اليوم : الاثنين 29 مايو 2017

لا أدري ما الذي جذبها للحديث معي. هل هو صمتي الدائم وعدم اختلاطي بالبشر؟ هل هي هالة الغموض التي أحيط بها نفسي أو تحيطني رغمًا عني؟ هل هو شيء ما مشترك بيننا، يمكننا الشعور به، حتى وإن كنا لا نراه؟ على كل حال، لقد نجحت في اختراق عزلتي، واستطاعت أن تتجاذب معي أطراف الحديث. امرأة في نفس عمري تقريبًا، طلتها مريحة، ولهجتها شامية واضحة. وبعد حديث قصير كان يجب أن نبدأ في التعارف:
– أنا يارا. من لبنان.
– أهلًا وسهلًا. أنا مها.
كنت قد بدأت منذ عدة شهور علاجي الهرموني، لكنني لم أخرج للعلن كامرأة بعد، وهذا للكثير من الأسباب: أهمها بطاقة الهوية المكتوب في الخلف منها لفظ ذكر، وفي الأمام اسم ذكر وصورة ذكر، ذلك الذكر الذي صار غريبًا عني، والذي طالما عذبني وجوده. ولا أضمن إن خرجت للعلن كامرأة أن يقبض علي، فتقول الصحف: “القبض على رجل في ملابس امرأة يتحرش بالنساء” مثل تلك الفتاة المسكينة التي تم القبض عليها والتشهير بها منذ عدة أيام، وكأن التحرش بالنساء في هذا البلد يحتاج إلى تنكر!

ومنذ بدأت العلاج وأنا لم أعد أحتمل أن يخاطبني أحدهم بالصيغة الذكورية، أيًا كانت هيئتي، ولذلك فقد قل حديثي مع الغرباء إلى درجة تقترب من الصفر، وانقطعت علاقتي بالكثيرين ممن لا يعرفون حقيقتي، وصار اغترابي عن العالم أمرًا واقعًا. لكنني، ولسبب ما، شعرت أن يارا ليست غريبة عني، ولذلك:
– معلش قلتلي اسمك إيه؟
– مها.

– أصل أنا ترانسيكشوال.
– ترانسيكشوال!
انتفضت يارا من مكانها مصدومة. قلت لنفسي أنها الترانس فوبيا بالتأكيد، وأنها غالبًا سوف تهرب الآن. لكنني فوجئت بها تقول -بعينين مرتبكتين دامعتين-:
– أنا كمان ترانسيكشوال.
انتفضت أنا أيضًا من مكاني. فلم أكن أتوقع إطلاقًا أن تكون هي الأخرى مثلي. عابرة جنسيًا. تسبقني في عبورها بعدة أعوام.
انقضت علي تحتضنني بشدة وتعتذر وتبكي، احتضنتها أنا أيضًا، وشرعت في البكاء. لم نتحدث بعدها طويلًا، في الواقع لم نكن بحاجة للحديث، فنحن نعرف كل شئ مسبقًا عن بعضنا البعض، فنفس القصة هنا، هي نفسها هناك. لكنني كنت في أمس الحاجة إلى ذلك الشعور العميق والدافئ بالطمأنينة والهدوء والسلام، لمجرد وجودها هناك بجواري. كنت قد شاهدت للتو فيلمًا يتحدث عن العائلة. وشعرت أن يارا.. تلك التي تعرفت عليها منذ عدة دقائق، هي أقرب لي من عائلتي بأكملها. لم يحتضنني أحد من عائلتي بهذا الصدق من قبل. ولم يؤثر في أحدهم قط إلى هذه الدرجة. ولم يشعرني أحدهم من قبل بهذا الأمان. تذكرت وقتها “كرمة”، امرأة أخرى عابرة جنسيًا لم أقابلها من قبل، لكنها ترسل لي كل صباح رسالة تقول لي فيها صباح الخير وتتمنى لي يومًا سعيدًا، وتستمر في فعل هذا حتى لو لم أرد عليها. وعندما سألتها يومًا عن السبب، قالت أنها تريد فقط أن تشعر أنها ليست وحدها بالعالم، وأن هناك أحد ما.
كان الفيلم الذي كنت قد شاهدته قبل قليل وثائقيًا، يحكي عن المثليين (المثليين وليس العابرين جنسيًا). نعم؟ ما الفرق؟ بإمكانك أن تبحث في جوجل. المهم. أن هناك شئ هام مشترك بيننا وبينهم، وهو أننا وإياهم جميعًا منبوذون ملفوظون من مجتمعاتنا. ومن عائلاتنا. وهذا هو بالتحديد ما كان يتحدث عنه الفيلم. كيف أن “العائلة اختيار”. ولذلك بدأوا هم في تكوين عائلاتهم الخاصة، من بعضهم البعض، تلك العائلات الأكثر صدقًا، وودًا، وإخلاصًا، وتسامحًا، وبراءةً، ودفئًا، من عائلاتهم الأصلية، التي ألقتهم للشوارع متبرية منهم.
وكم كان هذا ملهمًا.
اليوم وأنا أكتب هذه السطور هو اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية، ورهاب العبور الجنسي كذلك. واليوم أفكر في أننا نحن في الحقيقة من لدينا الحق -كل الحق- في الرهاب. رهاب المجتمع الذي لفظنا وأهاننا وغرّبنا بكل هذه القسوة. فقط لأننا مختلفين. وفقط لأننا وجدنا الشجاعة للاعتراف بذلك. هناك بالطبع من يتعاطفون معنا، وهناك من يتفهمون، لكنك لن تشعر معهم أبدًا بذلك الأمان، الذي يشعرك به وجود من هم مثلك. فأنت لن تضمن أبدًا نواياهم، ولن تضمن أبدًا أن لا يعايرك أحدهم بحقيقتك أو يشكك بها أو بك مع أول خلاف بينكما. كما أنك لن تضمن أبدًا، بل في الحقيقة أنت متأكد، أنهم أبدًا لا يشعرون بك.
معلش. أعذرونا. فنحن لدينا فوبيا.
وفي نهاية اليوم، أشعر بأنني محظوظة، لأن لدي عائلة. عائلة حقيقية وصادقة. معلش يعني. ليس لدى أحدكم عائلة مثلها. لدي فريدة ولدي ملك ولدي كيمي. ولدي هناك الكثير من الأخوات (ومن الإخوة أيضا) سواء ممن قابلتهم كـ يارا، أو ممن لم أقابلهم بعد كـ كرمة. تلك هي عائلتي. وليس لدي أي عائلات أخرى.
شكرًا لوجودكم بجواري في الحياة. هنا. أو هناك.

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك