكون مصر خالية من فيروس “سى”.


اضطهاد المرضى.. خطيئة دولة:


لا يمكن إنهاء هذا الملف دون إثارة نقطة على قدر كبير من الأهمية وهى ما يتعرض له مرضى فيروس “سى” من اضطهاد وتمييز سلبى شديد الوضوح، فهم محرومون من السفر للعمل بالدول العربية، ومحرومون من العمل فى البنوك وشركات البترول والمؤسسات الكبرى داخل مصر، ومحرومون من القبول بكليات الشرطة والكليات العسكرية وغيرها من القطاعات المحظورة والتى لا يسمح لهم أبدا بالاقتراب منها. وفى هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أمرين شديدى الأهمية، أولهما أن هؤلاء المرضى ليسوا جناة، بل هم ضحايا، ولعلهم أيضا ضحايا الدولة التى تمارس التمييز ضدهم، خاصة إذا كانوا من القطاع الهام الذى أصيب بالعدوى من داخل مستشفى أو منشأة صحية. الأمر الثانى، أن هذا التمييز يتم ممارسته بجهل واضح فى فهم طبيعة المرض وتطوره، حيث يتم الاعتماد على وجود الأجسام المضادة فى دماء الإنسان ليتم اضطهاده وحرمانه من حقوقه، علما بأن هذه الأجسام المضادة تبقى موجودة مدى الحياة حتى بعد الوصول إلى الشفاء الكامل.

الأمر إذن تجاوز التمييز والاضطهاد ليصبح وصما لكل من نجح هذا الفيروس فى دخول جسمه يوما ما من أيام حياته، حتى لو كان هذا الإنسان قد تمكن من القضاء عليه كلية إما بقدرة جهازه المناعى أو من خلال تلقيه العلاج.

هل من المقبول أن نصم البشر بهذا الشكل، وأن نعاقب الضحايا على ذنب لم يقترفوه بدلا من تقديم كل أشكال الدعم لهم؟!

إن كل المواثيق والدساتير والقوانين والأعراف الإنسانية والأخلاقية تتنافى مع هذا السلوك. نحن فى حاجة شديدة إلى إصدار تشريع يكفل لهؤلاء المرضى حقوقهم ويحميهم من الاضطهاد الذى يجب أن يكون مجرما بفعل القانون وأن يتعرض كل من يمارسه إلى المحاسبة والمعاقبة. ونحن أيضا فى حاجة ملحة إلى بناء جمعيات وروابط لمرضى فيروس “سى”، يقومون هم بإنشائها، وتتحدث باسمهم وتنقل للمجتمع والدولة رؤاهم واحتياجاتهم وتدافع عن حقوقهم ضد كل أنواع الاضطهاد.
———————————

تم نشر الملف في العدد الأول من الإصدار الثالث لمجلة “العلم والحياة”

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك