اليوم : الثلاثاء 24 اكتوبر 2017

“ولكم فرحت حين لاح وجه الدنيا، وآمنت بمجئ الفرح، وفتحت الباب؛ فإذا بالبلياتشو يستقبلني مقهقهًا”
نجيب محفوظ – أحلام فترة النقاهة

حين قابلت الفتاة العشرينية ذاك الشاب الذي يكبرها ببضعة أعوام، شعرت – وربما كان هذا الشعور بدرجة اليقين – أن وجه الدنيا قد لاح أخيرًا. وأن هذا البلياتشو قد جاءها مقهقهًا بقصة حب روائية، كانت تنتظرها وتضع سيناريوهاتها فى أحلام يقظة ما قبل النوم.
فهذا هو الشخص الذي تستطيع أن تحاوره عن فيلم مرشح للأوسكار، أو تستمع معه أغنية عاطفية لعبد الوهاب، أو يحللا معًا عميق معاني نص شعري أو جزالة ألفاظه، أو يذهبا معًا لحضور عرض أوبرالي لبوتشيني أو فيردي.
“ومين ينسي، ومين يقدر في يوم ينسي
شعاع أول شرارة حب!”
تستمع الفتاة راقصةً محلقةً بأحلام اليقظة على غناء العندليب لهذه الأغنية اللطيفة، والتى كانت تعبر عن حالها حينما ترى الشاب أو حتى تفكر فيه. فبدعة الحب من أول نظرة التي صدرتها لنا السينما، أو التي فى حقيقة الأمر هى من ابتكار شكسبير في كوميديته “روميو وجولييت”، لا تفسر فيزيائيًا إلا بكونها (شعاع) يخرج من لحظ الناظر إلى قلب المتلقي مباشرةً، فهو انجذاب ثنائي القطب لا محالة.
“وأزوق ليلي وأتزوق لأجمل وعد. وأدوب لك فى شرباتي شفايف الورد”
وهب الله الشعراء قوة الكلمات المعبرة عن مشاعر الناس المختلفة. لهذا تتضاعف الفرحة التى تغمر قلب الفتاة حين تستمع إلى صوت نجاة يشدو بهذه الكلمات العذبة. انتظار مفعم بالشوق إلى ذلك اليوم الذى سترتدي فيه أفضل ما لديها أو “تتزوق” لأجمل وعد. والذى إذا جاء سيكون أول وعد، ثم تتلاحق الوعود.
“ولا عمر بستانه طرح. غير الهنا وغير الفرح”
واللحن فى هذه الجملة لا يذكر الفتاة إلا بيوم الزفاف الذي لم يأت بعد، وبفستان ذاك اليوم، ومشاهد التهنئة والمباركات. فهو لحن “الهنا والفرح” الأجمل على الإطلاق.
حتمًا سيكون هذا الكوبليه هو “هايلايت” يوم الزفاف، وستكون هذه الجملة تحديدًا هي ما سيستمعان إليه معًا، فيتغامزان بابتسامة لطيفة، ودودة، تحمل الذكرى الفَرِحة، واللحن البهيج.
فقرة استدراكية: من عبقرية نجيب محفوظ، ومن الأسرار التى تجعل احتمالية تكراره فى حكم قريب من الاستحالة؛ هى واقعيته الشديدة.
فوجه الدنيا لا يلوح بهذا الشكل السينمائي، والبلياتشو لن يطرق بابك مقهقهًا. ولا يشترط أن يكون البلياتشو مقهقهًا في حياته البعيدة عن الأضواء قصيرة المدى. البلياتشو لن يأتي لك مطرقًا على بابك أصلًا.
وكأن هذه الضحكة -فى صورة نجيب محفوظ- هي ضحكة الانتصار وهو يقول:
“ألم أقل لك ذلك؟”
فكل ذلك مجرد أحلام، أحلام فترة النقاهة، والمراهقة، والشباب، والكهولة، وربما الشيخوخة.
الحب هو حلم كل إنسان على وجه الأرض؛ بجميع أشكاله وصفاته.
ومن ليالي الألف ليلة لأم كلثوم، تذهب الفتاة لأنشودة أخرى أيضًا كلثومية تقول:
“سألت عن الحب أهل الهوى. سقاة الدموع ندامى الجوى”

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك