اليوم : السبت 25 مارس 2017

يقول “جوردان بيلفورد” بطل الفيلم الأمريكى “ذئب وول ستريت” الذى أخرجه مارتن سكورسيزى وجسد شخصيته المحورية “ليوناردو دى كابريو” إن البائع الشاطر يستطيع أن يقنعك بشراء أي شيء بالسعر الذى يُحدده ويجعلك تخرج مبسوطا وكأنك فزت بصفقة العمر، حتى لو كان مضحوكا عليك! إنه فن التسويق والدعاية وحرفة البائع ودرجة ذكائه ودراسته للسوق وللزبون المستهدف، ولا شك أن دينا حرب، المنتجة الجديدة الشابة تمتلك الذكاء والشطارة والقدرة على الإقتحام، وعمل دعاية هائلة ومجانية لفيلمها الأول “بشترى راجل”، مستخدمة خدعة أو بلوف أطلقته على الفيس بوك، من خلال فتاة وهمية، نشرت خبرا فى بوست، مفاده أنها ترغب فى الحمل ومُستعدة أن تدفع للرجل المناسب، مبلغا ضخما من المال، مقابل “بعض من حيواناته المنوية” بدون أى التزام بالزواج!

طبعا البوست عمل ضجة هائلة، على مواقع التواصل الاجتماعى، وصلت إلى حد تكفير الفتاة الوهمية واتهامها بالفجور والفسق، والخروج على تعاليم الدين، وقيم المجتمع، بينما أنصار قضايا المرأة، كان رأيهم أن من حق الفتاة ان تستمتع بمشاعر الأمومة، بدون أن تضع نفسها تحت ضرس رجل يشترى ويبيع فيها، طالما أنها لن تتسبب فى أى أذى لأي شخص!

وبعد أن وصل الموقف إلى حد الاشتعال وحقق الضجة المطلوبة، ظهرت دينا حرب منتجة فيلم “بشترى راجل” لتؤكد أن الموضوع كله دُعابة ودعاية، للفيلم، وأن القضية التى طرحت، هى موضوع الفيلم الذى قامت بإنتاجه، أما سيناريو الفيلم فهو من تأليف إيناس لطفى بمساندة ورشة أشرف عليها وائل حمدى.

والحقيقه أن فكرة الورش التى تنتج سيناريو لفيلم بسيط، من الافتكاسات الغريبة التى أرى أن آثارها لن تكون طيبة بحال على السينما المصرية، فيمكن قبول مساهمة أكثر من كاتب سيناريو محترف فى كتابة سيناريو فيلم تاريخى، أو سياسى، أو اجتماعى يتضمن قضية ما، بحيث يختص كل منهم بجانب أو مهام محددة، أما سيناريو فيلم “بشترى راجل”، فهو أضعف حلقات الفيلم، وعلى عكس المقولة السائدة أن المخرج العبقرى لا يستطيع أن ينقذ سيناريو ضعيفا، فإن “محمد علي” استطاع فعلا أن يخلق من سيناريو مليء بالثقوب فيلما لطيفا، لا تندم على مشاهدته.

ويصطاد “بشترى راجل” كذا عصفور بخبطة واحدة، أولها الإعلان عن منتجة شابة تمتاز بذكاء ومهارة فى التسويق وحماس تُحسد عليه، ثانيًا يقفز باسم محمد ممدوح الشهير بـ تايسون إلى المكانة التى تستحقها موهبته، مُحطمًا بذلك فكرة مواصفات فتى الشاشة، ثالثا يمنح الجمهور فرصة أن يشاهد ابتسامة نيللى كريم، بعد أدوار كثيرة قدمتها فى التليفزيون أو السينما كان العبوس هو العامل المشترك بينها، رابعا -وهذا هو الأهم- يعيد فكرة البطولة النسائية، بعد أن اختفت سنوات طوال ولم تظهر إلا لمامًا ومن خلال عدد محدود جدا من الأفلام التى أُنتجت فى السنوات الأخيرة!

حكاية الفيلم بإختصار شديد تدور حول شمس وهى فتاة تخطت الثلاثين ناجحة جدا فى عملها، ولكنها مثل آلاف الفتيات تواجه إلحاحًا مُستمرا من والدتها كى تتزوج، فالأسر المصرية والعربية، لا تعترف بتفوق الفتاة المهنى أو الدراسى، المهم أن تلحق قطار الزواج والأمومة، حتى لو اضطرت للارتباط برجل لا تطيقه. ولكن شمس لا تفكر فى الزواج، بل ترفضه تماما وفى نفس الوقت لديها حنين أن تصبح أمًا، وربما تكون تلك المشكلة لها حلول كثيرة فى معظم بلدان العالم، ولكنها فى منطقتنا العربية غير مقبولة بتاتًا! وهنا تفكر شمس فى أن تستأجر رجلا ليصبح زوجها على الورق فقط، حتى تتمكن من الإنجاب ثم يذهب لحاله بعد أن تعطيه”حسنته”! وطبعا يشترط أن يكون خاليا من الأمراض، ومن عائلة معقولة لأن الطفل القادم سوف يحمل اسمه.

وعلى الجانب الآخر يعيش “بهجت” أو محمد ممدوح أزمة طاحنة، فهو طبيب بيطرى ويمتلك مزرعة، عليها ديون، أدت إلى الحجز عليه، وهو ما يضطره أن يقبل عرض شمس “نيللى كريم” أن يكون زوجًا صوريًا، حتى يتم حملها، ولكن كما هو متوقع حتى قبل أن تدخل الفيلم، أن الحب سوف يجمع بين قلبيهما وسوف تنتهى الأمور بالنهاية السعيدة اللطيفة، أو اللطيفة السعيدة، وسوف يلحظ المشاهد متوسط الذكاء أن بعض تفاصيل الفيلم لها مقابل من أفلام مصرية سابقة كانت فى الأصل أفلاما أمريكية تم اقتباسها، فحكاية المرأة القوية الصارمة العنيدة، التى لا تطيق الرجال، والطبيب البيطرى الذى يستطيع بشكل ما أن يروضها ويكسب قلبها مأخوذة من “آه من حواء” المأخوذ بدوره من “ترويض النمرة”، ويمكن للمشاهد الذى ذكائه فوق المتوسط أن يلمح بعض التشابه بين بعض تفاصيل “بشترى راجل” والفيلم الأمريكى The pack up plane الذى لعبت بطولته جنيفر لوبيز، أما العيب الأكبر فى الفيلم أن كل أحداثه متوقعة، بحيث يبدو خالٍ تماما من المفاجآت، وأن عدم الخبرة بقواعد وأصول كتابة السيناريو جعل الورشة تفتعل صداما بين كل من نيللى كريم ومحمد ممدوح حتى يكون للفيلم ذروة، ثم يبدأ طريق الحل تمهيدا للنهاية السعيدة، رغم أن هناك مواقف كثيرة وشخصيات لم يتم استخدامها كما ينبغى مثل العشيقة السابقة لبهجت التى جمعت ملابسها وخرجت من الحدث كله رغم أنها خصم عنيد وعلاقتها الطويلة به تجعلنا نتوقع أن تصارع من أجل البقاء! ولكن على أية حال فهذه النوعية من الأفلام لا تحتمل التعقيدات، وكل شيء قابل للهضم السريع، ومع ذلك فإن ألق الأبطال وخفة ظل محمد ممدوح، مع سحر وجاذبية إطلالة نيللى كريم كان لهم دور فى إثارة الضحكات أو الابتسامات على أقل تقدير، وقد كان لاختيار أماكن التصوير وخاصة المزرعة التى يمتلكها بهجت أو محمد ممدوح أثرا فى خلق جماليات للصورة، وراحة للعين، وكانت موسيقى أمير هداية ومونتاج وائل فرج مع مدير التصوير من العناصر التى ساهمت فى إضفاء أجواء مرحة وإيقاع متدفق، ضف على ذلك الاستعانة ببعض النجوم فى أدوار قصيرة مثل بيومى فؤاد الذى فجر كثير من الضحكات بمشهد واحد ظهر فيه، إختيار توقيت العرض ذكاء تسويقى يُحسب أيضا للمنتجة دينا حرب، ولكنها لن تتمكن من الاعتماد على نفس الأسلوب فى تسويق فيلمها القادم، الذى سوف يكون نقطة فاصلة فى بقائها أو خروجها من حلبة صناعة السينما، التى يسيطر عليها وحوش الإنتاج والتسويق!

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك