اليوم : الخميس 21 سبتمبر 2017

يتسابق أولياء الأمور في مصر على إلحاق فتياتهم بإحدى المدارس الألمانية في مصر.. تلك المدارس التي تتمتع بسمعة جيدة تعليميا وتربويا وأخلاقيا، فهي في أغلب الحالات تدار من قبل راهبات تحت إشراف من الحكومة الألمانية.
يسعى الأهل إلى عدة مزايا، منها تعلم اللغة الألمانية وإجادتها بشكل يماثل إجادة اللغة الأم، الحصول على شهادة الثانوية العامة الألمانية، وهي على خلاف شهادة الثانوية العامة المصرية شهادة معترف بها في جميع دول العالم، كما أنها تتيح الالتحاق بالجامعات الألمانية والعالمية، ضمان الحصول على وظيفة مرموقة ذلك لأن معظم خريجات المدارس الألمانية يمثلن نماذج مشرفة في أعمالهن ويشار لهن بالنجاح الباهر والتفوق، فمن الخريجات من تعمل بالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية الألمانية ووكالات الفضاء الأمريكية.
يطمح الأهل إلى اللغات والتميز العلمي والمهني، ولكن هذا ليس كل شيء. فهم لا يعلمون الثمن!
تدفع الخريجات ثمن إجادتهن اللغات وتفوقهن العلمي والمهني غاليا. ولا يدرك الأهل هذا الثمن إلا متأخرا.
نعاني نحن خريجات المدارس الألمانية في مصر من صراع الهوية. بل صراعات الهوية. فنحن مصريات تربينا على أيدي مدرسين ألمان وتعلمنا المناهج التي تدرس في ألمانيا. نتخرج من المدرسة فنحاول الاندماج في المجتمع المصري أو المجتمع الألماني ولكن بلا جدوى. فنحن بالنسبة للمصريين ألمان وبالنسبة للألمان مصريين. وبالنسبة لأنفسنا خليط من هذا وذاك. لم يقتصر تعليمنا على اللغة الألمانية فحسب بل انغمسنا انغماسا حقيقيا في الثقافة والحضارة الألمانية. انغماس خلق منا كائنات فضائية لا تنتمي إلى أي من الحضارتين بشكل كامل. انغماس يصعب معه التعايش والاندماج في أي من المجتمعين المصري أو الألماني.
نشأنا في دير وتعودنا على وجود صليب كبير أعلى قبة المدرسة وصلبان كثيرة في جميع الفصول والغرف بالمدرسة. تعودنا على المشاركة في القداس (المسلمات منا والمسيحيات) بل وقمنا في عدة مرات بالتحضير للقداس والغناء فيه. كان هذا عاديا ولم نفخر يوما بـ”الوحدة الوطنية” لأننا كنا نمارسها بتلقائية وعفوية شديدة دون أن نتحدث عنها. ولك أن تتخيل عزيزي القارئ ما يعنيه الخروج إلى المجتمع المصري “المتدين بطبعه” بعد هذه التجربة. لك أن تتخيل حجم الذهول والاستنكار الذي تتعرض له المسلمات من خريجات المدرسة، فهن بالنسبة للمجتمع “ناقصات دين” بالمعنى الحرفي للكلمة!
هل تعلم عزيزي القارئ ما نواجهه يوميا من الأحكام المسبقة والكليشيهات المتعلقة بـ”خريجات المدرسة الألماني”؟

هل تعلم بأننا بالنسبة لأصحاب الأعمال “لقطة وحمير شغل” وبالنسبة لزملائنا في العمل “روبوتات” وعساكر بدون مشاعر أو أنوثة؟

هل لك أن تتخيل الصراع اليومي الذي نعيش فيه لكي نندمج في العمل ونكّون صداقات وعلاقات خارج حدود صداقات المدرسة؟

هل تعلم ما تحتويه جلساتنا الخاصة من ألم و‘حباط ويأس لأننا لن نندمج أبدا؟ وشعورنا الدائم بأننا “كائنات فضائية” هبطنا من كوكب المدرسة الألماني نتكلم لغة لا يفهمها أحد سوانا ونشعر بمشاعر ونؤمن بأفكار واعتقادات لا يؤمن بها أحد سوانا؟
أتذكر أنا شخصيا المفاجأة غير السارة التي فجرها في وجهي أحد زملائي في العمل ذات يوم عندما قال لي: “إنتو كلكو مسترجلين كده. ماعندكوش أي نوع من الأنوثة خالص؟!”

في البداية شعرت بإهانة بالغة، ولكني تذكرت ابنتيه اللتين ألحقهما بالمدرسة. تفهمت أنه لم يقصد الإهانة، ولكنه يتحدث بلسان الأب المذعور على مستقبل بناته، فهن على عكس توقعاته لا يقفن بالساعات أمام المراية ولا يهتممن بمستحضرات التجميل أو الملابس أو الحلي، وهذا يقلقه كأب. يقلقه بالرغم من أن ابنتيه لم يتجاوز عمرهما الثامنة والعاشرة. يقلقه لأنه يخشى على ابنتيه من الكليشيهات التي اعتاد سماعها وربما قولها. يخشى عليهما أن يفقدا أنوثتهما التي لم تتكون بعد، ويخشى عليهما من حكم المجتمع عليهما بالخشونة وحدة الطباع و”الاسترجال”.
أما زميلي الآخر فقد صارحني بقلقه المتزايد من ذهابي للكنيسة وقراءتي للكتاب المقدس واحتفاظي بنسخة منه. صارحني بأنه سمع كثيرا عن محاولة الراهبات تنصير الفتيات واستقطابهن للكنيسة. صارحني خائفا وقلقا ومتسائلا: لماذا لا أرتدي الحجاب؟! فأنا كما قال مثل “التورتة اللي ناقصلها حبة الكريز”! نعم. اختزلني في “تورتة” واختزل الحجاب في “حبة الكريز”! ومن المضحك المبكي أنه فعل هذا محاولا التقرب إلي. فكيف إذًا تكون محاولاته لإهانتي؟!

لم يذكر هذا الزميل عدد الفتيات اللاتي تنصرن بسبب حضورهن القداس في المدارس الكاثوليكية. وذلك لأن العدد صفر. لم ولن يدرك هذا الزميل المحبة التي تربينا عليها، فإن المحبة تقلقه وتخيفه.
عزيزتي الأم.. عزيزي الأب: قبل أن تلحقوا فتياتكم بالمدارس الألمانية سعيا وراء إجادة ثلاثة لغات أجنبية وضمان فرص عمل ممتازة في الهيئات والحكومات الأجنبية، عليكم أن تفكروا جيدا. إذا كنتم تحلمون باللغة فمعاهد اللغات كثيرة وإذا كنتم تحلمون بالتفوق المهني فمراكز التدريب والإعداد المهني كثيرة. أما ثمن المدارس الألمانية فستدفعه فتياتكم من محاولات فاشلة للاندماج وصراعات مستمرة في الهوية الحضارية والدينية والثقافية.

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك