اليوم : الثلاثاء 21 نوفمبر 2017

لحظات الفراغ هي مساحات زمنية مميزة يختلف استغلالها من فرد لآخر من بني البشر. فمنهم من لا يطيقها ويسعى للقضاء عليها بكل جهده، ومنهم من يتلذذ بإهدارها في اللاشئ، ومنهم من يقضيها في التفكير، مختلف ألوان التفكير “أسئلة وجودية، ترتيب للأولويات، حل للأزمات شخصية، قلق حيال أمر ما، إلخ”
عادة ما يأتي التفكير نتيجة التأثر بمؤثر خارجي يثير الجدل في ذهن المرء ويطرح ما يسبب صراعًا داخليًا بين متناقضات الإنسان بحثًا عن إجابة أو تفسير أو صياغة لحالة ما يمر بها. أو هكذا تسير الأمور. وهذا تمامًا ما كان يحدث لي كلما صادفت إحدى تلك “البالونات المعلقة”.

منذ زمن بعيد دخلت “البالونات الغازية” إلى عالم الترفية الطفولي. تلك البالونات المزينة بأبهج الألوان وأشد الشخصيات جذبًا للأطفال من عالم الرسوم المتحركة وكتب الكوميكس ورموز البراءة. يتميز ذلك النوع من البالونات عن نظيره من البالونات العادية التي تمتليء بالأكسجين أو الزفير بأن غازات كالهيدروجين -قديمًا- والهيليوم تستخدم لنفخه عادة مما يكسبه العديد من المميزات أهمها الصلابة والتماسك والقدرة علي التحليق والارتفاع لمسافات كبيرة. وهنا تكمن الأزمة وتتجلى الظاهرة!
عادة ما يباع هذا النوع من البالونات في المراكز التجارية ومدن الألعاب وأماكن الترفيه المختلفة ويقبل العديد من الأطفال على اقتنائها بشكل كبير حتى يتحول المشهد في الأعياد والمناسبات إلى ما يشبه مهرجان “حربًا بالونية” تستبدل فيها الرايات والرماح بالبالونات والدماء والصيحات الحماسية بضحكات الأطفال البريئة وصيحاتهم المرحة. وكلما كثرت البالونات كلما تناسب ذلك طرديًا مع ما أحب أن أسميه “ظاهرة البالونات المعلقة”
وهي ظاهرة سيلاحظها أي متامل في أسقف الأماكن الترفيهية، فالعديد من البالونات تفلت من بين يدي الأطفال وتحلق عاليًا حتى تلتصق بالسقف ويصبح أمر إعادتها مهمة صعبة للغاية. شاهدتها مرات عديدة. تلك الأيدي التي تفلت البالونات بإهمال ودون عمد وتلك الأعين التي تراقب بحسرة بالوناتها التي لم يمر على شرائها سوى بضع دقائق وهي تحلق عاليًا وتحتضن السقف دون قبلة وداع لصاحبها أو وعد باللقاء مجددًا.. صراخ الأطفال والدموع المنهمرة والحسرة الكبيرة أشياء يصعب نسيانها. لكن ما يصعب نسيانه أكثر تلك الحالة التي يثيرها منظر تلك البالونات المعلقة في النفس والذهن. إنها حالة مثيرة للتأمل ويمكن أن يكتب عنها ملايين الكتب والتنظيرات حول دلالات هذا المنظر وتلك الظاهرة. فمن الناس من قد يرى في حال تلك البالونات تطابقا مع حال كثير من أحياء هذا العصر الذين تحلق آمالهم وأحلامهم في الفضاء الفسيح لكنها دائمًا ما تصطدم بحائط الواقع الذي عادة ما يتسم بالقسوة أو في أفضل الظروف يكون أدنى من مستوى ما يتطلع إليه الكثير من الناس. البعض الآخر يرى فيها تشابها ما بين حالها وحال الكثير من المعلقين في الفراغ ما بين خيارين لفرار منهما. إما السقوط أو إنسداد الأفق، إما السيء وإما الأسوأ، إما هذا وإما ذاك دون أي بديل أو خيار آخر ودون قدرة على الحسم، مما يجعل التعلق بلا إرادة ولا اختيار، هو الحال الذي يستقر عليه وضع هؤلاء حتى حين.

البعض قد يأخذ الظاهرة إلى بعد آخر، فيبدأ بالتحدث عن المجتمع الاستهلاكي وعصر ما بعد الحداثة أو الرأسمالية وأزمة توزيع الثروة وهذا العالم غير المنصف الذي يعطي البعض أجمل لحظات الطفولة بينما يحرم البعض الآخر من حق الغذاء والعلاج والحياة من الأساس. وهناك من قد يراها رسالة قدرية مجهولة وهناك من سيراها رمزية لشئ لا نعرف بالضبط ما هو. وهناك وهناك وهناك.. ملايين التصورات والأفكار المختلفة قد تدور في ذهن الإنسان جراء رؤية مثل هذا المنظر -بعد إستبعاد فكرة ألا يعير الإنسان إنتباهًا للمشهد من الأساس- وملايين المعتقدات والرؤى يتم إسقاطها على هذا المشهد بمجرد أن يثير انتباه أحدهم.

لكن الحقيقة الخالدة تتلخص في أن تلك البالونات بريئة من كل تلك الرؤى والنظريات التي يمكن أن تحاك حولها وأنها مجرد بالونات شاءت الصدف أن تكون على هذا الحال بهذا الشكل وأن كل ما قد يحاك حولها من نظريات لن يبدل من وضعها شئ ولا سيغير من حقيقة انكماشها مع الوقت وسقوطها المحتمل شيئا. البالونات معلقة والبشر يفكرون. ومهما حدث سيظل المعلق عالقًا طالما المفكر ظل يفكر ولم يتحرك. أما الفكر فمع أول موجة نسيان يذهب بلا رجعة في غالب الظن.

وحده ذلك الرجل الذي جلب سلمًا وصعد ليحضر البالونات، هو من شعُرت بأنه أخذ الأمور على محمل الجد.. وحده من أنهى العناق العنيف بين البالونات والأسقف الصامتة. وغيّر كل شئ.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك