اليوم : الخميس 21 سبتمبر 2017

هو واحد من أجمل الأفلام المصرية التى شاهدتها فى الآونة الأخيرة، ولأن الأرقام لا تعبر دائما عن قيمة الأشياء، فربما لذلك يأتى إيراده خلال أيام العيد فى مكانة متأخرة بعد أفلام شديدة الرداءة.
ولأن الإنسان عدو ما يجهل، فسوف يتوقف البعض متسائلين عمن يكون “الأصليين”؟ وكأن إجابة السؤال هى بيت القصيد، أو كأن الفيلم -أي فيلم- هو مجموعة من الألغاز والأحاجى أو أسئلة امتحان خارج المقرر تستدعى الاعتراض والغضب ومهاجمة واضع الأسئلة.

خلينا نقول إن نظام التعليم عندنا أفسد قدرة الناس على التأمل والبحث والاستنتاج، وقبلها أفسد متعة استطعام، والاستمتاع بالفنون، وكل شىء خارج المألوف، وعلى كل حال ممكن نعتبر “الأصليين” هم الناس الذين  أعطوا لأنفسهم الحق وافترضوا أنهم فقط ودون غيرهم حراس القيم والتقاليد فى المجتمع ومراقبة البشر حتى لا يخطئوا وتسجيل أدق خصوصياتهم لمواجهتهم بها عند الحاجة.

“الأصليين” أعطوا لأنفسهم الحق فى إصدار الأحكام على البشر، وكأنهم خلفاء الله على الأرض، وإذا كان هناك ملائكة يرصدون أفعال البشر الخيرة والشريرة فى كتاب، فإن هؤلاء “الأصليين” يرصدون حياة المواطنين، ولا تعرف بالضبط من أعطاهم هذا الحق!
فيلم “الأصليين” تأليف أحمد مراد وإخراج مروان حامد، ويقدم شخصية الـ ANTI HERO سمير عليوة “ماجد الكدوانى”، وهو مواطن خالٍ من أى نقاط تميز.. عادٍ جدا، يعمل فى بنك ومستواه الاقتصادى يضعه فى خانة متميزة، يمارس حياته بروتينية مقيتة، يسمع كلام أمه وبعدها زوجته “كندة علوش”، ويقدم لأبنائه كل ما يطلبونه دون أن يسأل إن كانوا ممتنين لما يقدمه أم لا.

 

سمير ليس له أى مزاج شخصى سوى رغبته فى الاحتفاظ بالجرائد القديمة التى يعود زمن صدورها إلى بدايات القرن الماضى، ويشتريها بمبالغ فلكية رغم أنه لا يهتم بقراءتها، ويضعها فى حجرة صغيرة يعتبرها خزانته الخاصة، ربما يفكر أن أبناءه قد يعودون إليها لمعرفه تاريخ بلادهم، ولكنهم لا يفعلون.

تنقلب حياة سمير عندما يستغنى عنه البنك الذى يعمل فيه، مما يعرضه لأزمة اقتصادية عنيفة، خاصة أنه منهك بأقساط ومسؤوليات وإن أحدا من أفراد أسرته لن يرحمه أو يعذره إذا بدا منه أى تقصير، وتأتيه النجدة من خلال شخص غامض “خالد الصاوى”، يعرض عليه مهمة غريبة، تتلخص فى التلصص والتنصت على “ثريا” منة شلبى، وهى فتاة مهتمة بتاريخ الحضارة المصرية القديمة وأسباب انهيارها وما طرأ عليها من تشوهات، ولكن شرط الرجل الغامض الذى يفرضه على سمير هو ألا يحاول مطلقا الاتصال بثريا، أو التقرب منها، مهمته فقط متابعة كل تحركاتها وكأنه يعيش معها طوال اليوم، وتسجيل كل خطواتها وسكناتها ومكالماتها دون حتى أن يعرف لماذا.

أما إذا حاول أن يخرج عن هذا الدور المرسوم، فإنه سوف يتلقى عقاباً فورياً، لكن فى كل تجارب التنصت والتلصص على البشر سواء تمت من ملائكة مفوضة من الله سبحانه وتعالى، لتسجيل حسنات البشر وسيئاتهم، أو كانت محاولات من سُلطة ما لفرض سيطرة على المواطنين، فإن العنصر الناقص الذي لا يضعه أحد في الحسبان، هو معرفه ماذا يدور فى ذهن وعقل وضمير هؤلاء ممن يتم رصد تحركاتهم، وبالتالى يصعب أو يستحيل إدراك كيف تكون خطواتهم التالية.

يكتشف سمير أنه أيضا موضوع تحت المراقبة، ومع ذلك فهو يخرج عن السيطرة، لسبب بسيط  تجهله أو تتجاهله كل المؤسسات التى تحكم سيطرتها على حياة البشر وتحاول أن تتعامل معهم كحيوانات داجنة داخل حظيرة، هو أن الله منح هؤلاء البشر حق الاختيار والتمرد على كل القيود التى تقلص حقهم فى تحديد نمط الحياة الذي يجعلهم أكثر سعادة وقدرة على العطاء!

وربما تجد فى الجملة الأخيرة التى قالها “خالد الصاوى” مفتاح كل ما يمكن أن تعتبره غموضاً فى الحكاية: “الناس سوف تدرك فى النهاية أن الحظيرة  التى سجنوا أنفسهم داخلها، هى فى الحقيقة  بلا أسوار”
أحمد مراد يقدم سيناريو يتوفر فيه عنصر المفاجأة والمفارقة، ويطرح قضيته بهدوء يتصاعد بلا صخب، وجاء حفر شخصياته بعناية، خاصه ما يتعلق بسمير عليوة “ماجد الكدوانى”، الذى لم ينفعل أو يغضب إلا مرة واحدة، عندما اكتشف عدم قدرته على سحب أمواله من ماكينة ATM.

أما كل القهر الذى كان يتعرض له، فكان يتعامل معه بهدوء، حتى طبق البازلاء الذى ملأته أمه “هاله الشوربجى” بقطع الجزر وهى تعلم مدى كرهه لها، كان يكتفى بإزاحتها بإستكانة، وقس على ذلك كل ما كان يقابله من قهر أو عقاب.

ماجد الكدوانى ممثل خطير يخفى تحت ملامحه الطفولية الهادئة، بركانا من الغضب أو المخاوف، يعلن عنها بنظرات عينيه أو صوته وحركة الجسد، الذى يدل على الاستكانة.

تقدم منة شلبى حالة فريدة ممتعة صادقة بشكل مختلف عن كل ما سبق تقديمه.. عن امرأة شابة مهمومة بقضية الهوية المصرية بدون مزايدة أو افتعال.

كندة علوش الزوجة المزعجة باردة المشاعر التى لا تعبأ بزوجها وتعتبره مجرد ماكينة صرف فورى.

خالد الصاوى شخصية العميل الغامض الذى أحكم قبضته على سمير عليوة، قدمها بأسلوب ساخر لا يخلو من جدية.

موسيقى هشام نزيه عنصر أساسى وإيجابى فى تدعيم الصراع النفسى الدائر فى نفس بطل الفيلم، الذى وضعته الأقدار فى تجربة مصيرية.

“الأصليين” يضع مروان حامد ضمن أهم مخرجى السينما المصرية فى السنوات العشرة الأخيرة، وربما تكون تلك المرة الأولى التى نتابع فيها ما يحدث فى الاحتفالات الدينية للمسيحيين، التى تتفق وتتشابه مع ما يحدث فى موالد أولياء الله من المسلمين.

“الأصليين”.. متعة بصرية وفكرية يندر أن تتوافر لفيلم مصرى هذه الأيام.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك