اليوم : الأربعاء 22 فبراير 2017

“مهما قد تبدو الحياة بائسة، هناك دائما شيء يمكنك فعله والنجاح به. أينما توجد حياة، يوجد أمل”

ستيفن هوكينغ
تعرف زمان وأنا صغير، كنت بروح المدرسة بحنطور.
في مدينتي الصغيرة قبل غزو التاكسيات ومن بعده التكاتك، كان الحنطور وسيلة مواصلات البهوات النموذجية.
أتذكر جيدا عم دسوقي سائق الحنطور الطيب بجلبابه الداكن الذى يدارى اتساخات المهنة ووجهه الأسمر البشوش الذي إن زينته ضحكته البسيطة، تنحى شاربه الكثيف قليلا فينكشف سواد سنتيه الأماميتين، كان مبهرا بحنكته في القيادة والتحكم في بغلته التي كانت تجر الحنطور عن طيب خاطر.
كل أطفال المدرسة كانوا يحبون ويبجلون عم دسوقي، والبعض كان منبهرا به مثل أخي الصغير الذي إن سأله أحدهم هذا السؤال الرتيب الذى يسأل للأطفال “وإنت عاوز تطلع إيه لما تكبر يا حبيبي؟ ” كانت إجابته: “عربجي طبعا”

كان الحنطور يتسع لأكثر من عشرين طفلا يقلهم للمدرسة الابتدائي يوميا. ولِمَ الدهشة؟ في مصر دائما هناك مكان كافٍ (في عربة المترو رغم الأشياء التي “تبظ” بمجرد أن ينفتح الباب، في عربات القطار المتهالك أو أتوبيس النقل العام المتكدس بالغلابة، في المدرسة “اللاموأخذة” حكومي، حتى في ركنة السيارة والسايس بيقولك “هتجيبك هتجيبك هتجيبك، تعالى تعالى تعالى، إكسر كله إكسر كله إكسر كله” لا أعلم لماذا يكرر كلامه هكذا، إنما الغريب إنها فعلا بتجيبك بتجيبك بتجيبك لما بتكسر كله بتكسر كله بتكسر كله)

عفوا. قبل الحكاية، سنراجع سريعا لجيل التوكتوك تفاصيل الحنطور بدقة:
العربة بها كنبتان “الكنبة الكبيرة” مريحة ولها مسندان من الممكن أن تريح ذراعك عليهما، أمامها “الكنبة الصغيرة” تلك التي لا تصلح أبدا للمقعدة البشرية بأي وضع، تصعد إلى داخل الحنطور عن طريق سلمين من درجة واحدة على جانبي العربة، بينما يستقر العربجي على كنبة عالية في الأمام خلف الحصان، أمامه عادة يضع “قفة” (وعاء يمتلئ بالتبن)-غذاء الحصان- ويغطى عربة الحنطور غطاء أسود يسمونه “كبوت”.
منذ السنة الأولى إلى آخر سنة في الابتدائي وأنا محشور في الحنطور، لكن تدرج مكاني للأفضل في كل سنة كترقي موظف مجدا في سلمه الوظيفي.
سنة أولى: استقريت من أول يوم على مسند الكنبة الكبيرة بأمر مباشر من عم دسوقي وشعرت حينها بكل أحاسيس الحقد والكراهية لكل العيال المكلبظة التي حظيت بالكنبتين، بينما كنت مفعوصا خلفهم.
السنة الثانية: لم أصدق نفسى في أول يوم حينما نقلني عم دسوقى لأقف بين الكنبتين، وفهمت أن البنات فقط هم من يجلسون على الكنب “لقد كان عم دسوقي فعلا جينتيل مان”
السنة الثالثة: كانت من أحلى سنين عمرى، فقد نقلني عم دسوقي خارج عربة الحنطور المظلمة، خرجت لأرى النور، حظيت بتعامل آدامي يليق بي كطفل مدلل برنس ابن ناس، لقد وضعني عم دسوقى أمامه في القفة (على التبن). أه والله العظيم.
لكنها كانت فعلا سنة ممتعة جدا بالنسبة لطفل صغير، كنت أشعر ببهجة غامرة إلا إن ماما كانت تتعجب يوميا من رائحتي عند عودتي من المدرسة.
السنة الرابعة: اعتبرني عم دسوقي من العيال “المجرمة.. الصيع” فانتقلت لأقف على السلم، كانت المغامرة رائعة، وأصبحت أتقن بعضا من تلك الحركات المغامرة الخطيرة أثناء سير الحنطور، فتندهش “الأطفال الموزز” المحشورين على الكنبتين بالداخل، لكن للأسف حدث ما أدمى القلب حزنا، لقد كانت “البت هدى” (ميس حنطور سنة 1991) دائما ما تلتفت وتضحك للواد “الرمة” الذى يقف على السلم الآخر. (أنا لا أعلم معنى كلمة رمة إلا أنها كانت أحد أشهر الشتائم الدارجة في مطلع التسعينيات)
في سنتي الأخيرة: حققت الحلم بعد سنوات الصبر والكفاح، ارتقيت فوق الجميع وانتصرت على كل العيال الرمم في الحنطور، وبمجهودي وكفاءتي “قعدت على الكبوت” على سقف الحنطور يا معلم، أتأمل كل ما يحدث حولي في الطريق إلى المدرسة.
في هذه السنة عرفت المعنى الحقيقي “للإستكنياص”، الغوغاء يثرثرون في الأسفل ويطير الفرس الأصيل فوق السحاب فتداعب خيوط الشمس عيوني، بينما يهب نسيم الصبح نجيا ليدع خصلات الشعر الناعم ترقص بأناقة على نغم زقزقة العصافير والبلابل.
حتى خانني هذا البلبل اللعين وفعل فعلته القذرة تلك. “عمل عليا بيبي. الواطي”، أحزنني ذلك كثيرا لولا أن مدرستي قالت لي: “متزعلش يا حبيبي. هتتكسي” كما أن أمي أكدت لي نفس المعلومة، لكن ذلك كان محض كذب وتضليل فقد بقى ملبسي على حاله. “ملبستش يعني مريلة من كونكريت وجبت شنطة أديداس وجزمة Nike”

فأضفت هذه المعلومة للسجل الذي يعج بالمعلومات المزيفة التي علمونا إياها في الصغر وبقيت -للأسف- كالنقش على الحجر.
كانت تتكرر أمام أعيننا كل يوم مشاهد أطفال الشوارع بملابسهم المهترئة المتسخة وبعضهم يركض “بدون بوكسرات” وراء الحنطور للتعلق به من الخلف، بينما يصرخ أكثر الأطفال الركاب شرا وأنانية وتقربا للعربجي ومزايدة في حب الحنطور “كرباج ورا يا اسطى”، فلم يكد عم دسوقي يرسل كرباجه عاليا في السماء كأفعى تتلوى قبل أن تنقض على فريستها حتى يلسوع مؤخرات هؤلاء الملاعين (يا سلام يا سلام يا سلاااااام يا عم دسوقى)

كل يوم كان انبهارنا بالرجل يزداد أكثر وأكثر.
كنا أطفال طيبين سذج، لم نكن نعلم أن أطفال الجانب الآخر من العالم ينتقلون إلى المدارس في الباص المكيف وقد استبدلوا لهم البغل الذى كان يجر الحنطور بفرسة جميلة. رهيبة (هي المشرفة التي تعتنى بهم في الباص)، لذلك لم نطالب أبدا بالتغيير.
وحتى إن كنا على علم بأن هناك من يستنشق هواء مكيفا فيما أسموه (الباص) بينما نغرق نحن في عرقنا داخل الحنطور المظلم خلف مؤخرة بغلة عم دسوقي، أظن أننا لم نكن أبدا سنتمرد على حنطورنا الذي يأوينا ومن يسوقه ومن يجره، ببساطة لأن تلك المشاهد المكررة أمام العيون لأطفال الشوارع المحرومين وسوط العربجي اللعين قد سيطرت تماما على الذهن وطبعت فيه شيئا من الخوف كافٍ جدا لانعدام الطموح فينا وفي “اللى خلفونا” وربما قال البعض لبعضه همسا وجهرا وفي كل مناسبة (مش أحسن منبقى زى سوريا والعراق).
لامؤاخذة، آسف ممكن نـ pause حكاية “الحنطور وبلبله” شوية.
– كيف يطلب من شعب الجد والتعب والتضحية حتى ترتقي الدولة لتكون قد الدنيا، ويذاع كل لحظة “عن عمد أو بدون قصد” أمام عينيه مشاهد الخراب والتشرد في دول الجوار ويهمس في أذنه كلما طلب بديهيات الحياة “إحمد ربنا، إحنا مش بعيد عن الناس دي”، فيتشكل وعيه الراضي بالقليل والدعاء ليل نهار للأمير والغفير وهتك عرض ناكر الجميل، وعى خاوٍ تماما من أي حلم أو أمل. وبطموح يقتصر على العلاوة والترقية لشغل المنصب الذي يشغله الأستاذ عبد الكريم الجالس وحده على المكتب في الغرفة المجاورة.
– إذا كنتم تريدون خيرا لهذا البلد، لو سمحتم اصنعوا لنا الأمل، وحدثونا مرارا عمن نجا وارتقى حتى نحلم فنعمل فننجح مثله.
– لا تنجرف إلى هذا المستنقع واجعل طموحك بلا حدود مهما كانت الظروف، فكما قال ستيفن هوكينغ “العبقري المعجزة عالم الفلك والفيزياء والكاتب والتربوي. المعاق”: (مهما قد تبدو الحياة بائسة، هناك دائما شيء يمكنك فعله والنجاح به. أينما توجد حياة يوجد أمل)
– لا تكن مثل الأطفال، براءة عيونهم جميلة. لكنهم (عبط)، طيبين، طلباتهم بسيطة، أحلامهم عادية، يصدقون كل ما يقال لهم ويرددونه بإيمان مطلق بدون تفكير (مدرستي جميلة كبيرة، أستاذتي نظيفة لطيفة، ومصر جميلة. كما تقول الغنوة (مصر جميلة، مصر جميلة، خليك فاكر “ياض” مصر جميلة)

– في الحقيقة، الحقيقة لن تنكشف أبدا إلا إذا تأملنا أنفسنا “من برة”، نحن نتفشخر بحضارتنا في كل مناسبة والحقيقة أننا نسير متحنطرين وسط العالم المتحضر.
في الحنطور كنا مكدسين فوق بعضنا البعض نجر، ونمتن كثيرا لمن يجر لأننا لم “نجرجر” بعد، كنا نظن أننا “بهوات”، لكن الحقيقة أدركتها فقط حينما نظرت من خارج الحنطور، قد كنا بمعنى الكلمة “أضحوكة لكل من كان يمر بجوارنا”

لامؤاخذة back to حكاية الحنطور والبلبل
في ذلك اليوم الممطر الذى لن ننساه أبدا، تغير شيئ ما في تفكيرنا، وصدمنا في العربجي الماهر وانهار التمثال، عندما انحرف عم دسوقي بالحنطور على سرعة عالية في ثقة زائدة، فمالت العربة على الأرض المبللة وانزلقت على جانبها، ولم تقو البغلة المسكينة المكبلة بلجامها على النهوض ثانيةً رغم كرابيج عم دسوقي المتتالية، بينما تعالت صرخات أطفال الحنطور المذعورين الملطخين في الوحل بلا جدوى، حتى اجتمع رجال الشارع ورفعوا الحنطور والبغل ودسوقي والعيال. “آه والله. لقد حدث بالفعل وإترفعنا كلنا”

في النهاية أقول:
إنهم يكذبون، إنهم مضللون. فلا تصدق لأنك لست أحمق، لا تصدق حتى لو كنت تريد ذلك، لا تصدق حتى لو “بقى شكلك وحش”، لا تصدق حتى لو كنت خائفا، (لا تصدق إن البلبل لو عمل عليك بيبي هتتكسي).. مش هتتكسي.. مش هتتكسي.. والله العظيم مش هتتكسي.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك