اليوم : السبت 18 نوفمبر 2017

من الصعوبة بمكان، أن تشاهد أحداث فيلم يعتمد حواره على ما هو مطروح فى الواقع اليومى بين الناس أو فى البرامج التليفزيونية، ومع ذلك تجد متعة وشغفا فى المتابعة، يتهم البعض فيلم “مولانا” بالمباشرة، ولكن هل طرح قضايا وأحداث عايشناها بشكل ما، يحتاج إلى لف ودوران، أو مواربة؟

أصحاب هذا الرأى لم يشاهدوا على سبيل المثال فيلم “سنودين” للمخرج أوليفر ستون، المأخوذ عن قصة واقعية، وتدور أحداثها حول انتهاك أجهزة المخابرات خصوصيات المواطنين، بحجة تأمين الوطن من عمليات إرهابية محتملة! هل يمكن بنفس المنطق الأعوج أن تتهم الفيلم بالمباشرة، رغم اعتماده على حوار قائم على الجدل بين وجهتى نظر متعارضتين؟

فيلم “مولانا” المأخوذ عن رواية بنفس الاسم لإبراهيم عيسى الذى كتب له الحوار أيضا، بينما أخرجه ووضع له السيناريو مجدى أحمد علي.

يقدم فيلم “مولانا” شخصية رجل الدين بشكل مختلف تماما عن كل ما سبق تقديمه فى تراث السينما المصرية عن نفس الشخصية، فهو ليس ملاكًا لا يأتيه الباطل من أمامه أو من خلفه مثل حسين صدقى فى الشيخ حسن، ولا هو خبيث مداهن لاعق لأحذية رجال السلطة مثل حسن البارودى فى “الزوجة الثانية”، ولا غليظا خشنا، ولا هو صاحب شخصية كاريكاتيرية يتحدث بالفصحى طوال الوقت حتى وهو يضاجع زوجته، ولكن مولانا نموذج فريد مثير للإعجاب والاحترام فى نفس الوقت، فالشيخ حاتم الشناوى “عمرو سعد” شاب متفتح ذكي، ساخر، ذهنه حاضر، متمكن من مادته، يثق فى قدراته على الإقناع، يحقق شهرة ومجدا وثراء من خلال تقديمه لأحد البرامج الدينية، وتضعه الأقدار فى عدة إختبارات أحلاها شديد المرارة، تبدأ عندما يصاب طفله الوحيد فى حادث غرق، يؤدى إلى إصابته بحالة غيبوبة استدعت علاجه بالخارج، ورغم حالة الحزن التى تنتابه إلا إنه لا يستسلم لها، ويستمر فى تقديم خدماته وتوعيته للناس بأمور دينهم، ولكن الاختبار الأشد قسوة يبدأ عندما يستدعيه الرجل الذى كان يحكم مصر من خلف ستار -إشارة إلى “جمال مبارك”- ويطلب منه أن يساعده فى إيجاد حل لشقيق زوجته الذى قرر أن يتحول إلى الدين المسيحى، وهذا من شأنه أن يدمر كيان الأسرة الحاكمة ويضعها فى مأزق خطير، ويحاول الشيخ حاتم، أن يلتقى بحسن “أحمد مجدى” الذى قرر أن يُطلق على نفسه اسم بطرس، وفى اللقاء الأول بينهما لا يحاول الشيخ حاتم أن يقنعه بخطورة وخطأ ما يفعله، ولم يلجأ إلى النُصح، ولكن إلى المناقشة المنطقية، ليصل إلى حقيقة الحالة النفسية والذهنية التى دفعت الشاب إلى هذا التصرف، وتكون فرصة لمناقشة بعض الأفكار والآراء الخاطئة حول الإسلام، ولكن من خلال حوار عذب منطقى، شديد الذكاء، إنك أمام دماغ إبراهيم عيسى بتنوع ثقافته، وقدرته على الإقناع بوسائل شتى، ولأن الجهات الأمنية تجد الشيخ حاتم عصيًا على الخضوع والتجنيد والعمل لحسابها، فهى تسعى لتوريطه فى فضيحة نسائية لإستغلالها وقت اللزوم، ويصل الفيلم إلى ذروته بحادث إنفجار الكنيسة، الذى يكون نقطة تحول فى وعى مولانا عندما يتأكد، أن الجهات الأمنية وراء تدبير الحادث، لبث الذعر فى النفوس، حيث إن الخوف من أهم وسائل فرض السيطرة على الشعوب، وكالعادة تستدعى الجهات الأمنية بعض الشيوخ من ذوى الشهرة، ليقفوا أمام كاميرات القنوات الفضائية ويتبادلون القبلات مع القساوسة تحت شعار الوحده الوطنية، ولكن مولانا يقرر أن يصارح الجماهير بما يعرفه من مؤامرات يذهب ضحيتها الأبرياء، يقول كلمته ويمضى، ويبدو أنه قد حدث تغيير فى النهاية؟ حيث كانت هناك نقطة ضوء زرقاء تشير إلى وجود قناص، يتبع خطوات الشيخ حاتم أثناء خروجه من الكنيسة بعد إلقاء كلمته، وبدلا من النهاية القاتمة واغتيال مولانا، نجده مع تترات النهاية يذهب للمطار لاستقبال طفله يوسف العائد من رحلة علاج، وقد تم شفائه.

طبعا الأحداث المفروض أنها تدور فى زمن يسبق وقتنا الحالى بعدة سنوات وقبل ثورة يناير، والغريب أن السيناريو يشير إلى أن ابن الحاكم كان يُعالج فى الخارج من مرض عصبى ونوبات صرع، وهو أمر كان يشاع عن جمال مبارك فعلا، وفى الحقيقة لا نعرف إن كانت الرقابة تستحق الشكر على السماح بالسيناريو أم أنها وافقت عليه بكل ما فيه من ألغام واتهام مباشر لأمن الدولة بتدبير كثير من المصائب والأزمات، على اعتبار أن الأحداث من المفترض أنها تدور حول نظام سقطت معظم رموزه، ولكن الحقيقة التى نعرفها جميعا أن نظام مبارك لا يزال مستمرا بكل ملامحه، بل ازداد توحشا، وكل ما تغير هم الذين يجلسون فى الصفوف الأولى فى المناسبات الرسمية.. ما علينا من أسباب موافقة الرقابة، المهم أننا أمام فيلم من أجرأ ما تم إنتاجه فى السنوات الأخيرة، بالإضافة لكونه فيلما تتوفر له عناصر الدراما المثيرة من مفارقات ومفاجآت، وتصاعد فى الحدث من خلال شخصيات مرسومة بعناية، ويحقق المخرج “مجدى أحمد علي” مستوى متميزا فى تكوين الكادرات وحركة الممثل داخل الكادر، أو حركة الكاميرا، أما إختيار الممثلين فبه قدر كبير من التوفيق خصوصًا شخصية نشوى “ريهام حجاج” والشاب حسن أو بطرس “أحمد مجدى” وفريق رجال الأمن، وطبعا عمرو سعد، الذى كتب له دوره فى “مولانا” بداية سينمائية جديدة وموفقة، أما درة فهى صاحبة وجه جميل فقط! وبيومى فؤاد لم يقدم جديدا.

من أهم عناصر التميز فى الفيلم حوار إبراهيم عيسى، وكاميرا أحمد بشارى “شيكو”، ومونتاج سلافة نور الدين، وموسيقى عادل حقى.

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك