اليوم : الثلاثاء 23 يناير 2018

لا أعلم لماذا نطيل الكلام في وجود من نحب. ولماذا نكرر الجمل بصيغ أخرى. ولماذا ندلي بالمرادفات كثيرا مع إننا نبغضها. لا أعلم أيضا لماذا لا نتوقف عن إبداء الامتعاض في كل مرة نرى فيها طعاما لا نحبه. ففي كل مرة أبدي اعتراضي على السمك وفي كل مرة ينتهي بي الأمر إلى التهامه. ولا أعلم لماذا يسألني البائع في السوبرماركت عن الفكة وهو يعلم أنني لا أمتلكها. لا أعلم لماذا يسألني صديقي عن أحوالي وفي كل مرة أجيبه أني بخير. ولا أعلم لماذا يبذل سائق الأجرة قصارى جهده فى مروره سريعا قبل أن تطفئ الإشارة الخضراء وفى كل مرة يصل عندما تعلن الإشارة الحمراء عن وجودها حتى يتوقف السائق متذمرا لثوان معدودة. ولا أعلم لماذا أتوقع إجابات مختلفة كل مرة حينما أبحث عن دواء غير متوفر. ولا أعلم لماذا أكرر إيضاح وجهة نظرى لتبرير شئ ما مع أن الوضع لن يتغير بعدها. ولا أعلم لماذا أخبئ مشاعرى تجاه الناس مع أن البوح بها لن يغير من الأمر شيئا. ولا أعلم لماذا نملأ الفراغات دائما بالتكرار تارة وبالإخفاء والتراجع تارة. ربما كى لا نصاب بالملل وربما أكتب هذه السطور حتى أملأ بعضا من الفراغات أنا الآخر ولكن يبدو أننا نتقبل هذه الفراغات بكل حب بل ونبرع فى تكرارها.
لا أعلم حقا إلى أي التصنيفات ننتمي. فأنا مازلت لا أستطيع الجزم كليا بأننا عناصر خاملة طبقا لعلم الكيمياء لأننا لا زلنا نتفاعل مع بعض الأحداث بالفعل ولا أستطيع قول إننا المؤثرون والمتأكدون لأننا لسنا كذلك، ولكن نحن الأطراف الخاسرة على الدوام لأننا نمسك العصا من المنتصف ثم نكسرها فى النهاية.
لا أغضب كثيرا من الأخطاء التى نرتكبها جميعا لأننا ربما اعتدنا على استمرارها بالطبيعة. ولا أطيل الفرح تجاه الأشياء لأننا اعتدنا على زوالها بالطبيعة أيضا. ولا أثق كثيرا فى الوعود والالتزامات لأن طبيعة الأشياء تهزمها كثيرا.
يخبرنى صديقى أننا دائما نسعى للتوازن ولا نحصل عليه. ولن يكون بإمكاننا دائما معادلة الأمر والوصول إلى مائة بالمائة فى أكثر من شئ. فكثيرا ما نريد ثم نتراجع وكثيرا ما نتراجع ثم نريد مجددا. وكأننا نتحرك ونعود ونتخبط مثل جزيئات الغاز وهى تملأ الفراغ وكأننا فى تطبيق حياتى لنظرية التصادم. فنملأ الفراغات دون أن نشعر وكأننا نكتة كوميديا سوداء رديئة تروى سريعا ولا يتذكرها أحد.
لا أعلم السبب حقا فى تقبلى حقيقة الأمور على الرغم من كراهيتى لها بل وأننا نتصالح معها ونعطيها مذاقا خاصا. ولا أدري إن كانت الأماكن سيئة دوما أم أنها ساءت بنا. ولكن يبدو أننا نتمزق بدون سبب حقيقى كما قال نجيب محفوظ، وهذا هو جوهر المأساة.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك