اليوم : السبت 18 نوفمبر 2017

IMG_4776

المدارس
رسم الدخان خيطا رفيعا رقص ومال بفعل نسمات الليل الساكن، ظل يعلو حتى عانق السقف ومكث بالأعلى كالسحاب، ودع السيجارة المنسية تحته على حرف الطاولة تحترق لأجله فخلفت عمودا من الرماد الواهن الذي سقط وتكوم على الأرض في منظر قذر بغيض.
بجانب السيجارة استلقت رأسي التي غفت على الطاولة بكافيتريا المستشفى.
انتبهت حينما تكلم بصوت منخفض مبحوح وطرق على كتفي مرتين
– ما تقوم تريح يا دكتور.
فركت عيني التي غفت سهوا فانفرك منها النعاس وفركت الكف بالكف حتى كفت قشعريرة البرد التي تسللت للنفس آخر الليل.
– مش هينفع، داخلين عمليات دلوقت. روح اعملي قهوة.
بعد دقيقتين على الأكثر، كان الفنجان حاضرا تفوح منه رائحة القهوة الرخيصة بين يدي مجدي “عامل كافيتيريا المستشفى”.
ومجدي شاب جاوز حد الثلاثين من عمره، شاحب ونحيف كبؤساء هوجو، هيئته تصف باختصار الفقر المدقع الذي يقهره، حتى لما ابتسمت له الدنيا وتزوج من ابنة عمه وبعد أن ضحكت حياته فرحا عندما رزق بطفلتين في سنتين، ازداد بؤسا فوق بؤسه، وانحنى ظهره ودارت هالات بنية حول عينيه المرهقتين دائما طلبا للعيش.
حتى بدا هذه الليلة وكأنه كهل أنهكته سنين طويلة وأعيته هموم اجتاحت كيانه كداء لا دواء له، فتمنى الموت راحة أبدية.
“مالك يا مجدي؟” سألته دون النظر إليه قبل أن أرشف من القهوة، ثم أردفت مازحا “قهوتك منيلة زيك كده ليه؟”
ابتسم ببلاهة وبينما كان يرتب المكان بعد أعمال النظافة ثرثر كعادته، تحدث فأسهب وفضفض.
عن مريم. ابنته. ابنته الكبرى. التي لم تتخط الثماني سنوات.
– مريم تعبانة. ومش عاوزة تروح المدرسة.
صحتها بخير. بس تعبانة. تعبانة. ومش عاوزة تروح المدرسة
الأبلة بتديها واجب كتير، بتصعب عليا والله، ده غير واجب الدرس، مدرسة مفترية وبتضرب العيال.
زفر في غضب وتوقف عن العمل للحظات ثم أردف:
– تصدق، شافت في إيد البت كانز ببس، كان الدكتور رامز بتاع العضم سايبهولي الصبح، فقالتلها “كانز يا مريم، بتشربي كانززز؟، قولي لبوكي يجيب فلوس الدرس بكرة، مش هستناه لأول الشهر، ومتجيش إلا لما تدفعي”. وأنا والله ما معايا. دهشت وفي سخرية سألت:
– بتوديها درس خصوصي عند نفس أبلة المدرسة، إنت غبي يا مجدي، إيه الجديد في كده يعني؟
فغمغم مستغربا حماقة السؤال:
– طبعا، أومال أوديها عند مدرس الفصل التاني علشان المدرسة المفترية بتاعتها تطلع عين أمها؟!
واستمر في ثرثرته التي نبشت في جوانب ذهني فشرد مع حكاية ابني الذي تخطى منذ بضعة أشهر سنته الثالثة، وقتها انتبهت إلى حتمية التقديم خلال شهر على الأكثر لمدرسة تقبله بين صفوفها ليبدأ سنته التعليمية الأولى “كي جي 1” في سبتمبر القادم، فبدأت مع أمه رحلة البحث عن مدرسة خاصة.
– لأ طبعا الإنترناشونال أحسن من الناشونال لو عاوز يتعلم مظبوط، لأ طبعا البريتش أحسن من الأمريكان لو عاوز يتأسس مظبوط، لأ طبعا لازم نشترك له في الباص أحسن من اللى مبصش لو عاوز يلحق وقته مظبوط، لأ طبعا لازم ترمي نفسك من البلكونة أحسن من الشباك لو عاوز تنتحر مظبوط.
هكذا كانت البداية، وأخذتنا خطواتنا خطأ إلى إحدى المدارس الإنترناشونال حيث الفصول الراقية، والمدرسات اللاتي تفوح منهن رائحة العطور الغالية، الملاعب الخضراء وحمامات السباحة التي.
– أنا وأمها طالع عين أهلينا عشان البت متبقاش زينا جهلة. “عاد صوت مجدي يأن”. ثم افترت شفتاه المشققتين عن ابتسامة ناقصة وأردف:
– بس بأمانة الله مريم شاطرة، حتى في الامتحان العيال كلها ماكنتش عارفه تغش ورا المدرسين الإجابات اللي على السبورة، بس مريم نقلت كل المكتوب زي الفل، الأبلة بنفسها قالتلي كده.
سكت قليلا وعبس ثم قال:
– بس مبيعلموهاش دين خالص.
– ليه يعني؟ مفيش مدرسين مسيحيين؟
– لأ، مفيش خالص، واتحايلنا عليهم نجيب حد من الكنيسة يدي العيال دين من غير فلوس، بس مش راضيين.
– أومال بيعملوا إيه؟
– لما بتيجي حصة الدين، بيقولولهم: (يا ولاد إحنا في حصة الدين، المسيحيين يسدوا ودانهم ويناموا، لحد مانخلص)
أذكر أنهم قالوا لنا خلال جولتنا في تلك المدرسة “الإنترناشونال” بلهجة متفاخر متعجرف إن مناهجنا الدراسية ليس لها أي علاقة بتلك المناهج المصرية فمناهجنا تأتي من كامبريدج، المدرسين حاصلين على شهادات تربوية من كامبريدج، والامتحانات طبعا تأتينا من كامبريدج. لقد حشروا كلمة كامبريدج في كل جملة، بمناسبة وبدون مناسبة.
ثم دعينا بعد ذلك إلى مكتب إحدى المديرات التي بدت مرتبة كمكتبها، ملامحها رائعة “كنجوم السيما”، وبرغم كبر سنها إلا أنها بدت أنيقة فاتنة كفاتن حمامة، جميلة كميرفت أمين وودودة كعبلة كامل، وأظن أن شبابها كان “صافينازي القالب” إلى حد كبير.
حدثتنا بطريقة مهذبة “للغااااااية” عن المصروفات المدرسية، برغم ذلك كادت كلمات بذيئة “للغاااااااية” تفلت من فمي، فقد قذفت “الأبلة” جملتها هكذا بسرعة لافتة وفي لا مبالاة وببرود شديد وكأنها تطلب مشروبها اليومي من البوفيه.
– حضراتكم مصاريف السنة الدراسية الأولى خمسة وأربعين ألف + عشرة ألاف ريجيستيراشن. حضراتكم هتدفعوا 60 في المية من المبلغ لو الولد اتقبل في الإنترفيو بعد أسبوع والباقي شهر ستة حضراتكم. وطبعا بالنسبة للباص واليونيفورم فده لسه هيتحدد شهر تسعة قبل العام الدراسي حضراتكم. أي سؤال حضراتكم؟
ماتت ماااااتت يا دكتوووور “صرخ مجدي”
– الله يخرب بيت أهلك، مين دي اللي ماتت؟
– بقولك فاطمة صاحبة مريم في الفصل، بنت الأستاذ رفعت جارنا.
– لا حول ولا قوة إلا بالله، يا سيدي أنا مالي. أنا ناقص هم.
– أصل سيادتك مش فاهم، شباك الفصل كان مكسور، والعيال بتلعب، حد زق البت فوقعت من الدور التالت وماتت في ساعتها، ثم أهمل ما كان يفعل واقترب. فأخفض من صوته وهمس:
– زي مابقولك كده الموضوع كبر، وجت الحكومة ولجنة من الوزارة، بس شكلهم طبخوا الحكاية.
خمسة وأربعين ألف جنيه غير المش عارف إيه والمش عارف إيه علشان (كي جي 1) يا حرامية؟ ليه؟ هطلعوا الواد إيه يعني؟ رائد فضاء؟
“ده إحنا صغيرين أوي يا سيد”
سناء جميل لأحمد ذكي في “إضحك. الصورة تطلع حلوة”
بنظرة بؤس ميزت عينيها ودارت عبرة طلت بين جفنيها.
النظرة ذاتها كانت لزوجتي وقتها، وكأنها أرادت أن تكرر نفس الكلمات
– ده إحنا صغيرين أوي يا سيد.
– لا ياما محناش صغيرين. ثم إن الواد ماسموش “سيد”
لكنها في الواقع. زمت شفتيها للحظات ثم في حدة نطقت
– إتصرف. سافر. أعمل أي حاجه، إنت عاوز الواد يدخل مدرسة حكومة؟ ده حتى المدارس الناشونال وصلت لعشرين وتلاتين ألف ده غير الباص واليونيفورم. إتصرررف.
“وأنا مش عارف أعمل أي حاجة يا دكتور. ومريم تعبانة. مريم تعبانة ومش عاوزة تروح المدرسة” هكذا عاد مجدي يهمس وكأنه يحدث نفسه بصوت بائس ومكسور.
سألت مجدي عبثا:
– تعرف إيه الفرق بين أوروبا وأمريكا وبين مصر؟
– أه. أنا أسمع إنهم هناك ناس نضاف أوي يا بيه إنما إحنا هنا في مصر لامؤاخذة.
– إممم صحيح. إجابة في غاية البلاغة. يمكن لأن المدرسة النضيفة أم خمسين ألف “على الأقل” هنا، هيه هيه المدرسة الحكومه بتاعة كل الناس هناك.
لكن المصيبة أكبر من ذلك بكثير، فمنذ وقت قريب حينما لم يكن للمدارس الخاصة كل هذا الحضور، كانت المدارس الحكومية تقدم على الأقل الحد الأدنى من التعليم والتربية، وإلى جانب ذلك كانت تخلق مجتمعا واحدا يعيش في فصل واحد، يألف أفراده بعضهم البعض رغم تفاوت المستويات، مجتمعا له نفس المعلم ويتذكر الأبلة والمربية ذاتها، يحمل نفس الثقافات ويتحدث لغة واحدة، ويحكي في أوقات السمر عن نفس ذكريات الطفولة.
أما الآن، فإن الأعمى يرى والحمار يعي أننا في انتظار جيلين يمثلان شعبين فعلا بالمعنى الحقيقي للكلمة “ليس مجرد أغنياء وفقراء وحسب”، إنما على الأرجح الأغلبية ستكون لأبناء خرجوا جهلاء بلا علم ولا تربية ولا دين ولا خلق “إلا من رحم ربي” من مدارس الحكومة، يحملون منتهى الكراهية والحقد لهؤلاء الذين لا يطيقون حتى رؤيتهم من أبناء جيل آخر نزح أبائهم هذه السنين لكومباوندات راقية ومدارس محترفة ولطيفة تعلم مناهج بلاد ناجحة، بعيدا عن كل هؤلاء الهمج الجهلة المرضى الذين يتكاثرون ويتكاثر الوباء بينهم في داخل المدينة، الجميع يعلم ذلك جيدا، لكن أحدا لا يعرف بالضبط ما هي العواقب.
لذلك أظن أنه مادام قد قدر لك أن تكون في المنتصف فعليك إما أن تسف تراب مصر حتى تبعد أولادك بقدر الإمكان عن مدراس الحكومة، أو أن تطالب الحكومة بكل حزم وبلا كلل أو ملل بأن تنفق على المدارس كما ينبغي لتكون كغيرها من المدارس المحترمة “وفي هذه الحالة ستجد من سيساعدك في سف التراب جيدا”
ظل مجدي يتحدث ويشكو ويثرثر، وكل ما كان يتمناه أن ينصت إليه وجدان أحد فيتنهد ويدمع ثم يطيب خاطره ويدعو له بخير عن قريب لأنه طيب ويستحق كل الخير، لكن أحدا لم يستمع.
حتى احترقت السيجارة المنسية على حرف الطاولة عن آخرها، أكلتها نارها، فعلا الدخان الذي رقص ومال بفعل نسمات الليل الساكن، وظل يعلو حتى عانق السقف ومكث بالأعلى كالسحاب، ودع السيجارة التي احترقت لأجله فخلفت عمودا من الرماد الواهن الذي سقط وتكوم على الأرض في منظر قذر بغيض. تولى مجدي كنسه قبل أن يتكوم هو في ركن مظلم لساعتين على الأكثر قبل شقاء نهار يوم جديد.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك