اليوم : الثلاثاء 21 نوفمبر 2017

كثيرا ما كنت أتألم إن سمعت عن حبس البعض حبساً انفرادياً.. كنت أتأمل العقوبة الجائرة بحد ذاتها كأكثر عقاب نفسى قد يطال بشر، ولم أكن وحدى من يراها بدرجة البشاعة تلك، فقد صيغت دراسات كاملة فى وصف الآثار النفسية السيئة لتلك العقوبة ووصل الأمر إلى التوصية بتجريمها عالميا لبشاعة آثارها.
لكننى أحيانا ما أشعر أن البعض يستحق حبساً انفراديا اختياريا مع النفس، تعاد فيه صياغة الكثير والكثير من الأمور التى تخرج عن نصابها الطبيعى.

تمضى بنا الأيام فى لهاث نفسى مدمر ولا نهائى فنلهث خلفها بلا توقف.. نلهث خلفها بلا تعقل يذكر..  دون أن نتوقف بإرادتنا ونتأمل ما نفعل ونقيم أهدافنا ونحدد السبل المثلى لبلوغ تلك الأهداف.

تمضى بنا الأيام ولا ندرى أننا نستحق ومن أنفسنا بأنفسنا حبساً انفراديا اضطراريا ولو مؤقتاً.

آفة واقعنا أننا لم نتعود على وقفات مواجهة النفس.. وقفات تحديد الأهداف.. وقفات وضع الخطط المستقبلية قصيرة وطويلة المدى.. آفة واقعنا أننا لا نتعامل مع حياتنا وأعمارنا على أنها قضية ومشروع عمر واجب الاهتمام والعناية.. مشروع يجب أن نضع له دراسة جدوى وتقديرا مدققا للأرباح والخسائر.. لا أحد -إلا من رحم ربى- يعى أن الحياة لابد لها من خريطة نضعها آملين الوصول للأفضل.

لابد لها من مبررات قوية تحقق من وجهة نظرنا وجودنا، فلا نعيش عبثاً ونرحل عبثا فى وسط سعينا لحياة مادية أفضل -وهو السائد من السعي- ننسى أنفسنا وما لها من حق أصيل علينا فى حياة إنسانية آدمية خالية من الضغوط.. ننسى الوقوف ولو لقليل من الوقت لنقيم أنفسنا وأعمالنا وعلاقاتنا بمن حولنا.. نبخل على أنفسنا بالتوقف ولو قليلا لتأمل الواجبات التى نحملها فوق عاتقنا والحقوق التى نطالب بها من حولنا.. ولا نتساءل أبدا عن مدى إحساننا فى الأعمال ولا عن كم الأوقات الضائعة دون طائل ولا مردود فى أمور أقل ما توصف به أنها مهدرة للاعمار والأعصاب والطاقة.

إن أردنا بعضا من المواجهة لمضيعات الطاقة اللعينة فأول ما سنصطدم به ذلك السارق الساحر الذكى الذى يلتصق بأيدينا طوال الوقت..  بدعة العصر وهبة التكنولوجيا التى غيرت وجه الحياة تماما فى السنوات الأخيرة ولست أدرى هل سميت بالأجهزة الذكية لما لها من خواص تساعد على إدارة التطبيقات بشكل ذكى يؤثر إيجابا على حياتنا ويسهلها تماما أم أنها كانت من الذكاء بحيث تسرق منا ذواتنا وحياتنا كاملة بل وتسيطر على أدوات تلك الحياة سيطرة كاملة.
بعد ظهور التطبيقات التى تظهر حجم إدمان الشخص لهاتفه الذكى وصدمة الكثيرين من الساعات الطويلة التى أظهرتها تلك التطبيقات لاستخدام مختلف تطبيقات الأجهزة الذكية، لم يعد هناك من شك فى تضرر الحياة الحقيقية الطبيعية فى مواجهة الحياة الافتراضية التى أغلق الكثير منا بابه عليها بل واكتفى بها البعض فى تطرف شديد مدعين أن الفضاء الافتراضى أوفى وأقل ضررا من الحياة الطبيعية وصدمات البشر.

واحتكاكات العالم بلا نهاية، حيث رصد أحد المراكز البحثية بسان فرانسيسكو فى دراسة مطولة التغيير الذى ينشأ وبشكل جذرى على شكل الحياة لدى الأطفال والمراهقين بسبب تعرضهم للتكنولوجيا المفرطة من الصغر ويستمر معهم طوال حياتهم فى تغيير جذرى وتأثير مباشر على علاقاتهم بالعالم المحيط لهم.

نهدر طاقاتنا فى التعرض المفرط لأكبر هادر للوقت ألا وهو الأجهزة الذكية وفى التنظيم الخاطئ للأولويات إن وضعنا أولويات من الأصل منتقلين بين شأن وآخر ومهمة وأخرى دون إتمام أي منها ودون توقف ودراسة لما نقوم بعمله، فأصبحت الأعمال غير المكتملة هى سمة الحياة لدينا فى فوضى حياتية عارمة لا تساعدنا فى بلوغ أي من أهدافنا.

نذهب للنوادى الرياضية أو الأماكن المفتوحة أيا كانت لنجلس دون حراك يذكر فى جمود بدنى نحسد عليه فيمر الوقت علينا دون استمتاع حقيقى بما نقوم به فعليا.. معدلات القراءة بيننا ضئيلة إذا ما قارننا من يقرأون بمن يتابعون القنوات التليفزيونية، وهو نجاح ساحق للجمود واستقبال أنواع مختلفة من البث الذى يشكل أفكارنا وتوجهاتنا بمنتهى القولبة والسطحية دونما تدخل يذكر منا، والكثير والكثير من الأمور التى نهدر فيها طاقاتنا وأوقاتنا دون أن نحاول أن نتوقف ونتساءل بعض الأسئلة المفيدة.. دون أن نحاول أن نرسم الخريطة المنيرة لطريقنا فى الحياة.

علينا أن نقرر وبإرادتنا الحرة أن نستسلم للحبس الانفرادى مع أنفسنا ولا نخشى مواجهتها وجها لوجه.. أحيانا لا نخشى مواجهة أقوى الأشخاص، لكننا قد نحشى مواجهة الشخص الماثل أمامنا فى المرآة.

تمضى بنا أيامنا ونقوم بممارسة الحياة بكل ما فيها من أخطاء ولبس وعشوائية ولا نجد لدينا من رغبة قوية لتوضيح الرؤية وجعلها صافية كسماء ليلة صيف قمرية.

علينا أن نتعود على النظر فى المرآة باستمرار دون خشية أو خوف يذكر فنواجه أنفسنا برغباتنا وأهدافنا التى علينا أن نراها واضحة وضوح الشمس، وأن نسعى سعيا قويا لتحقيق تلك الرغبات والأهداف مادامت مشروعة أخلاقيا وإنسانيا.. خطة واضحة بالأهداف قصيرة وطويلة المدى وتنفيذ ممنهج فورى لتلك الخطط من شأنه أن يغير مجرى حياتنا المستسلمة لطوفان أحداث عشوائية لا تنتهى.

لا يوجد عمر محدد لمثل تلك الوقفات ولا يوجد وقت محدد لبدء رسم خطط لسنوات حياتنا وأبدا أبدا نحن لم نتأخر على الاستسلام لحبس انفرادي اختياري إيجابي من شأنه أن يخرجنا وقد صادقنا شخصا جديدا فى حياتنا.. شخص أولى بحبنا ورعايتنا وحمايتنا.. هى أنفسنا التى نهمل العناية بها كثيرا.. هى أنفسنا التى لابد ألا نخشى أبدا الجلوس معها فى جلسة حبس انفرادى.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك