اليوم : الثلاثاء 24 اكتوبر 2017

عزيزي قارئ هذه السطور، لست مجبرًا على الاستمرار في القراءة وإن قرأتها فأنت لست مجبرًا على ترك قلبك يشعر بنفس الألم الذي أشعر به الآن وأنا أكتب تلك السطور، فلقد تأهلت مصر أمس للوصول لمباريات كأس العالم وأعلم أن هذا الخبر سعيد جدًا وأنني بما أكتب أُعيد على ذاكرتك أيامًا حزينة لست مجبرًا ع تذكرها، ولكن أنا لازلت أشعر بذلك اليوم واحمل بداخلي جمرة نار مشتعلة لن تنطفئ حتى مماتي.
أعتقد أنك لازلت تسأل نفسك حتى الآن لماذا أكتب ولماذا لن تنطفئ تلك الجمرة حتى مماتي!
سأقولها بمنتهى الأمانة، ما رأيته يوم الأحد الأسود 2011 لن يُمحى من الذاكرة، ففي كل لحظة أتذكر كيف تقابلت مع مايكل مسعد وكنا نشعر بحماسة بالغة لأننا أيقنا ولو لمرة واحدة فى عمرنا -آنذاك- أن لدينا بعضًا من الحقوق والحريات التي بها ننطلق من عنق الزجاجة لنشعر بتلك السعادة، ولكن لم يطل ذلك الشعور، فبينما كنا نهتف ونردد نريدها مدنية وأين حقوق الأقباط، كان هناك فخ يُنصب لنا في هدوء.
ترددت كثيرًا في إعادة سرد أحداث اليوم المؤلمة، ولكن ليس أمامي اختيار آخر فبعد 6 أعوام على أول مذبحة صريحة من قبل الجيش المصري لمواطنين عزل، أستطيع أن أقرأ المشهد من زاوية مختلفة، فالمعظم ينسى والبعض يتناسى والآخر يتذكر ويعيش لحظات ذلك اليوم بألم بالغ.
صديقي.. ما كنت لأكتب تلك الذكريات إلا لعلمي أنها أصبحت ذكريات فأُعيد سردها ربما تتذكرون وتتأملون وتشعرون بما يشعر به أهالي الشهداء في هذا اليوم، فلتدعوني أتأمل معكم تلك الكلمات البسيطة التي وإن وصفت مشاعري فلن تصف حزني.
التقيت بمايكل وتوجهنا إلى دوران شبرا لنسير في مسيرة سلمية نطالب فيها بحقوق الأقباط، ليس لأننا (أقباط)، بل لأننا مصريون نعمل بالمجتمع المدني منذ سنوات وصرنا أكثر نضجًا بعد ثورة يناير لنعلم أن الأقليات في مصر لا يحصلوا إلا على الفُتات المُلقى لهم من على مائدة الأسياد، سرنا في طريق طويل كأنه طريق الصلب، تذوقنا مرارة كأس الخل الذي ذاقه السيد المسيح على الصليب، رأينا البعض ينبذنا والبعض ينضم إلينا في شجاعة وكأن ذلك الطريق هو الطريق إلى الجلجثة “موضع صلب السيد المسيح”، على الرغم من دفء الشوارع بالجموع المحيطة بنا إلا أنه كان هناك برودة قادمة من نفق شبرا.
بعد 6 أعوام أستطيع أن أتذكر وجوه المارة من حولنا، فالبعض ينضم علينا والآخر يتمتم بكلمات لم أستطع سماعها وسط الجموع، ولكن الغضب الظاهر على وجوههم يرسل لي ماهية كلماتهم وهل هي متضامنة معنا أم هي رافضة للجوئنا للشارع للمطالبة بحقوق الأقباط، وصلنا بالمسيرة لنفق شبرا وهنا أدركت من أين أتت كل تلك البرودة التي شعرنا بها في الطريق إلى ماسبيرو، فلم تكن تلك البرودة قادمة من السماء بل كانت قادمة من القلوب، حيث وقف البعض بملابسه الداخليه فوق النفق يقذف علينا الطوب، وفي مشهد آخر وقف شباب المسيرة يحنون رؤوس الفتيات ويضعوا عليها ورق ليحموهن من ضربات الطوب القوية التي كانت تنزل على الأرض تحدث ضجيجا، لم يكن ذلك الحجر سوى حجر لا يشعر ولا يتكلم ولا يغضب ولكنه كان قويًا بقوة غضب قاذفيه، وحينما حاوطني “مايكل” بذراعيه لأتمكن من المرور بعيدًا عن هذه المعركة التي لم تكن معركتنا من الأساس ولم يكن مُخطط لها من قبلنا، بدأت ضربات قلبي تتصارع بين تكملة مسيرة الصلب واعتبار أن ما حدث كان مجرد تمويه عن الهدف الأكبر لنا أو الرحيل واعتبار أن ما حدث جرس إنذار لنا لنستكمل ما تبقى من حياتنا في المطالبة بحقوق الأقليات وحقوق الإنسان والعدل والمساواة.
شعرت أن كفة الرحيل تضمحل أمام صرخات المتظاهرين “الله محبة” “عايزينها مدنية”، فكان على أحد منا اتخاذ القرار. وقد كان، أكملنا طريق الصلب ولم ندرك أنه طريق طويل ومرارته ستظل في حلقنا إلى الأبد، تقدمنا مع المارة إلى ماسبيرو حيث جنود الجيش والشرطة العسكرية، أتذكر أن مايكل أراد الرحيل خوفًا عليّ! وبين لحظة وأخرى قرر المكوث لمعرفة كيف سيتحول مسار المسيرة، لم يكن يدرك أن هناك مدرعة غاشمة ستتحرك من أمام مبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون لتلتصق بجسده وتلقيه جثة هامدة على الأرض، في تلك اللحظه تلامس الليل مع النهار والشمس مع القمر وأصبحت الدقائق تمضي وكأنها تُكسر عظامي ألمًا على الفراق، فارقت روحه جسده بين يدي، حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها تلك الكلمات احاول جاهدة أن أتذكر عدد الأنفاس التي لجأ إليها لتبقيه حيًا للحظات ثم فارق الحياة بعدها، كم من الألم الرهيب في هذا اليوم!
لطالما كنت أشاهد فيلما عن قصة حياة السيد المسيح وطريقه إلى الصلب ولم أكن أظن أنني سوف أسير نفس الطريق مع شخص كان أقرب لي من قلبي.
أراكم وأنتم تقرأون هذه السطور وأنتم ترددون: “حياتها استمرت وتزوجت وستنجب أطفالا وستزول آثار مذبحة ماسبيرو عنها -هذا إن لم تكن قد زالت وتكتب إلينا تلك الكلمات من باب الشهرة- “أدرك تمامًا ما يدور في مخيلة البعض ولكن الحقيقة الوحيدة الخالية من الكذب والنفاق والزيف هي حقيقة وجودي في تلك المذبحة وحقيقة قيامتي منها شخصية جديدة، أحتفظ بالإجابات عن أسئلتكم لنفسي وستظل تلك المذبحة هي نقطة التحول الحقيقية في حياتنا جميعًا، منا من قام من بين الأموات “الزيف والحقد والخداع والتجريح” ومنا من ظل راقدًا يعقب ويراقب ويتخيل ويصور ويصنع أفلاما لن يقوم بتصويرها -أبدًا- مخرج في يوم من الأيام، وتظل مذبحة ماسبيرو في كل عام هي جرس الإنذار أنه هناك في مكان ما قُتل شهداء طالبوا يومًا بالحرية وحقوقهم لم تأت حتى الآن.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك