اليوم : السبت 18 نوفمبر 2017

“الأمل شيء جيد، ربما هو أفضل الأشياء، والأشياء الجيدة لا تموت أبدا”، هذا ما قاله “آندي” لـ”ريد” زميله في السجن، في فيلم “الخلاص من شاوشانك”.. الأمل في الهروب من السجن هو ما أبقى “آندي” على قيد الحياة، وفقدان الأمل في استكمال الحياة بعد قضاء الكثير من السنوات داخل السجن هو ما جعل “بروس”، أحد السجناء في شاوشانك، يقدم على الانتحار.

مرت عدة شهور على قيام ثورة 25 يناير ولا تزال الآمال مرتفعة في وجود مستقبل أفضل للأجيال القادمة. تجلس فتاتان في ساحة إحدى المدارس الثانوية في المملكة العربية السعودية وقت الفسحة تتحدثان عن مدى حبهما للبلد الذي لا تعرفان له سببا حتى الآن.، كانتا تنتويان السفر للخارج قبل الثورة لتكملا تعليمهما الجامعي، ولكنهما الآن ستعودان، وستتطوعان في عمل تنموي ما.

تكتمل أفكارهما الساذجة بمحاولة دراسة تجارب الدول الأخرى وجمعها في ملف لتقدماه كمساعدة عند الحاجة.
الأمور تسير من سيء لأسوأ، ولا تزال الفتاتان صامدتين.. تبدأ إحداهما في الاتجاه لكتابة القصة القصيرة. أولى قصصها بعنوان “الجدار”، وتحكي فيها كيف استطاع بعض الشباب هدم جدار بناه الحاكم حول القرية بزعم حماية السكان من أخطار الخارج، كان الشباب يظن أنه خلف هذا السور حديقة جميلة، ولكن بعد هدم الجدار يكتشفون أنه لا توجد حديقة، يفقدون الأمل لفترة، ثم يقوم أحد الشباب بدعوتهم ليزرعوا الحديقة التي يريدونها، بأنفسهم. واضح للغاية أن القصة إسقاط على الثورة.

في ختام القصة تقول الفتاة: “يدركون أن العمل شاق، ومنهم من قد يموت من التعب، ومعظمهم ستوافيه المنية قبل أن يحظى بفرصة رؤية الأشجار وهي كاملة النمو، يعلمون أنهم إن رحلوا جميعا لن يحاول أحد الكبار استكمال حلمهم، ولكن يكفيهم أنهم سيحاولوا، وربما إن كانوا سعداء الحظ سيرون بداية نمو الزرع.

يؤمنون بأنه لابد وأن يأتي أحد مثلهم يكمل الطريق ويأتي آخرون بعده يقطعون شوطا تلو الآخر نحو الهدف، ثم أخيرا ما بدأ بثقب في الجدار سينتهي كحديقة غناء وطيور مغردة.

لا يعلمون المدة التي سيستغرقها كل هذا، ولكنهم موقنون أن خيالهم سيصبح واقعا ذات يوم، وهذا كل ما يهم.”
مرت 5 سنوات على حديث الفتاتين.. عادتا إلى مصر ودخلتا الجامعة.. الأوضاع سيئة تماما، والبلد لم تكتف بالقاع، بل نزلت إلى ما هو أقل منه.. أصبح حديث الفتاتين كله عن السفر والهجرة، إلى ألمانيا تارة، وإلى بريطانيا تارة أخرى.. لم يعد لديهما نفس الشعور، وكما لم تستطيعا تفسير الحب السابق، لا تستطيعان تفسير شعورهما الحالي، تدهور الأوضاع قد يكون سببا منطقيا، ولكنهما في قرارة نفسيهما يدركان أن هذا ليس حقيقيا.
يطلب الأستاذ الجامعي في محاضرة اللغة العربية من الطلبة أن يكتبوا قصة قصيرة كتطبيق على ما درسوه.. تكتب الفتاة قصة “الجدار” مرة أخرى، لكن هذه المرة يعيد سكان القرية بناء الجدار مجددا، في حين يختار الشاب الذي بدأ في هدمه سابقا أن يذهب للجانب الآخر ويتركهم في سجنهم الاختياري.

في هذه المرة كان الخلاص فرديا بالرحيل، في حين أنه في المرة السابقة كان الخلاص جماعيا بالبقاء والعمل على بناء مستقبل أفضل.

تقرأ إحداهما قصة “القتلة” لإيرنست هيمنجواي، حيث يغادر البطل مدينته بعد أن فقد الأمل في تغييرها، أدركت حينها حقيقة التغير في مشاعرها هي وصديقتها.. المشكلة لم تكن يوما في الأوضاع السيئة، فمنذ أن جاءتا إلى هذه الدنيا وهي كذلك، المشكلة الحقيقية تكمن في أنهما فقدا الأمل في تبدل الأوضاع يوما ما.
يحلو لمؤيدي السلطة اتهام كل من يريد الرحيل بأنه يتخلى عن الوطن وهو يحتاجه، وبأنهم سيذهبون الآن بسبب الأزمات، ولكنهم سيعودون بمجرد أن يصبح الحال على ما يرام، كثيرا ما يرددون: “متقولش إيه ادتنا مصر، قول هندي إيه لمصر”، لكن الواقع عكس ذلك، فكثير ممن يريدون السفر لم يكونوا يريدون سوى بعض الأمل في أنه هناك شيء أفضل في الأفق، وأن جهدهم وتضحياتهم لن تذهب سدى، حتى لو لم يروا هم وأبناؤهم هذا الأفضل.. لم يطمحوا إلا لشيء من الأمل، ولكنهم حرموه.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك