اليوم : الاثنين 18 ديسمبر 2017

من المعادلات الصعبة فى صغري عندما كنت فى أحد الدروس لمعلم أحبه كثيرا لكنه كان كثير التدخين بطريقة لا تصدق. هو مثالى فى شرحه وفى طريقته للتعامل معنا ومع أمور حياته لكنه سيعانى من مشاكل فى الرئة عما قريب لهذا كنت أحزن على حاله وأتساءل لماذا لا يتوقف عن التدخين وهو يعلم أن هذا فعل سئ؟
فى فيلم Half Nelson لرايان جوسلينج، تدور الأحداث حول المدرس المثالي (دان)، الذي يهتم بتلاميذ فصله، لكن بعد فترة من الوقت تعرف الطالبة المضطربة (دراي) بعض المعلومات عن حياته الشخصية. ويقول الناقد روجر إيبرت إن المفارقة الأهم فى الفيلم وفى حياتنا أيضا أننا عندما نرى شخصا سيئا فى شئ ما فإننا نحكم عليه أنه بالضرورة سيئ فى كل الجوانب. فمثلا إذا رأينا شخصا يقامر فإنه بالتأكيد سكير وغير واعٍ طوال الوقت وأن علاقته سيئة بأولاده وبأهله. وإذا رأينا شخصا يدخن سيجارة فإنه بالتأكيد فاسد فى المجتمع بطريقة ما أو على الأقل إن كان فى الفيلم فإنه سيقتل شخصا.
ولا يقصد روجر ايبرت تبرير أفعال مثل المقامرة والإدمان وغيرها من الأفعال الخاطئة. ولكن لماذا نصر على أن الشخص سئ فى كل جوانب الحياة إذا رأينا جانبا سيئا واحدا؟ لماذا نوجه بندقية التعميم فجأة نحو رأسه؟
نرى المعلم المثالى دان وهو يتحدث عن التاريخ والسياسة بشغف مع طلابه ويهتم بأحوالهم إلى أن تراه الطالبة دارى وهو يتعاطى الكوكايين فى أحد الحمامات لتشعر بشيء من الخيانة والخداع للحظات. وكأنها تقول أهذا هو معلمنا المثالى الذى كان يحدثنا عن التاريخ والتغيير؟ هنا مربط الفرس. أيتوجب على الإنسان أن يصير مثاليا طوال الوقت فى أفعاله؟ ماذا إن كنت صاحبا للتصرفات السيئة ولكنى فى نفس الوقت لا أريد الآخرين أن يكونو بهذا السوء مثلى؟
فى رواية “كائن لا تحتمل خفته” لميلان كونديرا الذى طرح تساؤلا فلسفيا شديدا عن فكرة العود الأبدي وكم هى ثقيلة فى حد ذاتها. وعلى خلفية وصفه لتوماس بطل الرواية قد ذكر:
“ولكنه اقتنع فى النهاية بأن عدم معرفته لما يريده أمر طبيعى جدا. لا يمكن للإنسان أبدا أن يدرك ماذا عليه أن يفعل لأنه لا يملك إلا حياة واحدة لا يسعه مقارنتها بحيوات سابقة ولا إصلاحها فى حيوات لاحقة. لا توجد وسيلة لنتحقق أي قرار هو الصحيح. لأنه لا سبيل لأية مقارنة. كل شئ نعيشه دفعة واحدة مرة أولى ودون تحضير مثل ممثل يظهر على الخشبة دون أى تمرين سابق ولكن ما الذى يمكن أن تساويه الحياة إذا كان التمرين الأول هو الحياة نفسها؟ هذا ما يجعل الحياة شبيهة دائما بالمخطط الأولي لعمل فني ولكن حتى كلمة مخطط لا تفي بالغرض فهي تبقى دائما مسودة لشئ ما. رسما أوليا للوحة ما. أما مخطط حياتنا فهو مخطط للاشئ ورسم أولى دون لوحة”
قد ترى نفسك مرة فى دان ومرة فى توماس للتشابه الكبير بينهما. لكن دان قد أخبر دارى بعد موقف استشاط فيه غضبا أنه يريدها أن تتصرف بحكمة وعقلانية أكثر لا بتهور مثله. فهناك الكثير من الطرق الجيدة للتعامل مع الأمور ليس كما فعل. ثم استمر فى القول بأن “شيئا واحدا لا يحدد الإنسان ككل” فكونه مدمنا للكوكايين لا يعنى أنه سيء كليا. فهو معلم ناجح أيضا ويريدها أن تصير فتاة صالحة فى المجتمع. بل يريدها فتاة مثالية لا علاقة لها بمثل هذه الأمور كالإدمان وغيره.
المعضلة الفلسفية حقا فى كون دان شخص سيء فى جانب ما ويريد للآخرين ألا يجربوا هذا الجانب السيء. فكيف له أن يخبرهم بذلك وهو يفعله باستمرار؟ هنا تنهار المصداقية تماما لكنه من داخله يؤمن بخطأه ولا يريد للآخرين أن يكونو مثله. الحقيقة أن كلنا دان بطريقة أو بأخرى وكلنا نشبه توماس فى قرارات الحياة. نعم كل شئ نعيشه دفعة واحدة ولا توجد وسيلة لنتحقق أى قرار هو الصحيح. وكلنا نخطئ فى أفعالنا مثل إدمان دان للكوكايين. لكن تظل الظاهرة قائمة وأنه بمجرد رؤية الناس لجانب ما سيء فعليه يصدرون الأحكام وأنك شخص سئ على الدوام.
لكن فى النهاية دعنى أخبرك أن معلمي الذى أحببته قد مات بالفعل. وأن التدخين كان سيئا لكنه لم يتوقف عنه. وأن دارى استغلت فيما بعد لتوزيع الكوكايين على المدمنين وأن توماس مازال مخطئا فى قراراته لأنه لم يعرف ما يريد.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك