اليوم : السبت 18 نوفمبر 2017

يطرح نصر حامد أبو زيد في الفصل الأول من كتابه الشهير “نقد الخطاب الديني” تصوره عن آليات ومنطلقات الخطاب الديني، في أسلوب تحليلي رشيق وغاية في الذكاء، يحلل نصر الخطاب الديني المعاصر ويبرز مدى التلاعب الإيديولوجي بالعقول على حساب الدين. لا يهمني هنا شرح الفصل أو تبسيطه أو الخوض في جدل تأويل الخطاب وغيره من أهداف الكتاب المهمة -إلى أقصى حد-، ما يهمني هو كلامه عن “اختزال المصطلحات” في تعبير بسيط لا يمت للمصطلح بصلة، وعن أهداف ذلك الاختزال وأساسه. ويرد نصر ذلك إلى آلية من أهم آليات الخطاب الديني المعاصر من وجهة نظره وهي “رد الظواهر إلى مبدأ واحد”، وفي تلك الآلية يتم إلغاء العقل والمنطق أو كما يصفها نصر بِ”نفى الإنسان”، ويعمل الخطاب على رد كل الظواهر إلى سبب واحد وهو “الله” مع إهمال التحليل وقانون السببية، ويكون الهدف الأساسي هو عملية التشويش الإيديولوجي وشل التفكير.
إذًا اختزال المصطلحات ليس بالأمر البسيط الذي يمكن تجاوزه بسهولة واعتباره أمر لا يستحق كل تلك الجدية التي يتحدث بها نصر. ولتوضيح الفكرة أكثر، أفضل أن أعرض جزءا صغيرا من كلامه عن اختزال المصطلحات:
“وقد ألمحنا إلى اختزال الماركسية في الإلحاد والمادية، فليس مهما على الإطلاق فى أى سياق ورد قول ماركس “الدين أفيون الشعوب”، وليس مهما كذلك أن يكون هذا القول موجها إلى الفكر الدينى، والتأويل الرجعى للدين، لا إلى الدين ذاته، بل المهم أن يؤدى هذا الاختزال غايته الإيديولوجية. وهكذا يؤكد الخطاب الدينى -بمثل هذا التأويل والاختزال- مقولة ماركس فى حين أراد أن يدحضها”.
بالتالى عدم التفرقة بين الديني والدنيوي، ورد كل شئ إلى الله، يجعل من العقل أرض خصبة لتقبل اختزال المصطلحات، وتصبح العلمانية “حيوانية الإنسان”، والفرويدية “وحل الجنس”، والماركسية “إلحاد ومادية” وما إلى ذلك من الاختزال والتشويش أو بالأحرى التشويه.
هدف ذلك المقال أن يناقش اختزال المصطلحات بمنظور أوسع يتخطى الخطاب الديني المعاصر، لأن ذلك الاختزال يتجلى بشكل لا نهائي، فنراه في أبسط الأشياء وأكبرها، وتستمر عمليات التشويش يوما إثر يوم، وبما أن الإنسان يؤثر الراحة على إعمال العقل، فما المانع من أن يتقبل ذلك الاختزال طالما يلائم قناعاته -التي لم يبذل أدنى مجهود في الاقتناع بها-؟
بالتالي الإنسان ليس ضحية فقط لذلك الاختزال، إنما يشارك بقدر لا بأس به، تقبله واقتناعه في حد ذاته مشاركة. بالتالي هو نصف ضحية ونصف مشارك في عمليات الاختزال.
نعم، أن تنساق بتلك السهولة في دوامة من الجهل والعبث، وتدافع عن جهلك بمنتهى القوة، وتشارك في تغلغل تلك المصطلحات المبتورة، وجعلها مسلمات وحقائق رغم ما فيها من كذب وتضليل، لا يمكن أن يطلق عليك في تلك الحالة إلا نصف ضحية.
اتضحت الصورة نسبيا الآن، يرتكز اختزال المصطلحات على دعامتين أساسيتين لا يقلون أهمية عن بعضهم البعض: الخطاب الديني المعاصر والإنسان كنصف ضحية ونصف مشارك.
اما الدعامة الثالثة والأخيرة، والتي تبدو لوهلة لا تمت للموضوع بصلة، لكني أعتبرها لا تقل أهمية عن الدعامتين السابقتين، ألا وهي “مفهوم السرعة” عند الأديب التشيكي ميلان كونديرا.
أتحدث هنا عن روايته الشهيرة “البطء”، يناقش كونديرا في تلك الرواية مواضيع شتى، لكن يلوح في أفق كل منها هدفه الأساسي من الرواية: تكوين رؤية عن مفهوم السرعة والبطء بشكل فلسفي. يقول كونديرا: “السرعة هي شكل الاختطاف الذي جعلت منه الثورة التقنية هدية للإنسان”، ويقول أيضا جملته الشهيرة: “تتناسب درجة البطء طردا مع قوة الذاكرة، وتتناسب درجة السرعة طردا مع قوة النسيان”. ويتضح في الرواية أن كونديرا ناقم على عصر السرعة، الذي اختزل كل شئ حتى “اللذة”. فأصبح كل شئ يفتقد إلى ما هو جوهري وذا معنى، وهرب الإنسان من ذاته بالسرعة، وتجاوز ثقلها وحلق في سماء اللامعني. وتعرض التفكير كذلك لعمليات الاختزال الشنيعة وقدم القرابين لإله العصر الجديد “السرعة”، وأصبح أرضا خصبة ممهدة لأنصاف المعرفة، وأنصاف المصطلحات والتشويش الإيديولوجي الناتج عنهما، ووصل -عن طريق اختزال المصطلحات- إلى معرفة “سريعة” تناسب العصر.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك