اليوم : الجمعة 28 يوليو 2017

“أنا هنا من أجل الأطفال الآخرين، أنا هنا لأنني أهتم، أنا هنا لأن الأطفال في جميع أنحاء العالم يعانون، أنا هنا لأن أربعين ألف شخصًا حول العالم يموتون يوميًا بسبب الجوع.. حلمي هو إنقاذ حياة أربعين ألف شخص يموتون يوميًا، يمكن لحلمي هذا أن يتحقق وسيحصل ذلك بمشيئة الله، إذا نظرنا إلى المستقبل وشاهدنا نوره الساطع، سينطفئ هذا النور إذا تجاهلنا الجوع والقهر، وإذا قدمنا هذه المساعدة سيسطع هذا النور مزودًا بإمكانيات الغد”

هكذا تحدثت الطفلة “ريتشيل كوري” في حفل انتهاء العام الدراسي في الصف الخامس.
ولدت “ريتشل كوري” في مدينة أولمبيا بولاية واشنطن الأمريكية لأسرة نموذجية لما يطلق عليه الطبقة المتوسطة الأمريكية، أب يعمل في مجال التأمين وأم تعمل بمجال الفن والموسيقى.

كانت ريتشل ناشطة في مجال حقوق الإنسان، بحركة تسمى “مجموعة التضامن الدولية”، علمت من خلال مجموعات العمل التطوعية بجامعة “إفير غرين” بما يحدث في قطاع غزة من هدم لبيوت الأسر وقتل عشوائي وحصار وتجويع، فقررت الذهاب إلى هناك في بدايات عام 2003، في محاولة كانت تعتقد أنها ستنجح لمنع ما يحدث هناك وإيصال الصورة بشكل كامل للعالم، لعل هذا يُحدث فارقًا، ولعل ذلك يوقف معاناة الفلسطينيين بالقطاع.
قبل ذهابها طمأنت ريتشيل أهلها بأن كونها أمريكية بيضاء سيحميها هذا من التعرض للأذى.
لم تكن تعلم أنها ذاهبة لتلقى حتفها دهسًا تحت إحدى جرافات جيش الاحتلال.
في السادس عشر من مارس عام 2003 وقفت “ريتشيل كوري” أمام إحدى جرافات جيش الاحتلال الإسرائيلي لمنعها من هدم أحد البيوت الموجودة على الحدود، وهو منزل لرجل يدعى الدكتور سمير، لم يبال سائق الجرافة بكوري التي حاولت منعه، فقام بدهسها مرتين تحت جنزير الجرافة، وسط صرخات الرعب والهلع من أصدقائها.
حين تشاهد وتسمع صرخات صديقتها الناشطة البريطانية “أليس كوي” الملتاعة والغاضبة والمرعوبة لحظة أن أعلنوا وفاتها في المستشفى بقطاع غزة، لا تملك إلا أن تبكي ويرتجف جسدك حزنًا وغضبًا حتى بعد مرور أربعة عشر عامًا على تلك الحادثة.
تبكي أيضا حين تشاهد بكاء أمها عندما قرأت كلمات الرثاء التي كتبت على الجدران المتهدمة في مدينة رفح حينما ذهبت لرؤية المكان الذي قتلت به، ورؤية الناس الذين عاشو معها آخر شهرين من حياتها.
في إحدى رسائلها التي كتبتها ريتشيل وهي في قطاع غزة:
حياة الناس هنا صعبة جدًا وعلى العالم أن يشعر بالخجل مما يحدث هنا”

بعد ثلاثة أيام من وفاتها، قام الدكتور سمير نصر الله -صاحب المنزل الذي ماتت ريتشيل وهي تحاول أن تمنع قوات الاحتلال من هدمه- بعمل حفل تأبين لها، فما كان من قوات الاحتلال إلا أن قامت بإرسال دبابة أطلقت النار في الهواء لإرهاب المتواجدين بحفل التأبين، وبالفعل نجحت في تفريقهم وفض حفل التأبين.
علق القائد العسكري المسؤول عن تمهيد الطرق يوم قتلت كوري بأنه يظن أن المنظمات الفلسطينية استخدمت ريتشيل كدرع بشري لنشاطاتها الإرهابية. أرسلوها إلى حقل نشاطها معرضينها للخطر!

قتل السيدة ريتشيل حدث بطريق الخطأ، إن العاملين على تلك الجرافة لم يشاهدوها.. كان حادثا مفجعا، لكن أؤكد لك إنه حدث بطريق الخطأ.

يدور سؤال في ذهني:
ما الذي دفع بريتشيل كوري بالذهاب إلى هناك والموت في سبيل قضية هي في نهاية الأمر ليست قضيتها؟
الإجابة وصلتني من أمها بطريقة غير مباشرة حين قالت تعليقا على مقتل ابنتها:

“هناك شئ ما في داخلي يتمنى لو أنها لم تفعل ذلك، لو أنها تغاضت عن فظاعة ما يحدث هناك مثلما نفعل جميعا هنا”

نعم، بالفعل العالم كله يغض الطرف عما يحدث في غزة وفلسطين منذ عشرات السنين، ومن يحاول تغيير ذلك أو لفت أنظار العالم إلى حقيقة ما يحدث هناك يكون مصيره واحد.. هو القتل.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك