اليوم : الأربعاء 26 يوليو 2017

“خلصت الحرب؟
بعدها مطولة!”
تقدم المخرجة اللبنانية في فيلمها الوثائقي “ميّل يا غزيّل” ما تراه عن واقع لبناني قد يبدو على السطح أنه تخلص من الحرب الأهلية الطاحنة، لكنها تتنبأ أن هناك “هبوطًا” متوقعًا يطرح نفسه في كل التحزبات الدينية المتطرفة التي تفرض نفسها على كثير من مشاهد الحياة اليومية.
تحملنا كاميرا “إليان” إلى “الشمبوق” واحدة من أعلى المناطق الجبلية في لبنان، تقع على مرتفعات عكارو التي تبعد عن سوريا عشر كيلومترات. يغلب على مشاهد الكاميرا لدى “إليان” توثيق للون الأخضر البكر الذي تتسم به تلك المنطقة الريفية الأقرب لروح لبنان الأصيل.
يحمل الفيلم اسم أحد أغاني الفلكور اللبناني الأصيل، حيث تتغنج “نجاح سلام” بأحد عبارات النداء المحملة بالخفة والرشاقة لدعوة العابرين لزيارتها، وكذلك يفعل بطل الفيلم “هيكل” حيث قام بتأسيس مطعم محلّي لتقديم الوجبات للعابرين من سائقي الشاحنات المتنقلين داخل لبنان وعبر حدودها. لم يكتف “هيكل” بعمله بالمطعم بل قام بزراعة أرض متنازع على ملكيتها بحكم القانون، إلا أنه ضرب كل ذلك عرض الحائط ليزرع حقلًا ممتدًا من التفاح والذي يتحول في نهاية المطاف إلى براندي يقدمه إلى الأعزاء من أصدقائه.
تجعل “إليان” من أبطالها شركاء حقيقيين في عملية صناعة الفيلم، فهى تنتهج طريقة طرح الأسئلة لأبطال الفيلم، في حين أنها تختفي بالكلية وراء الكاميرا تاركة لهم ما تراه مناسبًا من مساحة للظهور وحمل ما أرادت أن تقوله هي. يتجلى ذلك من الحوار الدائر مع البطل الرئيسي “هيكل” حول ما يراه اسمًا مناسبًا للفيلم، فتأخذ ما يمنحه لها من اقتراحات ليصبح لديها ثلاث مراحل رئيسية لتقديم رؤيتها. نجد الفيلم يتدرج بشكل واضح إلى ثلاث أجزاء هي: 1-الشمبوق، 2- الأرض، 3- عتبة البيت.
تستخدم المخرجة الكثير من المفارقة ذات الطابع المرح لربما للتقليل من حدة ما يتم طرحه من نزاعات طائفية ودينية، وكأنها تصب ماءًا باردًا على نار في سبيلها للتأجج. فحين ينبري أحد شباب القرية المسيحيين وتأخذه الحمية للدفاع عن “وجوده المسيحي” الذي يظن أنه يتعرض للإبادة وتأخذه حماسة الزعماء الفاشيين حين يحشدون “خرافهم” في مؤتمراتهم الجماهيرية، تكتفي بأن تكون اللقطة التالية المكملة لـ”هذيانه” المفتعل هي لقطة “فتاة تتمايل رقصًا على أغنية الفيلم الرئيسية” ذلك ليس فحسب، بل إن هذه الفتاة التي تنظر في قلب الكاميرا بعين ممتلئة بالحياة واللهو والخفة ترتدي “رمزًا” دينيًا لكل ما يحشد ضده من يرى أن هويته الدينية تتعرض للخطر.

استخدام متوالية اللقطات بأسلوب المونتاج الموازي يُعد أحد كلاسيكيات السينما، لربما كان الفيلم بحاجة لأن يرتفع بنا إلى مستوى أكثر تعقيدًا.

تطرح “إليان” سؤالًا مباشرًا “هل الوجود المسيحي في خطر؟” في متوالية بعد طرح عدد من ممارسات الشباب المسيحي “الغيور” على هويته إلى حد عقد اجتماعات تبدو وكأنها غرفة حربية والعديد من الخرائط معلقة على الحائط كأنهم بانتظار ساعة الصفر للهجوم على عدو ينتظرهم بالخارج. حين تطرح هذا السؤال فإنها تطرح أيضًا ما تراه هي ممثلًا في ظهروها الوحيد كطيف عابر مع بطل الفيلم “هيكل” حين تظهر كصورة ضبابية تستغيث به من داخل المطعم أن هناك من يحاول أن يقتلع أحد الأشجار، فيخرج “هيكل” مسرعًا بحميته المعهودة ويقوم بردع من تسول له نفسه اقتلاع أي شجرة من مزرعته. لا تكتفي بالتلميح لما تراه عودة ذاتية لها إلى الجذور بقدر ما تتثبت يقينًا بطرح ذات السؤال صراحة على “هيكل” مرتين: الأولى حين تسأله ألا يبدو كل ما يقوم به من أعمال وزراعة وإدارة شئون المطعم هي محاولات للهروب من واقعة هروب زوجته التي لم تتحمل العيش معه، فيجيبها متيقنًا “بل على العكس هي محاولات لإثبات الوجود عن طريق الحياة ذاتها”. ثم تعيد طرح السؤال ذاته تارة أخرى حين يتعلق بالهوية الدينية، فيجيبها قائلًا “نحن نهبّط بس ما بننمحي”.
حضور الشجرة في كادرات “إلين” ليس حضورًا لتقديم متعة بصرية فحسب، بل تحملنا كاميرا المخرجة إلى سردية البطل الذي شارك بالحرب الأهلية لكنه فشل تمامًا في قتل أي أحد، في تلك اللحظة قرر أن يصنع “جيشه” الخاص من الأشجار. فنرى صورة المشهد لمزرعة التفاح خاصته وكأنه جنرالًا يقف أمام كتيبة من الجنود لأداء تحية العلم الصباحية.

تقدم كاميرا المخرجة البطل المنسحب من حرب أهلية انتهكت إنسانية الملايين، إلى قائد من نوع خاص اختار أن يصنع جيشًا من الأشجار للمقاومة.
يقدم الفيلم أيضًا عددًا من الشخصيات التي تمنح سردية العودة واختيارات البقاء أبعادًا أخرى، فهناك “أنطوان” شخص يماثل “هيكل” في العمر لكنه حليق اللحية يبدو عليه علامة “المدنية الحديثة” لكنه عاجز مثل كل من لديه أزمته الخاصة جدًا؛ إنه لم يتجاوز بعد عالم الأبراج العاجية حيث يقبع المفكر دون أن يشمر عن ساعديه ليرى ما يمكن أن تطرحه الأرض من معطيات غاية في التعقيد.

تمنحنا “إليان” مشهدًا غاية في الدلالة حين يقف “أنطوان” مشيرًا إلى قطعة أرض تسببت الكراهية الدينية في تهجير صاحبها، وهو يشير إلى مدى تعاون صاحب الأرض الأصلي في منحه توسعة ليصنعوا طريقًا للقرية. تمّ بالفعل توسعة الطريق وقبل أن يتذوق طعم ما نجح في الوصول إليه يكتشف أنه مجهوده قد ضاع هباءًا حين عبّد طريقًا تعبر فوقه سيارات البرلمانيين الفارهة المغطاة بزجاج أسود مخيف.
من ناحية أخرى هناك الصديق المؤرخ الذي يظهر في عبور خفيف على الفيلم حين يتجرع مع “أنطوان” و”هيكل” كأسًا من البراندى المصنوع بعناية من مزرعة “هيكل” ويتشاطرون عبء “خيبتهم” المشتركة حين يدركون أن أبناءهم سيعودون فقط للأرض حيث بالفعل ينتمون لكن بعد أن يكونوا “غير صالحين للخدمة” مجرد كهول ينشدون العيش في سلام في أرض بعيدة عن صخب العاصمة.
يقدم الفيلم شخصية نسائية مميزة ألا وهي “رويدا” وأول ظهور لها يأتي مصحوبا بعاصفة من الشكوى حيث تمارس هوايتها بوضع المسامير على الطريق لكي تجبر أصحاب الشاحنات على التوقف وتناول الطعام في مطعم “هيكل”. كما أن أول تفاعل مع البطل الرئيسي تبدو فيه وكأنها زوجته التي تعرف جيدًا كيف تملي عليه ما يحتاجه المطعم وكيف تتملص من نعته لها بأنها تمتليء بالخطايا. الحضور الإنساني لشخصية “روايدا” يضيف بعدًا يحمل طابع الخفة والهشاشة التي يخبئها البطل الرئيسي “هيكل” خلف غلظته وخشونته التي ارتضاها كمعبر آمن للبقاء والتعايش بعد أن هجرته زوجته فاختار أن يمنح لها متكئًا في قلبه دون أن يملأه بالغضب من فعلتها. تروي روايدا أن “هيكل” هو صاحب فضل عليها وقد قام بتربيتها منذ سن الثامنة عشر فهي تتحدى العادات والتقاليد وتأتي لتمكث وتعمل بالمطعم وتجلب أختها في كثير من الأحيان لتساعدها في مهام الحياة.
ترسم “إلين” شخصية روايدا كفتاة ريفية تجد ملاذًا آمنًا تستطيع أن تتفتح فيه مثل بتلات زهر التفاح المحاطة بها في كل مكان. ومن ناحية أخرى تنسج خيطًا عنكوبتيًا يجعل من مغادرة المطعم أو مزرعة “هيكل” أمرًا مستحيلًا بالرغم من تعرضه للعديد من الأزمات المالية، إلا أنه قرر البقاء كإعلان للوجود والحياة ذاتها.
تبدو إحدى إشكاليات الفيلم الأساسية في العبور الخاطف لتناول أحد الجزئيات والتي لربما لو توقفت عندها المخرجة بمزيدٍ من الطرح والتفصيل كان سيكون لدينا ما يليق وثراء ما يطرحه الفيلم وسيتقاطع حتمًا مع رؤية المخرجة كما ظهر جليًا في مسارها السينمائي السابق. الفيلم يقدم ملاحقة بالكاميرا لأحد الحشرات الملونة التي تنخر في الأرض، كان بالإمكان توظيف تلك الالتفاتة العابرة لتكون بمثابة حلقة الوصل بين ما قدمته المخرجة في سابق أعمالها حيث تناولت موضوع الحرب الأهلية من زاويته الأوسع من العاصمة، لربما كان لديها فرصة حقيقية بتتبع تلك “الحشرة” أن تحملنا معها للانتقال من الصورة الكبيرة إلى صورة أكثر تحديدًا حيث يمكن للنار أن تأتي من مستصغر الشرر.
ينتهي الفيلم بنهاية تشبه كادرات الحياة الحقيقية حين نظن أننا بلغنا حافة السعادة فتوقظنا من وهمنا العابر، فيتعرض محصول التفاح للفساد بفعل حشرة -ظلت تتبعها المخرجة طيلة كادرات متفرقة بشغف طفلة تجلس في الصف الأول من حصة العلوم البيئية- فيخسر هيكل خسارة فادحة لكنه كما اختار البقاء والتشبث بالأرض اختار المقاومة فيقوم بتحويل كافة المحصول إلى براندي يتشاطره مع جاره الهارب من صخب المدينة وتلوثها والعائد إلى رحم الأم الأرض.
ثم يأتي صوت “نجاح سلام” تارة أخرى لتجد روحك تتراقص في خفة وكأن الحياة مجرد دعوة رشيقة لعابرين، سيمضون حتمًا وستبقى الأرض التي ترثنا ومن عليها.
حين تمّ سؤال المخرجة هل كان الفيلم ضرورة لكِ للتعافي؟ ابتسمت قائلة: بل ربطني!
واعتقد أن “إليان الراهب” بفيلمها “ميّل يا غزيّل” قد صنعت لنا معبرًا به إمكانية للعودة للجذور، وكأنها تمنحنا حبلًا سريًا يعيدنا حيث ننتمي وحيث كل ولادة ممكنة.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك