اليوم : الاثنين 18 ديسمبر 2017

تجتمع العائلة كل يوم جمعة بعد الصلاة في منزل الجد، يتحلق الأطفال حول شاشة التلفاز منبهرين بما يشاهدونه في عالم الحيوان بينما صوت الإعلامي الكبير محمود سلطان يتحدث عن هجرة الجاموس البري في موسم الجفاف ثم يجتمعون بعدها على مائدة الغداء الذي أعدته الجده وفي الخلفية يقوم الشيخ محمد متولي الشعراوي بتفسير القرآن على شاشة القناة الأولى وتكون موسيقى تتر نهاية البرنامج إيذانا ببدء الفيلم الكوميدي الذي يعقبه.

في رمضان يقتلنا الجوع والعطش في النصف ساعة الأخيرة قبل الإفطار، بينما الجميع مشغول بتحضير مائدة الإفطار يكون صوت الشعراوي القادم من التلفاز في خلفية المشهد إيذانا لنا أن نستعد ونهنأ فإن هي إلا دقائق ويؤذن المغرب.
ولكن هل استمعنا له حقا؟ هل استمع أي شخص من الجالسين حول مائدة الغداء يوم الجمعة أو من الذين يكاد يخشى عليهم من الجوع والعطش قبل الإفطار في رمضان إلى آراء وتفسيرات الشيخ محمد متولي الشعراوي بتركيز واستيعاب أم كان مجرد صوت في الخلفية.
أطفال وعائلات ثلاثة أجيال ارتبط صوت الشعراوي والبحة المميزة لصوته بأجمل وأسعد ذكرياتهم، يرون الشعراوي منارة للوسطية والآراء الفقهية المعتدلة، لكن لو سألت أيا منهم عن رأي واحد للشعراوي في أي قضية فقهية لما وجدته يعرفه.
هل كان الشيخ أمين متولي الشعراوي وفي رواية أخرى محمد متولي الشعراوي فقيها معتدلا.. بل هل كان فقيها في الأساس؟
سنة 1911 بقرية دقادوس ولد محمد أمين متولي الشعراوي وتخرج في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر عام 1940 أي أن الرجل لم يكن فقيها أو متخصصا في علوم الدين أو التفسير، الرجل كان من المفترض أن يصبح مدرسا للغة العربية وليس رجل دين.
ألا يذكركم هذا التشابه بمدرس الخط الذي أصبح رجل الدين والإمام حسن البنا والذي من مفارقات القدر أن يصبح الاثنان أصدقاء بل ويشترك محمد متولي الشعراوي في كتابة البيان التأسيسي لجماعة الإخوان المسلمين وذلك مذكور في مذكرات كل من الشعراوي وحسن البنا!
ولكن الشعراوي كان رجلا ذكيا، ذكيا للغاية لا يربط نفسه بشكل مباشر بتيار سياسي أو ديني واحد فهو في نفس وقت صداقته لحسن البنا وانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين كان عضوا بشكل رسمي في حزب الوفد على الرغم من العداء الشهير بين الطرفين.
بل وقام الشيخ محمد متولي الشعراوي بكتابة قصيدة في مدح سعد زغلول مؤسس حزب الوفد كانت سببا للخلاف بينه وبين صديقه حسن البنا والتي قال فيها:
ودمت يا ذكر سعد ملهبًا أمما
يسعى إلى مجدها النحاس والوفد
القصيدة لم تكن قصيدة المدح الوحيدة التي يكتبها الشعراوي فللشيخ عدة قصائد كتبها فيما بعد في أمراء ومشايخ الخليج العربي.
للشيخ لقاء شهير مع الإعلامي طارق حبيب في الثمانينيات في برنامج من الألف إلى الياء سأله فيه عن تلقيه خبر نكسة 1967 فأجاب بأنه سجد لله شكرا على هزيمة يونيو لأن النصر لا يجب أن يأتي ونحن في أحضان الشيوعية حتى لا نصاب بفتنة في ديننا، الحلقة التي منع التلفزيون المصري عرضها بعد ذلك وعندما انتبهت الرقابة لهذا الجزء بعد عرضه في قناة ماسبيرو زمان تم حذفه في الإعادات حتى لا يصاب المشاهد بفتنة في شيخه الجليل ولكن من حسن حظنا وسوء حظ من يقدسوه أن ذاكرة اليوتيوب لا تخضع للرقابة ولا يمكن محوها.
ولكن سجدة الشكر هذه لم تمنعه من أن يكتب مقالا عن عبد الناصر بعد رحيله يقول فيه: “مات جمال وليس بعجيب أن يموت، فالناس كلهم يموتون، ولكن العجيب وهو ميت أن يعيش معنا، وقليل من الأحياء يعيشون، وخير الموت ألا يغيب المفقود، وشر الحياة الموت فى مقبرة الوجود، وليس بالأربعين ينتهي الحداد على الثائر المثير، والملهِم الملهَم، والقائد الحتم، والزعيم بلا زعم، ولو على قدره يكون الحداد لتخطى الميعاد إلى نهاية الآباد، ولكن العجيب من ذلك أننا لو كنا منطقيين مع تسلسل العجائب فيه لكان موته بلا حداد عليه، لأننا لم نفقد عطاءنا منه، وحسب المفجوعين فيه في العزاء، أنه وهو ميت لا يزال وقود الأحياء”
في العشرين من مارس 1978 في الوقت الذي كان فيه الشعراوي وزيرا للأوقاف تقدم النائب “عادل عيد” باستجواب إليه يتهمه بالتستر على الفساد على الانحرافات التي تحدث داخل الوزارة، الاستجواب الذي ظل يؤجل لأكثر من عامين لم يمثل فيهم الشعراوي أمام البرلمان.
أثناء الاستجواب اتهم النائب “عاشور محمد نصر” أو الشيخ عاشور الرئيس السادات بالتقصير لعدم حضوره هذه الجلسة ليكون شاهدا على مخالفات وزارة الأوقاف ووزيرها محمد متولي الشعراوي، رفض رئيس المجلس وضع هذا في مضبطة الجلسة بينما كان كل هم الشعراوي هو الدفاع عن الرئيس السادات فاندفع يقول: «والذي نفسي بيده لو كان لي من الأمر شيء لحكمت الرجل الذي رفعنا تلك الرفعة وانتشلنا مما كنا فيه إلى قمة من لا يسأل عما يفعل». وصفق الجميع داخل جلسة مجلس الشعب، باستثناء الشيخ عاشور أزعجته تصريحات الشعراوي، فصرخ وسط القاعة “مفيش حد فوق المساءلة لشرع الله”
لاحقا وفي خلال أسبوعين تم اسقاط عضوية الشيخ عاشور النائب الوفدي ولم يجرؤ أحد على اتهام الشعراوي بأن كلماته بها أدنى قدر من الكفر أو الشرك ورفع السادات إلى مرتبة الألوهية.
الشعراوي هذا الرجل الذي يحمل الكثير من التناقضات الفكرية والفقهية التي انعكست بشكل واضح على حياته وفتاويه.
فنجد رأيه في عمل المرأة لا يختلف عن آراء مشايخ السلفيين حسان يعقوب أو الحويني وحتى عمر عبد الكافي فهو يرى أن عمل المرأة حرام إلا للضرورة لو لم يكن لها عائل، بل إن مجرد خروجها من البيت أو تواجدها في مكان عام مع الرجال مكروه إلا للضرورة فهو يقول نصا: “ولو ست شافت رجالة متجمعين أو واقفين طابور تبعد عنهم وتستناهم يخلصوا اللي بيعملوه بعدين تروح تعمل اللي عايزاه، والست اللي عايزة تخرج من البيت تدور على أي راجل ولو كان واحد غريب ماشي في الشارع ماتعرفوش يقضي لها حاجتها عشان هي ماتخرجش لأن المرأة في الأصل فتنة وهي رأس الحربة الذي يريد به الأعداء مهاجمة الإسلام
المرأة هي رأس الحربة الذي يهاجمون به الإسلام! هل هذا خطاب وسطي أم خطاب سلفي يحّمل المرأة مسئولية الفتن وانهيار الإسلام؟ أليس من قال “يختفي الغلاء إذا تحجبت النساء” هو نتيجة طبيعية لهذا الفكر؟
رأي الشعراوي في عمل المرأة في هذا الرابط.

ونلاحظ في الفيديو ذكره أنه يجلس دائما مع الرئيس أنور السادات وكيف أن الرئيس يؤمن على كلامه، الذي أشك أن الرئيس أنور السادات كان يجرؤ على ذكره أمام السيدة جيهان السادات.
الشعراوي الشيخ (الوسطي) عندما يتعلق الأمر بنصوص العنف والدم والتحريم لا يختلف رأيه عن أي شيخ سلفي أو وهابي أو أي متشدد ديني، فهو يرى أن تارك الصلاة كافر يمهل ثلاثة أيام ليستتاب ثم يقتل، إذن ما الفرق بينه وبين أي داعشي؟!
وحتي لا تقولون إنني افتري على إمام الدعاة فها هو رابط الفيديو.
هل كان فضيلة الشيخ رحيما بالمرضى ومن يصارعون الموت انتظارا لنقل عضو؟
فضيلة الشيخ كان له رأي بخصوص نقل الأعضاء وهو تحريمها مما أدى لتعطيل أي قانون ينظم التبرع بالأعضاء لعشرات السنين وأدى إلى نشوء السوق السوداء لتجارة الأعضاء.
وبرغم هذا لم يمانع فضيلة الشيخ في إجراء عملية نقل قرنية في لندن بعد ذلك!
هذا إلى جانب رأيه الذي لا يمت للإنسانية بصلة أن مرضي الفشل الكلوي يجب أن يتركوا ليعانوا حتى يموتوا ويجب إيقاف عمليات الغسيل الكلوي.
يعني لا يغسلوا كلى ولا ينقلوا كلى.
رابط الفتوتان.. هنا و هنا.
كما أن فضيلة الشيخ يرى أنه من الواجب على المسلم ألا يقوم بأي تصرف يرضي المسيحيين، ولا تهنئتهم بأعيادهم ومن يقوم بذلك فهو كافر بحكم القرآن، كما أن الشيء الوحيد المشروع في التعامل مع المسيحيين هو التعايش فقط، لكن يحرم القيام بأي تصرف فيه أي نوع من إبداء المودة لهم لأن المودة لا تكون إلا للمسلمين فقط! والطريف هنا أن هذا رأي الشيخ الشعراوي الذي يمثل الإسلام الوسطي وهذا الرأي قيل في السبعينيات على شاشة التلفزيون المصري قبل أن ينتشر الفكر الوهابي والسلفي في مصر وقبل ظهور الجماعات الإسلامية وقبل مسلسل الفتنة الطائفية المستمر منذ نهاية السبعينيات.
ومن المفارقة أيضا أن الشيخان عمر عبد الكافي ومحمد حسان اللذان يعدان من رموز الفكر السلفي كان لهما رأي مخالف لفضيلة الشيخ الشعراوي حيث يرى كل منهما وجوب تهنئة المسيحيين بأعيادهم طالما هم جيران لنا.
هذا فيض من غيث، فستجد أيضا فتاويه المهينة للمرأة والتي تجيز ضرب النساء وتقر بمسئوليتهم عن التحرش غير فتاويه التي تجيز قتل من يخالف العقيده.
هل هذا إذن شيخ وسطي؟ هل يستوي الشعراوي بمحمد عبده أم هو مجرد رائد من رواد مدرسة الوهابية ولا يختلف عن أي من مشايخ داعش.؟
هذا إلى جانب علاقته وقيامه بالدعاية لشركات توظيف الأموال التي ابتلعت مدخرات المصريين في السبعينيات والثمانينيات والتي قتلت بحثا.
لماذا إذن حظي الشعراوي بهذه المكانة لدى المصريين؟ كيف تحول من مجرد شيخ سلفي متوسط المستوى إلى شخصية مقدسة لا يجب المساس بها؟ بل وكيف أصبح انتقاد الشعراوي بمثابة ازدراء للأديان بينما انتقاد مشايخ مثل محمد حسان وحسين يعقوب يمر مرور الكرام؟!
كيف تحول إلى أيقونة في محلات العصير والكشري وعلى ظهر التكاتك والميكروباصات؟
كيف أصبح هذا الشيخ الذي كان يسكن في قصر منيف في المريوطية إلى رمز للزهد والورع؟
للشعراوي لغة سلسة بسيطة ولهجة قروية لها وقع محبب على آذان البسطاء من الشعب الذين اعتادوا على أن المشايخ يستعملون مصطلحات لغوية معقدة صعبة الفهم عليهم.، هذا إلى جانب موقفه الموالي للسلطة دائما ومديحه الدائم في الحكام العرب الذين عاش في كنفهم فنجد له قصيدة في مديح الملك فهد:
يا ابن عبد العزيز يا فهد شكرًا
دمت للدين والعروبة فخرًا. أنت ظل الله في الأرض
تحيا بك البلاد أمنًا وسرًا. أنت زدت المقدسات شموخا
بالإضافة إلى فتاواه الموالية للسلطة ضد الشعب كفتواه الشهيرة في أعقاب أحداث 18 و19 يناير بتكفير من شاركوا فيها لخروجهم على الحاكم.
كل هذا أتاح له مساحة على تلفزيون وإذاعة الدولة في وقت لم يكن فيه إعلام إلا إعلام الدولة، مساحة لم تتح مثلها في هذا الوقت لأي من المشايخ والفقهاء الآخرين.
حتى المسلسل الذي تم إنتاجه بعد وفاته بأربعة أعوام وشهد عودة حسن يوسف النجم الذي أحبه الناس شابا ثم اعتزل على يد الشيخ محمد متولي الشعراوي هو وزوجته شمس البارودي وصار من أكبر مريديه.. المسلسل نفسه ساهم في خلق هالة القداسة والورع لشخصية الشيخ محمد متولي الشعراوي، وإظهاره في صورة ملائكية في وقت كانت الأعمال الفنية سواء سينما أو تلفزيون لا تنتج إلا لتناول سير العظماء الذين أثروا في تاريخ السياسة أو الفن.
المسلسل الذي لم يتطرق لأي من فتاويه الرجعية والمثيرة للجدل أو التناقض في شخصيته وانتماءاته السياسية وترسيخ فكرة الشيخ الأمين على الأمة دون أن يكون له أي إضافة للفقه الإسلامي، فالشعراوي بالفعل إذا أردنا تقييمه فقهيا لوجدنا أن إنتاجه سواء في الفقه أو التفسير كان لا شيء، كان مجرد أداة لتبسيط وتزيين الفكر السلفي والوهابي في رداء يتقبله عامة الشعب الذين كانوا ينفرون من هذا الشكل قبل دخول فضيلة الشيخ أمين متولي الشعراوي إلى الساحة.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك