اليوم : السبت 18 نوفمبر 2017

 


1

الحدوتة، سواء نص، صورة أو صوت، هي محاولة تواصل من المؤلف للاوعيه، لنفسه، كل قصة فيها إسقاط من الكاتب على نفسه ورؤيته للعالم.
هي حكي الحدوتة، لا أكثر ولا أقل.
لكننا أحيانا ننسى، أن الحدوتة شخصية جدا، وأن كل حدوتة، لها مقاييسها المختلفة، والتي لا ينبغي أن تخضع لشروط أو أشكال متفق عليها، لكن الجميع يصل إلى نتيجة واحدة، وهي حكيها.
الحكي هو طريق الحكاية، لا طريق آخر لها، وكما لكل منا طريقه، لكل منا حكايته، وطريق لها.
من هنا يمكن الحديث عن الفيلم بفصله عن أنفسنا، والتخلص من انطباعاتنا الأولى، وربطه بخالقه، وبطريقه، وحكايته.
2
“أخضر يابس” هو فيلم ذاتي بامتياز، يتلبس خالق العمل بطلته، أو تتلبسه هي، ويتحد معها لأقصى درجة.
عندما شاهدت الفيلم لأول مرة، خرجت غاضبا، من التكرار والإعادة، والمشاهد الطويلة لحد الملل وضياع الفكرة، بضياع الوقت.
لكن تلك هي فكرة حماد، ضياع الوقت برتابته، بهزائمنا المتتالية، بمواجهتنا الحياة بظهور مكشوفة، والتخلي الدائم الذي نقابله من الجميع.
حيث اللادراما، ولا حوار، واللاشيء.
حياتنا بكل ما فيها، هي حياة ما بعد الهزيمة الساحقة.
حيث اللاشيء.. والعدم.
وحتى العدم، رخيص ويدعو للرثاء.
تلك هي رسالة حماد، التي تماهى معها، وتلبسته تماما، ولم ير سواها.
اتحد حماد مع فكرته، مع تصوره الذاتي عن وجوده، ووجود جيل كامل، فأخرج لنا فيلما يشبه الحياة، حتى في غسل الوجه الرتيب المتكرر طيلة الفيلم، مع ضربات الدهشة التي نصاب بها، عندما نشرد للحظة بسبب ميكانيكية الفعل، ورتابته، وننظر إلى ملامحنا، فلا نتعرف علينا، ونفزع لثوان، نجفف بعدها وجوهنا، ونكمل حياتنا بكل رتابة واعتيادية.
نقابل الانكسارات، كما نقابل وجوه الناس في المترو، بلا اهتمام، وباعتيادية.
ونمضي…

3
اتحد حماد تماما، لدرجة أن الفيلم، أصبح هو، أصبح نحن.
حاول أن يخرج القبح قبيحا، لكننا كنا ننتظر أن نرى القبح جميلا، سريع الإيقاع، غير ممل، لا تكرار، ولا إعادة.
كنا ننتظر أن نرى القبح ساخرا، فاتنًا…
كنا ننتظر قبح “الحريف”، حيث الجمال موجود.
لكن حماد حاول إخراج حياة كالحياة، لا كالأفلام.
يمكن أن يكون هذا هو غضبي الأكبر منه، لأني منتظر أن أرى فيلما، فغفلني وأراني حياتنا، التي لا أريد بالطبع أن أراها، لأننا أكثر قوة من الاستسلام لرتابة الحياة.
رغم استسلامنا منذ زمن لرتابتنا الذاتية.. لكبتنا الشخصي.
رغم استسلامنا لكل شيء، لكننا لا نحب أن نرى ذلك الاستسلام ماثلاً أمامنا.
نتعرف على تفاصيله، كما هي بلا تصاعد درامي، بدون كونشرتو، بدون محادثات حقيقية، كل شيء رتيب جدا، ومكرر، ومتوقع ومهزوم بشدة.
لكننا جميعا مهزومون بشدة، أو أنا بشكل شخصي، مهزوم بشدة.
لذلك نرفض أن نرى تلك الهزيمة، نرفض أن نشاهد تفاصيلها، برمزيتها المعادة والمستهلكة “مشهدي السلحفاة” ورغم رفضنا للكليشيهات، لكن تلك هي حياتنا بالمناسبة، كليشيه قبيح، كسلحفاة بطيئة.
4
“أخضر يابس”، كليشية عن القبح، كرهته بشكل شخصي، لأنه صفعني بانعكساته علي…
هل تعتقدون أني أحب أن أكتب عن هزيمتنا، برخصها الشديد؟ ولا أن أوجع نفسي، بكلمات عن لا أهمية هزيمتنا لأحد؟
عن إنكارنا الداخلي لها، رغم تشدقنا بها على الدوام؟
لكني لا أعتقد أني كنت سأكتب هذا الآن لولا حماد.
لا تعاملوا الفيلم، بتقييمات الذاتية، فهزيمتنا لا تقييم لها.
الفيلم هو حكاية قصيرة عن الهزيمة.. الملل وقبحنا.
حيث الاعتياد الشديد لكل شيء، حتى الهزيمة.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك