اليوم : الاثنين 18 ديسمبر 2017

كُنت في إحدى المحاضرات يوم الجمعة الماضي، عندما أعطانا المُحاضر فترة راحة قصيرة لمدة نصف ساعة. كعادتي طلبت فنجاناً من القهوة ليساعدني على التركيز خلال الوقت المتبقي من المحاضرة، وكعادتي أيضاً فتحت موقع الفيس بوك عندما يكون ليس لدي ما أفعله، وأثناء جولتي في “النيوز فيد” فإذا بي أجد أحد الأصدقاء قد قام بمشاركة خبر يفيد بالهجوم الانتحاري “بسيارة مفخخة” على أحد المساجد في محافظة شمال سيناء وسقوط ضحايا قد وصل عددهم لما يربو على الـ 50 شهيداً حتى لحظة إذاعة الخبر، وأن العدد في طريقه للزيادة بسبب كثرة وقوع الإصابات الخطيرة.
بالطبع بعد ذلك اتضحت طبيعة الهجوم الذي حدث وكيفية وقوعه، وكيف أن هؤلاء القتلة السفاحين قد استمروا لمدة 45 دقيقة داخل القرية مستبيحين دماء أهلها وقتلوا من قتلوا منهم بلا رحمة أو شفقة، وكيف أنهم قد اقتحموا شوارع وبيوت القرية وبحثوا فيها عن أي ذكر من ذكور القرية لقتله بمنتهى الوحشية، سواء كان شيخاً أم شاباً أم طفلاً، وكيف كانت نتيجة الهجوم أن سقط 310 شهيداً أي أن هؤلاء القتلة قد أبادوا ثلث سكان القرية التي لا يتعدى سكانها الـ 1200 نسمة.
في قرية “الروضة” المنكوبة، يلتقي بمسجد “بلال” -الذي وقعت فيه المذبحة- مريدين الطريقة الجريرية الصوفية التي تنتشر في القرية، والتي أسسها الشيخ “عيد أبو جريرة” ووفقاً لبعض المصادر فأهل القرية كانوا ينوون إحياء الذكرى الأولى لرحيل الشيخ “سيلمان أبو حراز” أحد أقطاب وأعلام الصوفية في سيناء، والذي قام تنظيم ولاية سيناء باختطافه قبل عام من بيته، هو وشيخ آخر من أتباعه ويدعى “قطيفان بريك منصور”.
وبث التنظيم في شهر نوفمبر من العام الماضي تسجيلاً لعملية إعدام الشيخين عن طريق قطع الرقبة بالسيف، وكان الشيخ سليمان يبلغ من العمر وقتها 98 عاماً، وبعد بث الشريط بأسبوعين قام التنظيم ومن خلال مجلة “النبأ” التي تصدر عنه بنشر تهديد ووعيد لأتباع الطريقة الصوفية، جاء فيه الآتي: “نقول لجميع الزوايا الصوفية شيوخا وأتباعًا في داخل مصر وخارجها إننا لن نسمح بوجود طرق صوفية في ولاية سيناء خاصة وفي مصر عامة”
وبحسب بعض المصادر فإن التنظيم قد أرسل لأهل قرية “الروضة” تهديداً يحذرهم فيه من إحياء ذكرى الشيخ الراحل، إلا أن أهل القرية لم يستجيبوا، فجاءهم الرد في أعنف صورة.
ولتلك الجماعة سجل من الهجمات ضد الصوفيين وتهديدهم باعتبارهم كفرة ومهرطقين ففي أغسطس من عام 2013 فجر مسلحي التنظيم في يوم واحد ضريحين، هما ضريح الشيخ “سليم أبو جرير” بقرية “مزار” بالعريش، وضريح الشيخ “حميد” بمنطقة المغارة فى سيناء.
بينما كنت أقرأ وأستمع إلى شهادات من نجاهم القدر من المذبحة، ووصفهم لعمليات القتل، وكيفية مطاردة رجال القرية ممن فروا من المذبحة في المسجد إلى شوارع القرية، وإخراجهم لمن لم يكونوا في المسجد وقتلهم أمام ذويهم بمنتهى الوحشية، والحرص على التخلص من أكبر عدد منهم، فيما عُرف ووصف في وسائل الإعلام بالإبادة الجماعية الأولى من نوعها مُنذ سنّوات في مصر، تذكرت عمليات القتل الوحشية التي ارتكبها المجرم المطلوب دولياً “جوزيف كوني” زعيم الجماعة الإرهابية الأكبر عددا وعتادا في أفريقيا والعالم بأسره، والميليشيا الأكثر وحشية المعروفة بإسم “جيش الرب” في أوغندا، والتي يصل تعدادها إلى 75 ألف مقاتل من بينهم ما يقرب من 30 ألف طفل جندهم كوني بعد اختطافهم وقتل ذويهم خلال حملات الإبادة الجماعية المروعة التي قام بها والتي أدت إلى نزوح أكثر من 2 مليون أوغندي عن قراهم.
الطريقة التي ارتكب بها القتلة جريمتهم في قرية الروضة تتشابه كثيرا مع ما يقوم به هذا الشيطان “جوزيف كوني” وكلها تتم بإسم الرب وبإسم الدين، حيث أدعى كوني أنه نبي شعب “أشولي” والذي أراد عند تأسيسه لجيشه الإطاحة بنظام رئيس أوغندا “يوري موسفيني” وإقامة دولة دينية “مسيحية” يتم تأسيسها على الوصايا العشر في الكتاب المقدس.
وبإلقاء نظرة سريعة على هذه الجماعات في مصر، نجد أنها تتنوع وتنقسم إلى عدة جماعات وتنظيمات حيث إنه يوجد جماعة “جند الإسلام”، وهي الجماعة التي ظهرت على الساحة في عام 2013 حينما أعلنت مسؤوليتها عن تفجير مبنى المخابرات الحربية المصرية في رفح بسيناء، تتميز هذه الجماعة بأنها تنتمي فكريا إلى تنظيم “القاعدة”، وقد أعلنت هذه الجماعة منذ فترة استهدافها تنظيم “ولاية سيناء” وذلك باستهدافها سيارات تابعة للتنظيم، ووصفهم بالخوارج لكونهم يقومون بالاعتداء على المدنيين العزل من السلاح من أهل مدينة رفح، كما كان لها أيضا موقف آخر غريب حينما أعلنت في بيان لها إدانتها لمهاجمة مسلحي تنظيم ولاية سيناء شاحنات نقل تابعة لـ شركة العريش للأسمنت، التي يديرها الجيش وقتلهم 9 سائقين مدنيين.
وهناك جماعة “المرابطون” وهي جماعة ليس لها أية عمليات تذكر، ويتزعم هذه الجماعة “أبو عمر المهاجر” وهو في الأصل ضابط صاعقة سابق يدعى “هشام العشماوي” وهو على رأس قائمة المطلوبين من سلطات الأمن المصرية.
وجماعة “أنصار الإسلام” وهي الجماعة التي أعلنت عن ظهورها بتبنيها عملية الهجوم على قوات الأمن، في الواحات في الصحراء الغربية المصرية، منذ ما يزيد عن شهر العام الحالي يوم الجمعة الموافق 20 أكتوبر 2017.
وهناك الجماعة الأم والأهم من بينهم، جماعة أو تنظيم “ولاية سيناء” والذي عُرف في بداياته باسم “أنصار بيت المقدس”، قبل أن يُعلن التنظيم مبايعته لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في نوفمبر من عام 2014، أما تنظيم أنصار بيت المقدس نفسه فقد انبثق من جماعة “التوحيد والجهاد” المصرية والتي كانت تنشط في سيناء إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير، والتي استهدفت أكثر من مرة خط الغاز المصري الذي يمر في سيناء إلى إسرائيل، وتشير التقديرات إلى أن عدد أفراد هذا التنظيم يصل إلى الـ 1500 فردا.
ومن أهم العمليات التي تبنتها هذه الجماعة الإرهابية، ما عُرف إعلامياً بـ ”مذبحة رفح الثانية” والتي وقعت في أغسطس من عام 2013 والتي راح ضحيتها 25 مجنداً من الجيش، وهناك أيضا محاولة اغتيال وزير الداخلية المصري في سبتمبر من عام 2013، وأيضا الهجوم على كرم القواديس في أكتوبر من عام 2014 والذي راح ضحيته أكثر من 30 ضابطا وجنديا.
وهناك الهجوم الأكبر في تاريخ الجماعة الإرهابية في شهر يوليو من العام 2015 والذي شارك في فيه أكثر من 200 فردا من أفراد التنظيم، والذي هاجمت فيه الجماعة الإرهابية عدة أكمنة للجيش المصري في مناطق متفرقة من سيناء في نفس التوقيت بهدف إرباك قيادات الجيش في سيناء وبالرغم من سقوط قرابة الثمانين شهيداً في هذا اليوم منهم ما يقرب من 50 عسكريا ما بين ضابط وجندي إلا أن أفراد القوات المسلحة المصرية استطاعوا التصدي لهم وإحداث خسائر جسيمة في المعدات والأرواح.
التنظيم سبق وأن هدد القرية المنكوبة -قرية الروضة- في العلن وأعتبرها معقلا من معاقل الجهل والشرك والكفر بحسب تعبيره، وذلك في حوار منشور مع أمير الحسبة في سيناء في مجلة “رومية” التابعة لتنظيم داعش الإرهابي وذلك في العدد الخامس من المجلة في شهر يناير 2017.


الصورة من النسخة الإنجليزية من المجلة، وفيها دليل على أن القرية كانت مستهدفة من التنظيم، وهناك تهديد صريح وواضح من التنظيم للقرية، والسؤال هنا: كيف لأجهزة الأمن المصرية أن تغفل عن معلومة هامة كتلك المعلومة؟!
أثناء استماعي لشهادة الطفل الناجي من المذبحة “إسلام محمد عبد الحليم”، أغمضت عيني لعدة دقائق وتخيلت ما حدث فبكيت ألماً ورعبا وارتعد جسدي، ما حدث لأهل تلك القرية هو شيئ فظيع ومرعب ومروع، ما حدث كارثة بكل المقاييس، ما حدث يجب ألا يمر دون مساءلة ومحاسبة على التقصير، ما حدث سيتكرر مرة أخرى، إن لم يقوم المنوطون بحماية أمننا بواجبهم على الوجه الصحيح، إذا كانوا قد اختاروا لأنفسهم تلك المهمة فليقوموا بها على أكمل وجه، فليترك هؤلاء السياسة وألاعيبها لأهلها ولينتبهوا إلى مهمتهم الحقيقية، فلينتبهوا إلى أمننا، فليحرصوا على ألا تتكر تلك المذبحة، فليحرصوا على أن تتوقف التفجيرات والاغتيالات والعمليات الإرهابية، فليحرصوا على أرواح الأطفال والرجال، النساء والشيوخ فليحرصوا على أرواح صغار الضباط والجنود، فليحرصوا ولينتبهوا جيداً.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك