اليوم : الأربعاء 22 فبراير 2017

(1)
ولد المؤلف الروسي الشهير ميخائيل جلينكا عام ١٨٠٤ في مقاطعة سمولينسكي في روسيا القيصرية، وتوفي عام ١٨٥٧ ودفن في العاصمة آنذاك بطرسبرغ. يبدو جلينكا من الوهلة الأولى مؤلفًا تقليديًا للغاية، وتبدو موسيقاه التي جاءت بعد كل من بيتهوفن (١٧٧٠-١٨٢٧) وشوبرت ( ١٧٩٧-١٨٢٨) ومعاصرة لشومان (١٨١٠-١٨٥٦)، بل وفاجنر (١٨١٣-١٨٨٣) أيضاً، وكأنها لم تتأثر بأي من التغييرات الجذرية التي أسهم بها هؤلاء المؤلفون في تاريخ الموسيقى الغربية، كما تفتقد موسيقاه إلى أي شئ “قومي” يربطها بروسيا اللهم إلا اللغة، وبعض الجمل الموسيقية المشتقة من الأغنيات المعروفة آنذاك في أوساط الأرستقراطية الروسية. تبدو موسيقى جلينكا أوروبية كلاسيكية للغاية، وحينما سألت أستاذتي أثناء الدراسة في بطرسبرغ عمّا أضافه هذا الـ”جلينكا” إلى الموسيقى، أجابتني بأنه صانع الثقافة الموسيقية الروسية بالأساس، ولولاه لما وجد من لحقوه من مؤلفين روس عرفهم العالم فيما بعد، بل هو أب الموسيقى الروسية الأكاديمية إن شئت، ففي ذاك العصر وبتعبير الناقد الموسيقي الشهير ستاسوف “أسّس اللغة الروسية الجديدة كلّ من بوشكين في الشعر، وجلينكا في الموسيقى” وبالفعل حينما تمعّنت في أعماله، وعلاقتها بأعمال من لحقه، وجدت أن تأثيره قد امتد إلى كل من: موسورجسكي (١٨٣٩-١٨٨١)، بورودين (١٨٣٣-١٨٨٧)، ريمسكي كورساكوف (١٨٤٤-١٩٠٨)، تشايكوفسكي (١٨٤٠-١٨٩٣).

في عام ١٨٣٦ انتهى جلينكا من وضع أوبراه الأشهر “حياة من أجل القيصر” التي تحكي قصة البطل الروسي إيفان سوسانين الذي أخذ فرقة من البولنديين في القرن السابع عشر إلى مجاهل الغابة بوصفه دليلهم ورفض أن يدلّهم على طريق الخروج على الرغم من تعرّضه للتعذيب مفتديًا بذلك القيصر بحياته، وهي الأوبرا التي اصطلح على تسميتها بعد الثورة البلشفية بـ “إيفان سوسانين”.


(2)
يعد التدخل الروسي في سوريا منذ عام ونيف (سبتمبر ٢٠١٥) هو صراع روسيا مع قدرها التاريخي ورغبتها في أن تعيد أمجاد الدولة العظمى المحورية الضالعة في قضايا العالم ومن بينها، وربما على رأسها قضايا الشرق الأوسط، روسيا تسعى للمياه الدافئة في المتوسط من خلال دعمها لنظام بشار الأسد، وغزلها للنظام المصري، كما تسعى للخروج من شرنقة آسيا من خلال تدخلها في أوكرانيا وتسعى للوجود الفاعل في البحر الأسود من خلال ضمّها للقرم، فطالما سكتت روسيا يلتسين الضعيفة على التمدد الغربي، وتقوقعت على مشكلاتها الاقتصادية. لكن التدخل في سوريا حمل ولازال يحمل أنباءً سيئة للروس، فإلى جانب إسقاط سلاح الجو التركي للمقاتلة الروسية ٢٤ نوفمبر عقب التدخل بشهرين، تسبّب التدخل الروسي إلى جانب تحريره تدمر وحلب مؤخرًا في مضاعفة حجم المعاناة الإنسانية لقطاع عريض من السوريين، ممن يعدّون حاضنة شعبية للمعارضة السورية المسلحة، والتي تتمحور حول تنظيمات إسلامية متطرّفة مثل جبهة النصرة (فتح الشام بعد قطع صلاتها بالقاعدة)، وأحرار الشام، وجيش الإسلام وعدد من الفصائل المقاتلة داخل حلب وغيرها من المدن التي يقصفها الطيران الروسي جوًا. بطبيعة الحال تقول الرواية الرسمية إن الطيران الروسي إنما يقصف مخازن السلاح، وتجمعات المقاتلين، وأوكار الإرهابيين والمجرمين. لكن أحدًا في ظروف الحرب لا يمكن أن يحدّد على وجه التحديد عدد الأطفال والنساء والعجائز ممن طالتهم وتطالهم الآلة العسكرية المجنونة من الطرفين.


تبدو الصورة التي ينقلها التلفزيون الروسي الرسمي لعمليات “التحرير” مشرقة برّاقة تقطر إنسانية ورحمة، فها هي طائرات الإيليوشن الضخمة تنقل مئات الأطنان من المعونات والمواد الغذائية، وها هم الجنود الروس الموجودين على الأرض في مركز المصالحة بين الأطراف المتصارعة يوزّعون وجبات للاجئين السوريين، الذين يشكرونهم ويثنون على ما يفعله الروس من أجل سوريا، يأتي ذلك عقب تغيير فعلي للمعادلات الإقليمية على الأرض وسط ردود فعل دولية بالشجب والإدانة والترقّب والقلق. فعليًا تمكّن بوتين من وضع العالم في خانة اليك، وطرح الأسئلة الوجودية التي يعجز العالم عن الإجابة عنها، أسئلة مثل تلك التي طرحها أثناء المؤتمر الصحفي مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في أيرلندا صيف ٢٠١٣ حينما قال إجابة على أحد الصحفيين البريطانيين: “أعتقد أنك توافقني على أن الدم يلطخ جانبي الصراع، ودائمًا ما يُطرح السؤال: من المذنب؟ لا أظن أنك ستعترض على إدانة من لا يكتفي بقتل أعدائه، وإنما يشقّ بطونهم ويأكل أحشائهم على مرأى ومسمع من الجمهور وأمام الكاميرات. هل هؤلاء من تريدون دعمهم؟ هل هؤلاء من تريدون دعمهم بالسلاح؟ إن ذلك يتناقض مع القيم الإنسانية التي تعرفها أوروبا لمئات السنين، على كل حال نحن في روسيا لا نستطيع أن نتصوّر ذلك”
يظهر بوتين في سياق هذا التصريح قيصرًا أخلاقيًا، ديكتاتورًا عادلًا يدافع عن السلام وحقوق الإنسان، بل إنه وعقب حفل أوركسترا مسرح مارينسكي بقيادة ڤاليري جيرجييڤ في معابد تدمر ٥ مايو ٢٠١٦، وبعد سماحه لإدوارد سنودن الموظف السابق بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية باللجوء إلى روسيا، وتجديد إقامته ثلاث أعوام أخرى يبدو قيصرًا تنويريًا مدافعًا عن حرية التعبير وانتشار الثقافة والفنون.
قيصر يستحق أن تبذل من أجله حياة…
(3)
ولدت يليزافيتا جلينكا عام ١٩٦٢، تتشابه “دكتور ليزا” كما يعرفها الجميع مع المؤلف الروسي الشهير ميخائيل جلينكا في إسم العائلة حيث ينتمي زوجها إلى سلالة المؤلف المعروف! وهي شخصية عامة مدافعة عن حقوق الإنسان وطبيبة إفاقة ورعاية تلطيفية (فرع الطب الذي يركّز على تخفيف أو منع معاناة المرضى الذين يخضعون للعلاج من أمراض يمكن الشفاء منها، أو المزمنة، أو الذين يقتربون من نهاية الحياة)، وهي أيضًا رئيسة جمعية “الإغاثة العادلة” وعضو في اللجنة الرئاسية لتطوير المجتمع المدني وحقوق الإنسان. عقب تخرّجها من كلية الطب هاجرت بصحبة زوجها جليب جلينكا إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهناك حصلت على الجنسية الأمريكية والتحقت بدراسة الطب من جديد وحصلت على مؤهل طبي ثان في الرعاية التلطيفية عام ١٩٩١. وعملت في أحد مراكز الرعاية التلطيفية، لتعود هي وزوجها إلى أوكرانيا عام ١٩٩٩ وتؤسس أول مركز رعاية تلطيفية لمرضى الأورام في كييف، وبعدها عاد الزوجان إلى موسكو عام ٢٠٠٧ وأسسا الجمعية الخيرية “الإغاثة العادلة”، التي يموّلها حزب “روسيا العادلة”، وهو مركز يدعم مرضى الأورام الميئوس من شفائهم، والمرضى من الفقراء، كما يدعم المركز المشردين بلا مأوى ويؤسس نقاطًا للتدفئة لهم، ويمدّهم بالغذاء والمساعدة الطبية والقانونية.
مع بدء العمليات العسكرية في شرق وجنوب أوكرانيا شاركت دكتور ليزا في عمليات الإغاثة في منطقة النزاع المسلح، كما شاركت في عمليات الإغاثة في سوريا، وسافرت إلى هناك عدد من المرات بصحبة حملات الإغاثة الروسية.
في السابع من ديسمبر حصلت على جائزة الدولة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، وأثناء ذلك الاحتفال قالت الكلمات التالية:
“سوف أسافر غدًا إلى دونيتسك (منطفة النزاع في أوكرانيا)، وبعد غد إلى سوريا شأني شأن عشرات المتطوعين العاملين في مجال الإغاثة. إننا لا نعرف أبدًا ما إذا كنّا سنعود أحياء أم لا، فالحرب هي الجحيم على الأرض. أنا أعرف جيدًا ما أتحدث عنه”
في الخامس والعشرين من ديسمبر تحققت نبوءة الدكتور ليزا، بينما كانت على متن طائرة توبليف ١٥٤ المتجهة إلى سوريا بغرض المساعدة في عمليات الإغاثة، فسقطت الطائرة في البحر الأسود.


(4)
بصحبة الدكتور ليزا كانت الطائرة تقلّ ٦٨ فنانًا من فرقة الموسيقى والرقص العسكرية التابعة للجيش الروسي، بما في ذلك القائد الأساسي والمدير الفني الفريق فاليري خاليلوف، وكانوا يعتزمون تهنئة العسكريين العاملين في قاعدة حميميم برأس السنة الجديدة بحفل للفرقة في سوريا. صدمة سقوط الطائرة الروسية (التي يبدو أنها سقطت لعيوب فنية، أو لخطأ بشري) دفعت النظام الروسي بأكمله لأن يكرّس جميع مجهوداته للبحث عن الحطام (يشارك في عملية البحث ٣٥٠٠ شخصا) بكل إمكانيات الجيش والحكومة ومؤسسات المجتمع المدني. كما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحداد في جميع أنحاء روسيا يوم ٢٦ ديسمبر.


(5)
نحن أمام ٦٩ إنسانًا على الأقل لا علاقة لهم بالحرب في واقع الأمر، فقدوا حياتهم بسبب الحرب. شخصيات عامة لها وزنها وثقلها. قامت الدنيا ولم تقعد، وأعلن الحداد، ودشنت الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي وامتلأت الصحف بمقالات التأبين، بينما تسبب القصف الروسي في مقتل مئات وآلاف المدنيين من بينهم أطفال في حلب وحدها، وأيضًا… لا أحد مذنب. فالزميل الفنان الروسي الذي يعمل في فرقة الموسيقات العسكرية مسيّر لا مخيّر، بل إنه ربما يسعد بتلك الرحلة إلى سوريا حيث الدفء وربما بضع روبلات إضافية تضاف إلى راتبه نهاية الشهر لمشاركته في حفل داخل مناطق النزاع المسلّح. الدكتور ليزا ربما لا تتفق مع الرئيس بوتين في قراره بالحرب، لكنها تفعل ما تجيد فعله من رعاية وإغاثة لعل إضافتها تلك تخفف المعاناة ولو عن عشرات الأشخاص. كذلك الطفل الواقع بين سندان الجماعات الإسلامية المتطرفة ومطرقة القصف الروسي الذي لم يعد يذهب إلى المدرسة، أو يلعب مع زملائه الذين سافر معظمهم لاجئين إلى شتى أنحاء العالم، يقتل ذلك الطفل بدم بارد، لتعنت الكبار في مواقفهم السياسية، وبسبب بشاعة الحرب القذرة بين طرفين أحدهما يحتمي بمدنيين والآخر يقصف المدينة بكل من عليها.
كان العسكريون في حميميم ينتظرون تلك الفرقة على أحر من الجمر، في ظل الحرب، وبين أطلال المدن السورية، وأصوات المدافع والقنابل وخطر الموت، كانوا ينتظرون تلك الريح الطيبة من الفنون والثقافة، هكذا يعتني الجيش الروسي بأبنائه، فيوفر لهم علاوة على وسائل القتال والدفاع المتطورة، والقواعد العسكرية التي تتوفر فيها سبل الراحة، فنًّا راقيًا لا من أجل الترفيه أو الترويح، بل من أجل أن يعرفوا أن هذا ما يخوضون الحرب من أجله، هويتهم، ثقافتهم، فنهم.
على الجانب الآخر وعلى مدار عقود من الزمان، لم يتمكن حزب البعث السوري من فرض الموسيقى بدلًا من القمع، ونشر الثقافة بدلًا من الطغيان، فنشأت حاضنة شعبية للأصولية والتطرف استغلتها مراكز التطرف التي تسعى إلى نشر التطرف في جميع أنحاء الوطن العربي في ظل فراغ ثقافي فني مريع، فانقلب التطرف إرهابًا وانقلبت الثورة حربًا أهلية وجدت بيئة صالحة من عشرات الآلاف من الشباب الذين لم يفتح لهم النظام أي آفاق فنية أو ثقافية أو سياسية في صغره أو مراهقته أو شبابه.
لا أحد مذنب. والكل مذنب في آن واحد.. إنها الحلول الأمنية هي ما يدفع إلى تلك الدائرة المفرغة، بدلًا من الحلول الفكرية المستندة إلى نشر الثقافة والفنون.
لقيت دكتور ليزا جلينكا مصرعها في حادث طائرة، وقبلها في القرن التاسع عشر رحل المؤلف الموسيقي الروسي ميخائيل جلينكا، لكن موسيقاه هي ما تكسب الثقافة الروسية معناها. أما نحن فلازلنا نبحث في القرن الواحد والعشرين عن جلينكا نلتف حوله فيقينا شرور التطرف والإرهاب.

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك